جريدة الدستور : تدريب للتمتع بالعطاء أكثر من الأخذ (طباعة)
تدريب للتمتع بالعطاء أكثر من الأخذ
آخر تحديث: الأربعاء 22/01/2020 09:28 م
د. القس صفوت البياضى د. القس صفوت البياضى

تعودنا كما تعود أطفالنا أن نفرح كما يفرحون هم أيضًا عندما نحصل على أشياء جديدة كالملبوسات، أو عند حصول أطفالنا على اللعب التى تسعدهم، أو منحة كبيرة تسعدنا جميعًا، أو مناسبة تكريمنا من جهات أعلى تقدر جهودنا وتعتز بما حققناه فى العمل، والمردود عندما يكون فى شكل إما ترقية أو علاوة للتميز من شأنها أن ترفع من دخلنا المادى.
ويسعد أطفالنا عندما يقدمون طواعية بعضًا من مقتنياتهم لغيرهم من الأطفال الذين لا تمكنهم حالتهم المادية من الحصول على ما يقدمه أطفالنا لهم، مثل دعوتهم لوجبة طعام يتوقون إليها، أو هدايا قد يتمنونها ولا يتوقعون الحصول عليها.
ومن صور هذه التجارب قصة شخص تعرض فى طفولته لحرمان شديد حتى من الضرورات الحياتية، ولكن بعد أن تغيرت حالته إلى الأفضل قرر أنه سيبذل جهده، حتى ولو لم يكن فى مقدوره أن يغير العالم، فعلى الأقل سيبذل جهده لإسعاد الأطفال فى دائرته، وذلك بتدريب الأطفال على مشاركتهم للآخرين الذين لا يستطيعون الحصول على ما يسعدهم. فعزم على تدريب الأطفال على هذه المشاركة مع الآخرين الذين يماثلونهم فى العمر، وذلك بمساندتهم لتحقيق بعض أحلامهم، وأطلقوا على هذه الحركة «درب أطفالك كيف يختارون ما يسعد غيرهم الذين لا يقدرون على تحقيق رغباتهم، وكيف يسهمون فى تحقيق هذه الرغبات»، التى تركز على كيفية أن يحاول كل طفل مشترك بها أن يسعد طفلًا آخر. وبدأت هذه الحركة بمحاولة إسعاد غير القادرين من الأطفال، ثم امتد عملها لتشمل أسرًا بأكملها تعجز عن تدبير أولويات احتياجاتهم، ومبدأ هذه الحركة هو التدريب على إعانة الآخرين، واختيار أفضل شىء يحبه الطفل لا لنفسه بل لسعادة الآخر، ويتم تشجيع الطفل على أن يشارك طفلًا آخر، ليس فقط للمشاركة بلعبته، التى لم يعد يريدها، بل لاهتمامه بالطفل الآخر، وبذلك نكون قد دربنا الأطفال على مشاركة الآخرين، ليس تخلصًا مما هو فائض عندهم، بل بذلًا لحبهم للآخر كما يحبون أنفسهم، والتعود على تقديم الأفضل للآخرين وليس الفائض الذى لم يعد مرغوبًا. فالدرس الأول فى تعليم أطفالنا أن يعطوا أفضل ما عندهم وليس ما يريدون التخلص منه لقدمه أو لعدم الاحتياج إليه، أو لأنه لم يعد صالحًا للاستخدام، أو لأنهم زهدوا فيه أو تعطل، وهنا كان الدرس المهم من المعلمين للذين يقومون بتعليمهم، وهو أن يحسنوا اختيار ما يقدمونه للآخرين، ولندرب أطفالنا على اختيار ما يريدونه لأنفسهم مع اختياره للآخرين أيضًا، حتى لا نعرضهم لأنانية التفكير والأنانية فى الاختيار.
وفى بعض بلدان العالم توجد هيئات مختصة لجمع لعب الأطفال قبل نهاية العام حتى يتجمع لديها خمسون ألف لعبة أطفال جيدة وهادفة، وذلك لتوزيعها على الأطفال غير القادرين على شراء لعبة يحبونها مع بداية العام الجديد، فيتم توزيعها من خلال هيئة إسعاد الأطفال، التى تصطحب مجموعات من الأطفال الذين أسهموا فى شراء هذه الهدايا لتدريبهم على تقديمها وإسعاد الآخرين، ومن أمثلة بعض الجهات التى تشجع هؤلاء الأطفال الذين قدموا هداياهم لغير القادرين بعض أصحاب محال الحلاقة الذين يقومون بقص شعر عدد من مقدمى الهدايا مجانًا.
وفى بعض الأحيان نسمع طفلًا يقول: لقد نشأت فى وسط لا يشجع على تقديم أشياء ثمينة للآخرين، إلى أن تعلمت من معلمتى كيف أسْعَد أنا بإسعاد غيرى، لا سيما إذا كان من غير القادرين، فشكرًا لمعلمتى التى هى عضو فى هيئة تسمى «مدينة الأطفال» التى ترفع شعار «إنقاذ أطفال وشفاء عائلات».
والهيئة تعلن عن أنه لا عليك إلا أن تكون رحيمًا بطفل، ومن مواصفات من يريد أن يختار طفلًا أو أكثر لرعايتهم والسؤال عنهم هو إجادة التعامل مع الأطفال، وتشجيعهم وحمايتهم من الأخطار، ودعوتهم للتنزه أو الفسحة وسط أسرهم، فيكونون معلمين جيدين لتعليم حسن المعاملة والصبر والاحتمال أثناء اصطحاب الأطفال فى نزهة أو لتناول الطعام مع أسر الداعين، وحمايتهم حتى عودتهم لديارهم، وتشجيع الطفل على الاعتماد على نفسه قدر الطاقة، وتدريب الأطفال على مواجهة المواقف الصعبة وكيفية التعامل السليم معها، ورفضهم للمواقف السلبية.
أما ما يُطلَب من الوالدين أو المنوط بهم تربية الصغار فهو أن يحتفظوا بالهدوء كنموذج لضبط النفس واتخاذ المواقف الإيجابية لا السلبية.
وهناك بعض الأساليب السليمة المتخذة فى تعليم الأطفال، ومنها: المدح المهدّف والمؤثر إيجابيًا فى الطفل، والتعليم الصحيح، وضبط النفس، وتجنب السلبية والكلمات التى لا تبنى ولا تعلم، بل تهدم وترسخ مفاهيم سالبة، مع الوضع فى الاعتبار أن تربية طفل تربية صحيحة ليس من الأمر السهل، بل هى بناء يطول زمنًا حتى نحصل على جيل أفضل، بل قد يكون أفضل من جيلنا كآباء.