جريدة الدستور : بيان برلين ينعى الأمم المتحدة! (طباعة)
بيان برلين ينعى الأمم المتحدة!
آخر تحديث: الخميس 16/01/2020 07:27 م
ماجد حبته ماجد حبته
ماجد حبته
ماجد حبته

قبل ثلاثة أيام من انعقادها، تم نشر مسودة البيان الختامى، المفترض أن يصدر عن «قمة برلين» الخاصة بليبيا، التى ستنعقد بعد غدٍ الأحد. ومع أن المسودة ستخضع لمناقشات الدول المشاركة، قبل صدور الصيغة النهائية، إلا أن نصف البنود الـ٥٤، على الأقل، كشف عن عجز الأمم المتحدة، وأثبت أن القرارات الصادرة عنها، وعن مجلس الأمن، كانت مجرد حبر على ورق.
من البند الأول، فى مسودة البيان، عرفنا أن المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، وجهت الدعوة إلى حكومات مصر، الإمارات، الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، الصين، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، تركيا، إضافة إلى ممثلى الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقى، الاتحاد الأوروبى، وجامعة الدول العربية. ومن خارج البيان، عرفنا أن فايز السراج، رئيس ما كان يوصف بـ«المجلس الرئاسى الليبى»، أعلن عن موافقته على الحضور، بينما ذهب هايكو ماس، وزير خارجية ألمانيا، أمس الخميس، إلى ليبيا لمحاولة إقناع المشير حفتر.
بعد ٣ بنود إنشائية، تعيد التأكيد على بديهيات، أشار البند الخامس إلى أن «أى حل عسكرى فى ليبيا غير ممكن»، وأن الهدف الأوحد لـ«عملية برلين» هو مساعدة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على توحيد المجتمع الدولى لدعم الخطة المكونة من ثلاث نقاط التى اقترحها المبعوث الأممى. ثم زعم البند التالى أن المجتمعين سيلتزمون «بالامتناع عن التدخل فى الصراع المسلح، أو فى الشأن الداخلى الليبى»، وأنهم يحثّون جميع الأطراف الدولية الفاعلة على القيام بالمثل!.
ما يجعل هذا الكلام عبثيًا، هو أن غسان سلامة، المبعوث الأممى، اتهم ١٢ دولة، يشارك أكثر من نصفها فى قمة برلين، بانتهاك قرارات الأمم المتحدة بشأن ليبيا. ومع ذلك، يدعو البيان، أو سيدعو، جميع الأطراف «إلى تطبيق وتنفيذ عقوبات مجلس الأمن، ضد من يتبين تورطه فى اختراق القرار الخاص بحظر توريد الأسلحة»، فى إشارة إلى القرار رقم ١٩٧٠ الصادر سنة ٢٠١١، أى منذ تسع سنوات، والذى لم يمسس الدول التى انتهكته، ولا تزال، أى سوء ولم تطالها أى عقوبات!.
أيضًا، لا نعرف على أساس، أو «بأمارة إيه» يعترف المجتمعون، أو سيعترفون، كما ينص البند السابع، بالدور الرئيسى للأمم المتحدة فى تيسير عملية سياسية ومصالحة شاملة داخل ليبيا استنادًا إلى الاتفاق السياسى الليبى لعام ٢٠١٥، وقرار مجلس الأمن رقم ٢٢٥٩ لعام ٢٠١٥، وقرارات المجلس الأخرى ذات الصلة، والمبادئ التى تم التوافق عليها فى كل من باريس، وباليرمو، وأبوظبى، إلى جانب الأدوار المهمة لكل من الاتحاد الإفريقى، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبى، ودول الجوار، فى تحقيق الاستقرار فى ليبيا!.
جميل طبعًا أن يدعو البيان إلى «تسريح أفراد الجماعات المسلحة، ونزع سلاحها، ودمج الأفراد المؤهلين فى المؤسسات المدنية، والأمنية، والعسكرية، بالدولة، على أساس فردى، وبناء على إحصاء لأفراد الجماعات المسلحة، وعمليات تدقيق مهنية». وجميل جدًا أن يدعو إلى «وضع ترتيبات أمنية مؤقتة فعّالة، يحمى من خلالها الجيش، والشرطة، المناطق السكنية، ومرافق البنية التحتية الحيوية، بما فى ذلك المقرات الحكومية، والمطارات، و... و... إلخ».
جميل طبعًا، وجميل جدًا، غير أن الواقع يرد على هذا الكلام، بأن الميليشيات، التى تستخدم مجلس السراج أو حكومته، وليس العكس، مرتبطة بتنظيمات إرهابية لا تدين بالولاء لليبيا، ولا حتى لذلك المجلس أو لهذه الحكومة، ولا يمكن أن توافق على تسليم سلاحها أو تسريح أفرادها إلّا فى جهنم. وما من شك فى أن وجود تلك الميليشيات، المدعومة من دول معروفة بالاسم، سيعرقل أى عملية سياسية فاعلة، وسيمنع تشكيل حكومة تمتلك الإرادة والقدرة على إنفاذ قراراتها.
امتلاك الحكومة، المأمول تشكيلها، للإرادة والقدرة على إنفاذ قرارها، يعنى بوضوح أنه لا لزوم للبنود الـ٣٣ الأولى من مسودة البيان، ما لم يتحقق البندين رقم ٣٤ و٣٥: «ندعو لاستعادة احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة».. و«ندعم تشكيل قوات ليبية موحدة معنية بالأمن الوطنى والشرطة، وعسكرية فى ظل قيادة مدنية مركزية، بالبناء على محادثات القاهرة، والوثائق التى تمخضت عنها، وكذلك الجهود الليبية لإجراء حوار أمنى وتوحيد أطراف البلاد».
حال عدم تحقق هذين البندين، فإن البنود السابقة ستكون بلا جدوى، كما سيستحيل تحقيق البنود اللاحقة، وصولًا إلى البند الأخير الذى نص على طرح نتائج هذه القمة على مجلس الأمن، ودعوة المبعوث الأممى، والبعثة الأممية لدعم ليبيا إلى دعم تنفيذ «الالتزامات المقررة». إذ ليس معقولًا، أو منطقيًا، أن يتم إلزام تركيا، مثلًا، بما تتفاخر بانتهاكه، وما أكده رئيسها، أمس الخميس، على استمرارها فى انتهاكه، بزعم ضمان الاستقرار فى جنوب أراضيه، الذى يشمل ليبيا، وكأن «البعيد» أعمى، أو يستعمى ما يوصف بالمجتمع الدولى!.