جريدة الدستور : حظر "العفاريت".. "الدستور" داخل منابع "التوكتوك" في مصر (طباعة)
حظر "العفاريت".. "الدستور" داخل منابع "التوكتوك" في مصر
آخر تحديث: الأربعاء 09/10/2019 07:14 م سمر محمدين – نرمين كامل
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

بلونه الأسود انتشر في المناطق النائية في بداية ظهوره عام 2005 قادمًا من الهند، ومع عدم وجود رقابة كافية عليه في بداياته بدأ يتوغل بشكل كبير في المحافظات الكبرى كالقاهرة والجيزة والأسكندرية، ولصغر حجمه وضآلة سعره في البداية اتجه إليه عدد كبير من الشباب كمصدر للرزق، لكن فيما بعد كثرت جرائمه لعدم وجود ترخيص له أو أرقام تدل على صاحبه، ما نصفه لك هو "التوكتوك".

وقضاءً على أزماته، وجه الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، إلى استبدال وإحلال الـ"توكتوك" بسيارات آمنة ومُرخصة تسمى"الميني فان"، على أن تتبنى المشروع وزارة المالية والجهات المعنية ويتم تنفيذه مثلما جرى سابقًا في استبدال سيارات التاكسي القديمة، ليحل محلها التاكسي الأبيض.

 


ورغم تلك القرارات بشأته، لا زالت هناك أماكن لتصنيع "التوكتوك"، زارت "الدستور" 3 مناطق هي الحوامدية على رأس هذه المناطق، وفيصل ودار السلام، وهناك التقينا بالتجار وأصحاب ورش الصيانة، لمعرفة مصير أصحابها حال تطبيق قرار الإحلال، الذي كان له صدى أيضًا في الدول الموردة لأجزاء "التوكتوك" -الهياكل وبعض أجزاء منه وقطع غياره على حدى- التي يتم تجميعها وتصنيعها في ورش مخصصة لذلك فقط في مصر، وهو ما عايشته "الدستور" فيما يلي.

 

هنا الحوامدية.. منبع التوك توك في مصر

البداية كانت في مركز الحوامدية بالجيزة، التي تعتبر ورشة الهند في مصر للتصنيع والتجميع والإصلاح، على مستوى الجمهورية، وفيها التقينا حسن الششتاوي، شاب ثلاثيني وصاحب كبرى ورش إصلاح التوكتوك في مصر، حتى أنه فاز في إحدى المسابقات واُختير من قبل واحدة من الشركات المستوردة للسفر إلى دولة الهند، عرفانًا من الشركة بمجهوده ومهارته كميكانيكي لـ "التوكتوك" في مصر.


"كنت أعمل وأنا في سن صغيرة في ورشة ميكانيكيا كانت مملوكة لأحد الأشخاص من محافظة المنصورة، وكان من أفضل الورش اللي ممكن تصلح عندها التوكتوك بتاعك، وتعلمت الصنعة على يد هذا الرجل، وفكرت بعدها أن أفتح ورشة مستقلة لنفسي، وقد كان"، يقولها حسن الششتاوي.

وبنبرة يأس، يتساءل "الششتاوي"، في حديثه مع "الدستور": "أنا مش عارف لو القرار تم تطبيقه، هعمل إيه وهشتغل في إيه، أنا شغال في التوك توك من 2004، عمري كل في الصنعة دي، والواحد ما صدق يستقر، ويكون صاحب صنعة ومكفي نفسه، ليه كل ما نشعر بالآمان والاستقرار، يفتعلوا أي شيء لإرهاقنا مرة أخرى".

 

واختتم كلماته بأن لديه 5 عمال يعملون معه، وتبلغ يومية الواحد منهم 70 جنيهًا، فضلًا عن وجبة الإفطار والغداء، متسائلًا ما مصير هؤلاء الصبية الـخمس بعدما يُطبق القرار، فهو قد وفّر لهم حياة كريمة بهذه الصنعة وأنقذهم من الضياع.



صاحب معرض "تكاتك": "بعد القرار الآية اتقلبت"

بعد عدة خطوات، التقينا علاء صبحي، رجل خمسيني، لديه معرض بيع وشراء التوكتوك المستعمل، كذلك فرشه وكمالياته، حدثنا قائلاً: منذ بداية القرار وأنا أتلقى اتصالات هاتفية كثيرة من أشخاص يريدون بيع التوكتوك والتخلص منه بأي شكل، بيد أنه قبل أيام من القرار، كان الكل يشتري فقط، ولم يكن هناك أحد يرغب في البيع، ولكن "بين يوم وليلة الآية اتقلبت".

 

ويقول "علاء" أنه لديه أسرة مكونة من زوجة و5 أبناء، ويعول أسرته من عمله في سوق تجارة التكاتك وبيع قطع غياره، مؤكدًا أن كل مجال ومهنة فيها الإيجابي والسلبي، ومثلما يوجد شباب يستخدم التوكتوك في انحرافاته، يوجد أيضًا أسر كثيرة "فاتحة بيوتها منه"، مشيرًا إلى أن لديه بضاعة بـ 300 ألف جنيه، "ومش عارف هبيعه ازاي بعد القرار اللي وقف حالنا دا"، مؤكدًا أن التفكير في مهنة أخرى ليس سهلاً.



 صاحب محل قطع غيار: "عندي بضاعة في المخازن وطلبيات جاية وكلها هخسرها"

وفي جولتنا بالمنطقة، دلفنا إلى محل هارون لقطع الغيار، استقبلنا فيه علاء ماهر، شاب ثلايني يدير محل والده، أخبرنا أن قرار إحلال التكاتك أضرّ بالكثير من السائقين وتجار قطع الغيار أو الاستيراد؛ لأن رأس المال كله تم استخدامه لشراء بضائع من قطع الغيار واستيرادها من الهند، وحتى الآن لم يرد حساب البضائع، فلديه 4 محلات، وخزائن ممتلئة بالبضائع.".

 

"المشكلة مش في البضاعة بس لكن في الطلبيات اللي بلغت بيها الشركة الموردة، الحمولة زمانها في البحر وأيام قليلة وهتوصل المينا"، هكذا استكمل التاجر حديثه في حيرة ما بين إرجاعها أو لا، متابعًا:  بمجرد ما توصل المينا هتعد فلوس في الكونتنر على حسب أيام الانتظار، وكلها خساير".

 

ويروي التاجر أنه رغم دراسته للتمريض وحصوله على تكليف رفض استكمال مسيرته فيها لضعف رواتبه، وفضّلت عائلته أن يكون مكملاً لها في تجارتها للتكاتك، حتى أصبحوا أشهر وأكبر محل قطع غيار على مستوى المحافظة، فيأتي لهم الناس من مختلف المحافظات، وبها يستطيع توفير احتياجات أسرته.


 

الأسطى لؤلؤ: "إذا اتمنع هناكل منين!"

"لما التوكتوك أزمة كبيرة كدا وهيتم حظره دخل البلد ليه من الأساس؟"، بهذا السؤال الاستنكاري استهل الأسطى لؤلؤ، ميكانيكي وصاحب ورشة، حديثه عن قرار حظر "التكاتك"، مستطردًا أنه من الممكن حظر سير التكاتك في الأماكن والشوارع الرئيسية، فإذا كان هناك رقابة جيدة في الشوارع لما تجرأ سائقي التكاتك على تجاوز المناطق الشعبية والقرى، وإذا اتمنع "هناكل منين!".

 

وفي كلمات قاسية التقطناها من محمود، أحد الصبية الأطفال في ورشة لؤلؤ، قال: تركت التعليم رغم رغبتي في استكمال مراحله، لكن للأسف كنت أذهب للمدرسة ولا أجد معلمين للشرح فلا أستفيد شئ، لذا اتجهت للورشة وتركت التعليم.


 

صاحب ورشة مفروشات: "التكاتك أمان أكتر للبنات"

وخلال تجوالنا، انتقلنا إلى أحد محلات تصنيع جلود التوكتوك، حيث استقبلنا ممدوح السروجي، صاحب ورشة مفروشات، يقول: نحن كورشة مفروشات الجلد لن تستطب لنا الحياة بعد منع التكاتك؛ لأننا متخصصون في تلك المهنة، كما نمتلك كميات كبيرة من المفروشات داخل المحل، وبالتالي ستقع علينا بخسائر فادحة؛ لأن سيارات الميني فان لن تكون في حاجة إلى هذا النوع من المفروشات".

 "التكاتك أكثر أمانًا للبنات عن السيارات المغلقة، وذلك عند حدوث أي ظروف طارئة، وما يميز التكاتك أن كل طبقات الشعب يمكنها ركوبه على عكس السيارات، كما أن كثير من الشباب غير المتعلم وذا مستوى اجتماعي منخفض يتجه للعمل كسائق، لعدم قدرتهم على الحصول على وظائف في أماكن مرموقة.


 

  • بحسب إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نشرت في ديسمبر الماضي، فإن عدد المركبات المرخصة على مستوى الجمهورية بلغ نحو 10 مليون و881 آلف و630 مركبة، وفي الأعوام السابقة، كانت أعداد تالتكاتك في 2015 نحو 85 ألف و294، فيما بلغ عام 2016 حوالي 99 ألف، وفي 2017 كانت أعداد تلك المركبة في تزايد حيث تعدت 125 ألف توك.

 

فيصل.. المنطقة الأهم لتجارة التوك توك

من الحوامدية إلى فيصل حيث شارع العشرين وكفر طهرمس الشهيران بانتشار معارض وورش الصيانة التكاتك، وهناك التقينا مجدي عامر، صاحب إحدى المعارض، الذي قال: "أنا ما صدقت كونت مؤسسة وعمل لنفسي مشروع، فكرة إني أعمل إعادة هيكلة من جديد للمعرض لبيع الميني فان مستحيلة، بالإضافة إلى إني حاليًا شغال مثلًا برأس مال 300 ألف عندي 7 تكاتك في المعرض بتاجر فيهم، بعد تطبيق القرار الـ 300 ألف دول هيجيبولي عربيتين تلاتة بس، هتاجر بيهم ازاي، هو دا يبقى اسمه شغل!".

 

وأضاف "مجدي"، أن "التوكتوك" مصدر رزق لكثير من الناس، مفسرًا: " اللي بياخد ألفين ولا تلاتة هيعملوا إيه انهاردة! فالناس بتلجأ للتوكتوك تساعد نفسها بيه"، متسائلاً أنه عند الاستبدال بالميني فان؛ كم عدد الأفراد الذين سيستبدلون التوكتوك بها، وكم شخص معه رخصة قيادة، وإن لم يكن لديه فمن منهم معه 3 آلاف جنيه لإنهاء إجراءات الرخصة؟، ومن سيدفع أقساط التوكتوك؟، فلا أحد يمكنه دفع قسطين في آنٍ واحد؟، جميعها تساؤلات يجب الرد عليها من الحكومة..



 

صاحب جراج صيانة: أتمنى أن يكون القرار اختياريًا

بعدها التقينا عم أحمد، صاحب جراج لصيانة التكاتك، يقول إنه يتمنى أن يكون هذا المشروع اختياريًا لتجنب وقوع أي خسائر، ففي حال تنفيذ هذا القرار سيأتي عليه بالخراب، فقد وضع كل ماله في هذا الجراج لصيانة التوكتوك، متسائلاً: "أنا واحد عندي 55 سنة ومبفهمش غير في الموتوسيكلات والتكاتك اللي بشتغل فيها بقالي 15 سنة، بأي منطق هتعلم صيانة العربية؟"، مشيرًا إلى أن أسرته المكونة من 9 أفراد، كذلك عماله، يعيشون على يومية الورشة،

 

  • بحسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2018، فإن إجمالى عدد المركبات المرخصة والموجودة فى الحركة بشوارع مصر حتى نهاية عام 2016، بلغ نحو 9.351 مليون مركبة وأن عدد "التكاتك" المرخصة فقط من جملة هذه المركبات بلغ 99 ألف "توكتوك" حتى نهاية عام 2018.


دار السلام.. مركز صيانة التوكتوك في الجمهورية

كانت دار السلام، هي وجهتنا الأخير في هذه الجولة، والتي التقينا فيها رجب حامد، من أكبر تجار المنطقة، يقول: لم أصدق هذا القرار عندما نُشر؛ لأن التوكتوك في بلدنا صعب الاستغناء عنه، فهو له مميزات تفوق المينى فان، فحجمه صغير و"بيعرف يسلك في شوارعنا".

 

ويضيف "رجب": "أنا فاتح بيتي وبيت أخويا من معرض التوكتوك، لما يتمنع إن شاء الله مين هيأكلنا ويصرف علينا، التوكتوك سهل وخفيف في البيع والشراء، عكس العربيات دا سوق تاني احنا مش قده ولا نفهم فيه، زي ما في خطة لحظر التوكتوك، أنا كمان في حاجة لخطة كيفية تسيير أمور بيتي أنا وأسرة أخويا بعد تنفيذ القرار".

 

صاحب ورشة تصليح: "بيتي هيتخرب"

خطواتنا التالية قادتنا إلى أبانوب حنا، صاحب ورشه تصليح التكاتك، الذي أكد لنا أن المتضرر الأول من قرار حظر التكاتك هو السائق نفسه؛ فهم أكثر الفئات المتضررة من تلك القرار، لأن التوكتوك أصبح مصدر قوتهم الوحيد الذى من خلاله يعولون أسرهم، "كثير مننا باع ذهب مراته أو أراضيه عشان يشتري الورشة أو التوكتوك".

 

وتابع "حنا"، أنه قبل انتشار التكاتك كان يعمل ميكانيكي موتوسيكلات، وبعد فترة انتشرت التكاتك داخل الجمهورية، وتعلم فنون صيانتها وكل ما يتعلق بتصليحها حتى أصبح له اسم كبير بين كبار "الصنايعية" في الجيزة، ولكن بعد تطبيق هذا القرار ستكون هناك خسائر جسيمة لكل الناس التي يتعلق مصدر رزقها بالتكاتك ولا احد يدرى ماذا سيكون مصير كل منهم.

 

واختتم بالحديث عن الصبية العاملين معه منذ 4 سنوات، فيقول عنهم: "بياخدوا يومية ٢٠جنيه، واللي زيهم مبيعرفش لغات عشان يشتغل في مكان تاني"، مشيرًا إلى أنه سيقطع عمل كبار السن أيضًا العاملين على التكاتك، فالمرتب لا يكفي متطلبات الحياة الحالية.

 

ويذكر أن المدن الجديدة التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، بدأت تنفيذ خطة سريعة الأجل لعدم التصريح بسير "التوكتوك" بداخلها من خلال شن حملات مشددة في المدن الجديدة لمصادرة "التوك توك" ومنع سيره داخل الشوارع، وبلغ عدد المدن التي ستطبق هذه الخطة 10 مدن على رأسهم مدينة الشيخ زايد و6 أكتوبر.