جريدة الدستور : "ضريح أبي" لطارق إمام.. بين الصوفية والدجل (طباعة)
"ضريح أبي" لطارق إمام.. بين الصوفية والدجل
آخر تحديث: الإثنين 30/09/2019 12:36 م يسرى أبوالقاسم يكتب :
ضريح أبي لطارق إمام..
"فلعله أن ينظر إلى اسمك فى قلب وليك". أبو يزيد البسطامي. هي ثالث عتبات النص بعد الغلاف المتميز والإهداء في رواية "ضريح أبي" للكاتب طارق إمام، ورغم أنها عبارة وحيدة، إلا أنها تحمل مدلولا كبيرا ومهما يدفعك إلى ما يختبئ وراءها. وفي الحقيقة إن رواية "ضريح أبي" التي جاءت في 191 صفحة، كلها تغوص في الماورائيات، شأنها شأن الروايات التى طرقت أبواب الصوفية وعوالم الأضرحة، مثل قنديل أم هاشم ليحيى حقي، ولا تسقني وحدي لسعد مكاوي، والأفيون لمصطفى محمود، وغيرها من الروايات التى سلكت هذا الطريق الوعر.

الراوي هنا هو بطل القصة وهو شخص لا يعرف كيف جاء إلى الدنيا، يقولون إنه ابن الولي الذي مات منذ مئات السنين، أتى به من امرأة مجذوبة سكنت ضريحه لتشفى، لذا لقبه أهل القرية بـ"ابن الولي وابن الزانية".. فجمع البطل بين الطهر والدنس بين الولاية والمعصية.. في الصغر قال له أحد أقرانه: "انت ابن زنا"، فمرض الطفل ومات بعد أيام، فأصبح لابن الولي شأن كبير يخشاه القاصي والداني، وكلما كبر اقترب منه العامة والمريدين لينهلوا من بركاته، رغم أنه لا يصلي ولا يصوم ولا يقيم حدود الله، فقط لأنه يحمل جينات والده، فقط لأنه ابن الولي الذي يعيش حيوات مختلفة، في أزمنة متباعدة، وأمكنة متناثرة.

يأتى الحارس كل أسبوع بصندوق النذور المنتفخ عن آخره ثم يضعه فى حجر ابن الولي ثم يولي هاربًا. وذلك لأنه أراد منذ عقدين أن يسرق الصندوق، ولما فتح فوهته وجد الولي متكورا بداخله، فارتعد ثم تاب وأناب، وأصبح نقيبًا للولي وحارسا أمينًا على الصندوق من اللصوص، كما سخر نفسه مع مشايخ الطرق الصوفية في خدمة ابن الولي، لا يبرحون موطأ قدميه ولا يعصون له أمرًا.

داخل الضريح كبر ابن الولي بين ذراعي نعمة خادمة السيد، والتي ورثت الخدمة عن والدتها، وجدتها. كلهن تعاقبن على خدمة الولي وكأنهن خلقن لخدمة رفاته، اشتهى ابن الولي نعمة خادمة تراب أبيه ففعل معها الفاحشة في قلب الضريح.

تمر الرواية بمنعطفات كثيرة وتطرح أسئلة شائكة، وتنتقل إلى عوالم كثيرة كانت الفانتازيا هي مصدرها الرئيس، أما لغة الرواية فكانت سلسة وغير متكلفة وهذا يحسب للكاتب، غير أنها اعتمدت على السرد أكثر من الحوار بين الشخوص. فالبطل ابن الولي هو من يحكي بلسانه ماقاله الآخرين، ربما كان من الأفضل أن يسير الحوار في مجراه الطبيعي حتى نلمس الشخصيات بشكل أوضح، ونشعر بأنها لحم ودم حتى نتعايش معهم.

كما أن عبارة "فعند ذلك أشرفت على نفسي أن هو الرب والرب هو العبد". التي جاءت وحيدة في مطلع فصل مدن الآخرة، لم تكن العبارة موفقة حيث جاءت مبتورة دون توضيح أو هدف أو معنى غير المعنى الظاهري غير المقبول بأن يكون الرب هو العبد. وهي مخالفة للعبارة الأولى التي بدأ بها الكاتب روايته "فلعله أن ينظر إلى اسمك فى قلب وليك".