جريدة الدستور : الفنكوش (طباعة)
الفنكوش
آخر تحديث: الجمعة 12/07/2019 08:26 م
بسنت حسن بسنت حسن
صدر الأمر باختراع الفنكوش، وأصدر ذلك الأمر الإمبراطورية البريطانية العظمى آنذاك، التى احتلت أرضنا وأراضى غيرنا، واليوم تبيع آثارنا ورءوس أجدادنا فى مزاد علنى على أرضها- أو بعبارة أدق فى سطو علنى مقنن على تراث وتاريخ أجدادنا- نظير جنيهات معدودة، فكان الكيان الطفيلى العنصرى المترمم الذى يضطهد أبناءه اليوم «يهود الفلاشا» كما سبق أن اضطهد وأباد أبناء عمومته وأبناء الله من البشر.

أطلت علينا بريطانيا بفرمانها على هيئة وعد مِمَن لا يملك لمن لا يستحق، فاستجاب المغرضون المنبطحون لتلك الصفقة الدموية اللاإنسانية، ثم أعطى بلطجى الكوكب راعى البقر الأمريكى الراغب المتلهف لسكب الزيت الأسود على نفسه- بوصفه زينته الأثيرة وعطره المفضل- أوامره للأعراب مرتدى العقال ليكون الفنكوش أيضًا بديلًا عن العقل وإعماله، وتمت تغطية العقول والرءوس بأغطية تزين رءوس الرجال ليصيروا أكثر وسامة ووقارًا.. وتخفى زينة النساء لتصير المرأة أكثر قبحًا ومن ثم أكثر انكسارًا وانسحابًا.
غطاء الرأس للرجل زينة وهيبة، فى حين يعتبره الموروث الشعبى للمرأة عارًا وخيبة، فإن عاير قومٌ قومًا آخرين قالوا لهم «ألبسناكم الطرح» زينة المرأة وجمالها لا يستتر.. فإن اختفى اختفت.
وبالفعل تخفت المرأة وراء حجاب، واحتجبت بعد أن سمى غطاء الرأس بالحجاب، وصار هناك أيضًا غطاء للوجه يخفى معالمه، كى تضيع هويتها كاملة، ويصبح جُل أمانيها أن تكون أم فلان وزوجة فلان، وصار يرمز لها بوردة أو بنبتة يروج لنضارتها المزعومة، فى حين تموت النبتة الحقيقية وتضمحل داخل ما يخفيها من وجهها حتى أخمص قدميها، وتسير تلك المرأة خلف الرجل لتكون مجرد ظل له ولأبنائها، فتصعب الحياة عليها فتكرهها، وتنظر فقط لآخرتها التى لن تنالها سوى بالاحتجاب والتضحية المطلقة، وأن يكون لها دور واحد يتمحور حول الرجل وإرضائه وإيجاد عزوة له بإنجاب الكثير من الأبناء للفخر، وليكونوا عونًا وأيادى عاملة تصلح الأراضى للغير وتنقب عما فيها من خيرات تذهب حتمًا كذلك للغير.. سيناريو محكم حكمنا سنين، ثم كان لا بد من وضع نهاية له.. فعندما يتشرس نظام ما لا بد له من السقوط بعد بلوغه الذروة.. وذروة الكوكب وسقوطه يؤرخ له بظهور «داعش». فهى الخاتمة التى أعلنت لنا اكتمال اختراع الفنكوش.
ومع بلوغ تلك القمة، كان لا بد من الهدم لتستمر اللعبة ولكن بتغيير الميكانيزم.. وكلما انتهينا نبدأ من جديد بجديد يلهينا.. وجديد هذا الزمان هو الصهيونية الفجة والدعوة إليها علنًا، بعد أن سقط القناع الأول واعتذر رجال الدين عن وهابيتهم التى ديّنت الجماهير، وجعلتها تنصاع بعد اختطافها واستلابها وإخضاعها، فاعتياد الركوع يجعل الراكع يمارس فعل الركوع بمنتهى الأريحية وعن طيب خاطر، ويصدق الراكع دومًا ما يروج إليه، فصدق رجال الدين حتى كره الحياة وأحب الموت ومارس القتل طلبًا للفردوس.
واليوم مطلوب منه كراهية الحق وعشق الباطل.. والحق هو فلسطين والباطل هو إسرائيل المزعومة.. إسرائيل هى فنكوش العصر الذى يروج له لقبول القتل واحتقار القتيل واتهامه بالخيانة والتفريط.
يسعى اليوم ويهرول البعض للفنكوش والذى سيودى بنا حتمًا.. ورغم ذلك ننتظره وكأنه الخلاص والترياق، فى حين أنه الهلاك القريب.. ونريد من الهلاك أن يكون عجولًا!.
خبل ومجون أصابنا بفعل وهم الفنكوش، وسنسقط حتمًا فى سمومه، وكأننا لم نتعلم من قبل ولم نتجرع المرارات.
نعيب على الصعيدى فى بلادنا ونتهمه بالغباء، ونحن نمارس على أنفسنا أعتى أنواع الخبل والعته، ونسعى لأن نلدغ من الجحر مرات ومرات.
فعندما ترى قشرة الموز ملقاة على الأرض.. هل تسعى للسير فوقها كل مرة ثم تبكى على انزلاقك وكسر عظامك؟.
نعم، نحن نفعل ذلك.. ونفضل دومًا أن نسير فى نفس الدرب المعوج، الخطر المحفوف بعلامات الفشل والخيبة، ونمشى على طريق الآلام، ثم نولول على الحال والمحال ونسبّ الدهر والعيب فينا وفى عشقنا للتدهور والانهزام.
نعشق الهزائم ونسعى لها ونسميها انتصارًا بغباء يندر أن يوجد له مثيل.
نصر على أننا اخترعنا شيئًا نافعًا مفيدًا، ونغرق كل مرة فى نفس البئر بعد أن صار
الفنكوش إدمانًا وصارت الهزيمة منهاجًا، والغباء صفة نوصف بها والتقهقر والاستعباد حقيقة معاشة، وأمرًا واقعًا لا نريد زواله.. نحياه فى كل لحظة من حياتنا ونحن شاكرون له ومهللون بل ولدينا يقين عجيب- بلا حيثيات ولا قرائن- يقول بأن الفنكوش سيأتى لنا بالخيرات والبركات، فإن برئنا من سموم الفنكوش سنبرأ حقًا من العبودية والاستمتاع بها وتمنى الموت بين أحضانها.. عافاكم الله.