جريدة الدستور : كبسولة الأحلام المخبأة (طباعة)
كبسولة الأحلام المخبأة
آخر تحديث: السبت 22/06/2019 07:44 م مصطفى زكى
كبسولة الأحلام المخبأة
كان هذا تقليدًا غربيًا تمامًا يشبه الأفلام، هذا أول ما طرأ على ذهنه وزياد يخبره باحتفال مدرسته بمرور مائة عام على تأسيسها.
«سيصنعون آلة زمن.. كبسولة لا تُفتح إلا بعد مائة عام أخرى، فى الاحتفالية القادمة لمئوية المدرسة».
كان يحكى بحماس شديد وهو يلهث من الإثارة، تبرق عيناه الصغيرتان وهو يشير بكفِّه الهشِّ فى الهواء، يُكمل بصوت عالٍ: «سيضع كل طلاب المدرسة رسائل وهدايا للطلاب الذين سيفتحونها فى الاحتفالية القادمة.. سنكتب ونرسم لهم ما نريد».
«وأنت.. ماذا ستضع؟»، ينظر لأبيه باتساع عينيه المتزايد: «لا أدرى.. لم أفكر بعد».
«لتكتب لهم، لتحكِ لهم عنكَ، قم بتعريف نفسك، قم بوضع صورة كبيرة لك وأنت تلوّح لهم»، يبتسم وهو يسبح بنظره فى فراغ الغرفة.
«لتكن الصورة بزىّ المدرسة الحالى.. أخبرهم أنَّكَ تمارس السِّباحة، وكرة السلة.. سأعطيكَ صوركَ وأنتَ فى حمام السِّباحة.. أتعلم.. لو كنتُ مكانكَ لوضعتُ كرة السلة بعد أن أكتب عليها اسمى، وأمنيةً منِّى بفوز فريق المدرسة فى كلِّ البطولا»، يضحكُ بصوتٍ عالٍ، وهو يصفق بيديه بسعادة وحماس شديدين: «لا تخف، سأشترى لك كرة جديدة»، يقولها له وهو يبتسم.
«هل تريدُ أن تضعَ شيئًا أنتَ أيضًا؟»، يقترب من أبيه بحماسه المتدفق وهو يسأله، فاجأه السؤال فابتسم وهو يفكر: «لا أدرى.. لتقترح لى شيئًا»، يسرح بعينيه وهو يتمتمُ بخفوتٍ قبل أن يعلو صوتهُ: «لتضع قصةً من قصصِكَ.. سأكتب لهم وأخبرهم بأنَّكَ كاتب، وأن صورَكَ تظهر فى الجرائد»، يبتسم أبوه، فيعلو صوته بفخر: «نعم.. لتعطينى قصةً لك عليها إهداءٌ لهم، وصورةً لكَ أيضًا»، تلمع عينه وابتسامته تتزايد حتى تملأ وجهه.
«هل ستعجبهم؟»، «نعم. بالتأكيد.. سيقرأونها ويعجبون بها، ربَّما ينشرونها فى كتاب أيضًا»، يفكر فى الموضوع وهو يتخيل أن أحدهم سيقرأ له بعد مائة عام، تعجبه الفكرة، فيواصل الابتسام بحماس، يقترب منه، ويقوم باحتضانه قبل أن يبتعد ليُكمل وعيناه تلمعان: «لتعطينى مجموعتَكِ كلَّها.. أكتب عليها إهداء لهم كما تفعل، ونضعها ليقرأوها كلَّها»، يواصل الابتسام وهو يتخيل الفكرة.. يفكر بأنْ يعطيه وقتها عدَّة نسخ ليضعها حتى تُتاح قراءتها لأكبر عدد من المدرسين الذين سيفتحون الكبسولة، والتلاميذ الذين سيأخذهم الفضول للتعرف على والد زميلهم القديم بالمدرسة، وربَّما قرأها أولياء أمور الطلاب.. تتسارع دقات قلبه، ويشعر بالحماس الشديد.
«اتفقنا»، يقولها له بفرحة، فيقفز حوله وهو يقول بصوته الطفولى الجذل: «اتفقنا».

«هل فكرتَ ماذا ستضع فى الكبسولة؟»، تقولها سالى صديقة زياد، فينظر لها الأخير بحسمٍ وهو يقول: «نعم».
«أنا أيضًا قررتُ.. سأضع صورتى وحصانًا مصنوعًا من الصلصال، صنعتُه بالأمس وانتهيتُ منه»، يظلُّ زياد ناظرًا لها دون أن ينطق، فتُكمل: «ربَّما وضعتُ خطابًا بخطِّى.. سأحكى لهم عن صداقتنا أنا وأنت»، فيبتسم زياد بشغف: «وماذا ستقولين فيه؟»، «سأقول لهم إننا أصدقاء منذ الـkg، وإننا فى نفس فريق كرة السلة.. سأضع صورةً لنا سويًّا فى ملعب المدرسة»، يواصلُ زياد الابتسام دون أن يتكلم.
تتنبه سالى لصمته، فتقترب منه وتسأله: «ما بك؟ كنتَ بالأمس متحمسًا!»، يشرد زياد ببصره ويقول بصوتٍ خافتٍ: «أفكر فى اليوم الذى ستُفتح فيه الكبسولة.. أفكر فى فضول الأولاد فى ذلك اليوم وهم يستكشفون الكبسولة وما بها».
تستمع له سالى بحماس، فيكمل زياد: «أتمنَّى بشَّدة أن أكونَ موجودًا فى ذلك اليوم، أن أرى فرحتهم وهم يستقبلون هدايانا، ويفحصونها، وهم يقرأون خطاباتنا لهم»، تُكمل سالى بحماسة مؤيدةً صديقها: «أنا أيضًا أتمنَّى هذا، فكرتُ فى هذا كثيرًا بالأمس، ولكن هل تعلم كم سنبلغ من العمر وقتها؟»، يجيب زياد على الفور: «سنكون قد تخطينا المائة»، يبتسم بعدها، وتبتسم سالى، وهما يتخيلان منظريهما بعد مائة عام.. يرنُّ الجرس حولهما معلنًا انتهاء الفسحة، ينظران لبعضهما، وتلمع أعينهما وهما يواصلان الابتسام.

كانتْ الكبسولة عبارة عن حجرة كبيرة من الصلب، تشبهُ الأسانسير الكبير، صُنعتْ خصيصًا فى المكان الخالى بجوار حجرة الموسيقى، فى آخر الممرِّ الطويل للطابق الأرضى من مبنى المدرسة، لها باب ضخم يشبه باب الخزانة السميك.
تمَّ تزيين الممر بالزينة والبالونات الملوَّنة الكبيرة، تجمَّع الطلابُ فى ساحة المدرسة، ليبدأ الاحتفال بمئوية المدرسة.. تكلمتْ مديرة المدرسة شارحةً ما سيتمُّ، وأن الفكرة تهتمُّ فى المقام الأول بالتواصل بين الأجيال.. كلام كثير من مدرسين كثيرين، لم يسمع منه زياد سوى القليل، كان مشغولًا بحمل حقيبة قماشيَّة صغيرة تحوى داخلها ما سيضعه بالكبسولة، يفتحها كل دقائق بحماس لينظر داخلها ويتأكد مما بداخلها، نسخة كتاب أبيه، وصوره التى اختارها، وخطابه الموضوع داخل مظروف ملوَّنٍ أنيق، وكرة السلة التى جعلتْ حقيبتَهُ منتفخة.. كانت سالى تقف على بُعدِ خطوات منه، تحمل حقيبتَها بذراعيها الصغيرتين، تلمع عيناها، وتبتسم.
كان وكيل المدرسة يتحدث بحماس، ويطلب من الطلاب أنْ يتقدَّموا فى صفوف منتظمةٍ ليضعوا ما معهم داخل الكبسولة.. يتقدمون كلُّهم وهم يتكلمون ويضحكون فيما بينهم.. يدخلون الكبسولة التى تشبه الغرفة الكبيرة، ويبدأون فى وضع هداياهم على الرفوف الكبيرة فى جوانب الكبسولة التى كانتْ معدَّةً لاستقبال كلِّ ما معهم.. ببطءٍ تمتلئ الغرفة، ويتراجع التلاميذ فى صفوفهم للخلف عائدين لساحة المدرسة.
يظلُّ زياد متأخرًا يتطلع لما يحدث أمامه، يعيد فتح الحقيبة لينظر فيها ربَّما للمرَّة المائة، تخفتُ الحركة قليلًا، ويقلُّ عدد الطلاب المتواجدين حول الكبسولة.. يتقدم، وتتقدم معه سالى نحو الباب الكبير المفتوح، ينتظران حتى يخفُّ الزحام، يتقدمان ليدخُلا ويدخل وراءهما تلميذان يضحكان بصوتٍ عالٍ.. يتقدَّم زياد وسالى نحو آخر الغرفة المكتظة بالهدايا والحقائب المغلقة، يتخطيان الهدايا والعلب المغلفة بألوان زاهية ويقتربان من نهاية الكبسولة، بعد آخر الرفوف ثمَّة مكان صغير مختفٍ خلف زحام الأشياء، يزيحان ما به من حقائب سريعًا، ويدخلان فيه، يكوِّران جسديهما الصغيرين لكيلا يراهما أحد، يسمعان صوت آخر الطلاب وهو يتقدم ليضع ما بيده فى المكان الخالى بأول الكبسولة، يكتمان أنفاسهما وهما يُمسكان بأيدى بعضهما بشدَّة، يغمضان أعينهما وصوت المدرس يهتف فى التلاميذ بالخارج: «هل من أحد آخر؟ هل انتهى الجميع من وضع ما يحملون؟».
كان الصخب شديدًا، وصوت التلاميذ يعلو بالغناء والضحك.. يتقدم المدرس من مدخل الكبسولة لينظر بفخر وسعادة للمكان الممتلئ، يظلُّ متطلعًا فيه لثوانٍ قبل أنْ يُخرجَ من جيبه مظروفًا أبيض صغيرًا، ويضعه على أول رفٍّ أمام الباب، يتراجع بعدها ليقف بين المديرة وباقى المدرسين المتجمعين بالخارج، يسمع زياد وسالى أصوات الخارج المتداخلة وهما يواصلان كتم أنفاسهما، ويغمضان أعينهما نصف إغماضة. يعلنون بالخارج الانتهاء من وضع الهدايا المسافرة عبر الزمن، يصفق الطلاب كلُّهم بحماس وفرحة، يتقدمون إلى الباب الضخم، يغلقونه، ويحكمون لفَّ المقبض الشبيه بمقابض باب الغواصات.
بالداخل، كان الظلام دامسًا، يخرج زياد من داخل الحقيبة التى يحتضنها كشّافًا كبيرًا، يضيئه لينظر لسالى بتوتر: «هل أنتِ خائفة؟»، تتلاحق أنفاسها، وعيناها تتسعان، تمدُّ يدَها لتمسكَ بكفِّ زياد الصغير وهى تهزُّ رأسها نفيًا: «سنسافر عبر الزمن، سنكون فى استقبال التلاميذ وهم يفتحون الكبسولة، سنرى فرحتهم، وسنُغنِّى معهم».. يبتسم زياد وهو يزيح مزيدًا من الحقائب جانبه ليجلس، ويجلسها جواره.. يضع حقيبتُه أرضًا، ويمدُّ يده ليخرج ما بها، يتطلع لصوره وهو يلوِّحُ.. يحتضن سالى بذراع وهو يتناول من الداخل كتاب أبيه.. ينظر له بحبٍّ ويقوم باحتضانه بذراعه الأخرى.