جريدة الدستور : وائل خورشيد يكتب: عن الليل والسكون وما بعدهما (طباعة)
وائل خورشيد يكتب: عن الليل والسكون وما بعدهما
آخر تحديث: الخميس 23/05/2019 09:47 م
وائل خورشيد يكتب:
لو نامت أعين الليل، لنفرنا منه. لظننا أنه يبعدنا، لكنه لا يفعل أبدا. هو دائما رفيق متأهب، يفتح أذرع سكونه للأغراب والفارين.

الليل ساكن، ولكن هذا السكون مفعم بالحياة، أو لنكن أكثر دقة، ظل الحياة وانعكاسها على الأشياء، على الوجود كله، حينما تخفت حدة بصرك، تتفتح أعين بصيرتك.

حينما يهدأ جسدك، لا يعمل بانتظام سوى قلبك وعقلك، وهؤلاء لا متنفس لهم سوى مشاعرك، ويتأجج كل شيء، فترى تلك الأحداث الخافتة في أعماق نفسك، وقد طفت على السطح، تتراقص أمام عينيك.

حينها يمكنك أن تفكر بصدق، وبعمق أيضا، لا تفكر بعمق لأنك تريد، ولكن لأن الأشياء نفسها مكانها كذلك. وقد تتخذ قرارات بناء على تلك العاطفة المتأججة، ثم تفاجأ أنك ترفضها فيما بعد.

أنت لست تعاني من مرض نفسي، كل ما في الأمر أن للنهار أحكام أخرى، لو طبقت على الليل لأفسدت أهم مكوناته.. السمو.

أنت أيضا يا لوسيفر، تكون جليا أكثر في الليل، وهذا هو أسوأ ما في الأمر.

هذه هي 'زبدة الليل' التي يتحدثون عنها في المثل الشعبي يا لوسي، تلك التي تتآكل في النهار، وتتبخر، ثم تعود لتغير رأيك في الأشياء.

أبناء الليل ليسوا المؤرقون فقط، ليسوا الحيارى، ولا المحبين وحدهم، هم كل من يحب الاختلاء بنفسه، الذي يحب أن يهرب لبعض الوقت ليلتقط أنفاسه، ثم يعود من جديد ليواصل الركض حتى النهاية. هؤلاء الذين يشعرون أنهم ليسوا ماكينات، من يؤمنون أن هناك مساحة أخرى من الحياة تفقد حينما لا نلجأ لليل.