جريدة الدستور : "الدستور" داخل متحف الهولوكوست فى واشنطن (طباعة)
"الدستور" داخل متحف الهولوكوست فى واشنطن
آخر تحديث: الثلاثاء 26/06/2018 07:24 م سارة شريف
الدستور داخل متحف
- "الدستور" تكشف كيف استطاع اليهود الترويج لأسطورة المحرقة النازية
- الفخامة تميز المزار الأكثر ازدحامًا فى الولايات المتحدة ويهود العالم يعتبرونه معبدًا للصلاة والتراتيل
- عرض أجزاء من خطب لـ«هتلر» يتوعد فيها اليهود ومقاطع لـ«صراخ الضحايا» وتغطية صحف للأحداث


لو كنت مصريًا، واخترت أن تشمل جولاتك فى الولايات المتحدة بعض المتاحف، فإنك حتمًا ستصاب بحالة من الذهول، لأنك سترى ما يبهرك ويملأ عينيك متعة، الديكور الرائع، والجدران المنمقة، النظام والترتيب والنظافة وأسلوب العرض المُبهر، الموسيقى الراقية، وكذلك الإضاءات المتميزة التى تكسب المعروضات قيمة تفوق قيمتها الحقيقية، أما الشىء الوحيد الذى لن تجده فى المتاحف الأمريكية، فهو الآثار.
دخلت متاحف كثيرة داخل الولايات المتحدة من بينها متحف تأريخ الهولوكوست وذلك فى الأيام الأولى لزيارتى، لكن فيما بعد أصبحت أفضل التسوق والجلوس فى المقاهى عن زيارة هذه المتاحف، فبعد أن ينتهى الانبهار، ستجد فى النهاية أن المعروض هو «لا شىء»، فكل ما رأيته كان عبارة عن صور لشخصيات وأحداث وآثار، مجرد صور، ويسمون هذا نوعًا من الفنون، أما أنا فرأيت أنه مجرد تبذير للأموال، ومحاولة للتباهى بشىء لا يملكونه.

معظم زواره الإسرائيليين من الأطفال والشباب عبر رحلات مجمعة.. وتفتيش دقيق للعرب على الأبواب
فى متحف «الهولوكوست»، كانت لى جولة طويلة، قضيت فيه أكثر من ثلاث ساعات، حاولت فيها أن أضع نفسى مكان الزوار الذى ربما سمعوا قليلًا أو كثيرًا عن المحرقة التى أقامها النازيون لليهود، فهؤلاء القادمون من دول أوروبا، وبعضهم من الألمان أو من أحفاد المتعاطفين مع النازية، جاءوا إلى هنا وهم يحملون إرث الذنب فى حق اليهود.
أما القادمون من آسيا، فيذكرهم «الهولوكوست» بمآسٍ ومذابح تعرضوا لها، فالصينيون مثلًا يتذكرون مذبحة «نانجينج» التى ارتكبها اليابانيون ضدهم فى الثلاثينيات، فى حين يرى القادمون من الدول العربية أن الأمر كله ليس أكثر من أكذوبة.
أمام مبنى «متحف الهولوكوست» ستعتقد أنك تقف فى مواجهة مبنى تاريخى أو جامعة عريقة، فلا يمكن تمييزه عن باقى مبانى الولايات المتحدة، لكن بمجرد دخولك ستجد مدخلين أحدهما للمطعم والآخر للمتحف.
حسبما فهمت فإن المطعم مفتوح للزوار طوال الوقت، ويقدم «الكوشير»، وهو طعام اليهود الحلال، كما يقدم أنواعًا متميزة أخرى من الأطعمة، وهى عادة أغلب المتاحف فى أمريكا، إذ يلحق بكل متحف مطعم خاص به، وهو ما قد يكون مصدرًا للدخل أو نوعًا من الخدمات للزوار.
الملاحظ أن أسعار الطعام فى متحف «الهولوكوست» أرخص كثيرًا من باقى مطاعم الولايات المتحدة، وبمجرد دخولك إليه تشعر بأن هذا المطعم هو خدمة خاصة مقدمة لليهود، وليس مجرد مكان سياحى بغرض جمع الأموال.
فى المطعم تجد يهود أمريكا وأوروبا وإسرائيل، وبسهولة يمكن تمييز كل منهم على حدة، فالإسرائيليون هم الأهدأ وصوتهم منخفض ويتعاملون بريبة وحذر أكثر من أى يهودى آخر، أما اليهود الأمريكان فيرتدون «الكباه» أى قبعة اليهود، ويتعاملون براحة كبيرة، نظرًا لشعورهم بأنهم داخل دولتهم، كما أنه من السهل أن تميز السائح الأوروبى عن أى مواطن أمريكى من تصرفاته.
وبعيدًا عن المطعم، وعند المدخل الآخر الذى يمثل بوابة متحف «الهولوكوست»، تلاحظ أنه يخضع لإجراءات أمنية مشددة، فقد تضطر للعبور من البوابة الإلكترونية وخلع سترتك، خاصة إذا اكتشف ضابط الأمن أنك عربى، حينها سترى الشكوك على وجهه لأنه يعتقد أن أى عربى سيدخل متحف الهولوكوست فإنه يهدف لتفجيره.
هذا المتحف، هو المكان السياحى الأكثر اكتظاظًا وازدحامًا داخل الولايات المتحدة، فربما لن تجد كل هؤلاء البشر أمام البيت الأبيض، أو أمام النُصب التذكارى لـ«إبراهام لينكولن» نفسه، فكل الجنسيات موجودة.. الآسيويون يظهرون بقوة، والأوروبيون كذلك، خاصة من بولندا وهولندا والمجر والتشيك، كما تلاحظ وجود إيرانيين وأفغان وباكستانيين بملابسهم المميزة.
العرب أيضًا يظهرون فى المتحف وإن كان ذلك بنسب أقل، أما الإسرائيليون فظهروا بقوة وبشكل منظم، ما بدا وكأنهم يرتبون رحلات منظمة للمتحف بأعداد كبيرة، ويرتدون فيها زيًا موحدًا مرسومًا عليه «نجمة داوود».
اللافت للانتباه أن رحلات الإسرائيليين لمتحف «الهولوكوست» يكون أغلب المشاركين فيها من الشباب والمراهقين، على عكس باقى الجنسيات التى يظهر فيها كبار السن، الذين يكونون حسب الإحصائيات الأكثر شغفًا بهذا النوع من الجولات المتحفية.
بعد المدخل، ستجد لافتة سوداء كبيرة مكتوبًا عليها شعار المتحف بالإنجليزية، وهو: «هذا المتحف ليس إجابة.. إنه سؤال»، ومن يعرف إسرائيل جيدًا، سيعلم أنها تُخضع أطفالها وشبابها لبرامج قاسية وممنهجة وتحاصرهم طوال فترة تكوين شخصيتهم، لذا فإن زيارة «الهولوكوست» بالنسبة لأطفال اليهود هى جزء من هذه الخطة الممنهجة، وهو ما رصدته بنفسى.
إسرائيل تتعامل مع متحف «الهولوكوست» كمكان دينى مقدس، مثل أى معبد، فيرتدون فيه «الكباه» ويرتلون التوراة، وفى غرفة زجاجية قريبة من مخرج المتحف، رأيت أطفالًا يهودًا لا يتجاوز عمرهم السادسة أو السابعة يرتلون التوراة، و«الحاخام» يملى عليهم التعاليم.
فى لحظة معينة بدأ الأطفال فى البكاء، وفهمت أن هذا يشكل نوعًا من الخشوع، أو نتيجة للضغط النفسى الذى تعرض له الأطفال، وبسهولة يمكنك تخيل ماذا كان يقول «الحاخام» لأطفال اليهود، فهو بالطبع أخبرهم بأن الله اختار اليهود وفضلهم على البشر، لكن الظالمين أحرقوهم ونكلوا بهم، وعلينا ألا ننساهم، فالكارثة هى التى جعلت لنا دولة وعلينا أن نحافظ على إسرائيل، حتى لا تتكرر الكارثة مرة أخرى، وبالطبع سمع الأطفال هذه العبارات وبكوا.

إثارة تعاطف الزائرين بعرض نماذج لمتعلقات ضحايا هتلر
الجولة الحقيقية فى المتحف تبدأ من المصعد، فبمجرد دخولك فيه ستسمع نوعًا من الترانيم أو التراتيل التى لم أستطع تمييزها، وبمجرد أن يُفتح الباب ستجد نفسك فى قاعة شديدة العتمة ومزدحمة تبدأ فيها رحلتك داخل أسطورة «الهولوكوست» بموسيقى صاخبة وشاشة عرض كبيرة تظهر عليها صورة بشعة للمحرقة.
الإضاءة الخافتة والموسيقى الصاخبة والصورة البشعة تحاول أن تضعك تحت سيطرة ما تراه، وتحاول أن تلهب مشاعرك وتثير تعاطفك وتلمس أوتار الشفقة داخلك، و٩٩٪ من الأشخاص الذين التقيتهم، أو رافقونى فى رحلتى داخل المتحف تغيرت وجهة نظرهم عن «الهولوكوست» بعد الزيارة، وأصبحوا أكثر تعاطفًا مع اليهود وأكثر إيمانًا بحدوث المذبحة، وكان منهم مسلمون وعرب ينتمون لعدة دول. فى القاعة الأولى من المتحف، يعرضون بصورة ضمنية أسباب إقامة متحف «الهولوكوست» تحديدًا فى الولايات المتحدة، فهناك من يقول إنه كان لا بد أن يُقام فى ألمانيا كنوع من الاعتذار لليهود، وربما كانت ألمانيا باعتذارها سترحم نفسها من التعويضات التى تدفعها إلى الآن لإسرائيل، ورغم أنه يوجد فى ألمانيا متحف لليهود يتطرق لحياتهم والمصاعب التى واجهوها، إلا أنه لم يقم لهم متحف من أجل تخليد ذكرى «الهولوكوست».
كما كان من الممكن أن يُقام المتحف أيضًا فى بولندا أو بعض دول أوروبا الشرقية، التى كان الضحايا ينتمون إليها، لكن الولايات المتحدة تشرح فى فيديو خاص للداخلين لماذا اختارت أن تقيم المتحف بهذا الشكل وبهذه التكلفة.
ففى الفيديو الخاص الذى يُعرض فى المدخل، يعرف الداخلون أن الولايات المتحدة هى التى لعبت دورًا فى إنقاذ الناجين من المحرقة، كما أنها من اكتشف الجثث المحروقة، وهو ما جعلها تتبنى قضيتهم، وهذا يتفق مع الدور الذى رسمته الولايات المتحدة لنفسها من أجل حماية حقوق الإنسان فى العالم.
بمجرد أن تترك هذا المدخل، ستبدأ الحكاية فى المضى قُدمًا، حكاية اليهود وهتلر، فكل شىء موثق، الصور والفيديوهات والأفلام الوثائقية، لتكون داخل الأسطورة بكل ما فيها، وسترى فى الفيديوهات مظاهرات ضد «هتلر»، تعكس أن الشعب الألمانى كان يقف ضده، رغم أن التاريخ يؤكد وجود مؤيدين وحلفاء كثيرين لـ«هتلر» وحركته النازية.
طوال رحلتك داخل المتحف، ستسمع موسيقى أناشيد أشبه بأغانى الثورات والحروب، وسترى أيضًا نماذج للكتب التى أحرقها النازيون، ووفقًا لاعتقادى فإن هذه الفكرة تحاول إثبات أن «هتلر» عندما هاجم اليهود كان يقصد حرق أفكارهم، بدعوى أنهم كان يتبنون أفكارًا معارضة لسياسته، ويريدون نقلها لباقى الشعب الألمانى لإثارتهم ضده.
وربما يكون هذا الأمر حقيقيًا، وربما لا، خاصة أن اليهود طوال تاريخهم، وعندما كانوا يسكنون أى دولة منذ عصورهم القديمة، عادة ما كانوا يعملون بالتجارة والإقراض بالربا ويبالغون فى الأسعار، ما كان يجعلهم يكسبون كراهية سكان معظم المناطق التى سكنوا فيها، نظرًا لأن مهمتهم الأولى والأخيرة كانت استنزاف وجمع الأموال.
كما أن بعض الروايات التاريخية أثبتت أنهم كانوا عادة ما يعملون كطابور خامس لصالح جهات معادية، وهو ما قد يعود لإحساسهم الدائم بالاضطهاد، لذا كانوا يتآمرون على مجتمعاتهم كنوع من البحث عن حماية أنفسهم.
ويوثق المتحف جميع الأشياء التى تثير العاطفة وتدفعك للشفقة، وهو ما أكد لى أنه بنى خصيصًا للدعاية، لا لمجرد إرضاء لليهود، فمثلًا يعرض المتحف نموذجًا لبدلة أحد الضباط الذين شكلوا حركة ضد النازية داخل الجيش الأمريكى، ويعرضون بدلة آخر شكل حركة معارضة لحكم هتلر، ويصورهما المتحف فى صورة الأبطال الذين حاولوا إنقاذ اليهود.
وفى المتحف تحاول الدعاية عرض كل شىء بشكل مصور، فهم يعرضون بعض النماذج «الزائفة» التى تشبه ما استخدمه أصحاب الصور المعروضة، فمثلًا صورة السيدة اليهودية التى ترتدى الحُلى يكون بجوارها نماذج للحُلى ذاتها، كما يوجد كشكول دراسى لصورة الطفل الصغير، وأدوات مطبخ، وبيانو أنيق، ومكتب، وكرسى خشبى، ولعب أطفال، ونماذج مصنوعة لعدد كبير من المتعلقات الشخصية.

قطار خشبى وأفران غاز وتلاعب بالحرارة لخلق المعايشة النفسية
فى الواقع، لا يوجد شىء حقيقى فى معروضات متحف «الهولوكوست» سوى الأحذية فقط، فأحذية اليهود توجد داخل غرفة زجاجية كبيرة يفصلها ممر للعبور، وتتراكم على جوانب هذا الممر.
وعندما سألت «مينا» المسئول الإعلامى عن المتحف، وهو مصرى يعمل هنا منذ عدة سنوات، عن الأمر، أجاب بأن هذا المتحف هو «متحف فنى»، شأنه شأن معظم متاحف الولايات المتحدة، فهو لم يقم للاحتفاظ بالأشياء الحقيقية، لكنه أقيم من أجل إحياء الذكرى وتوثيقها.
وعندما تنتهى من الممر الطويل، الذى يحوى الصور والنماذج المصنعة، يمكنك الانتقال إلى المبنى الثانى، الذى تذهب إليه عن طريق ممر زجاجى معلق بين المبنيين، وفى المبنى الجديد تزداد الإثارة والإبهار.
ففى الغرفة الأولى، توجد عدة أجهزة عرض «دى فى دى» يمكن من خلالها سماع أجزاء من خطب هتلر التى يتوعد فيها اليهود، ويمكنك سماع صراخ اليهود وبعض الفيديوهات لهم. وفى غرفة الصحافة تعرض نماذج لبعض صحف العالم التى كتبت عن الأحداث فى حينها.
أما فى الغرفة الثالثة التى تعد الأكثر إبهارًا داخل المتحف، تلاحظ وجود صور كثيفة لليهود معلقة على جدرانها التى تشبه المثلث، فى رسم مبهر يوحى بالفخامة، يحملك إلى الجزء الأخير من الجولة الذى يعود بك إلى قاعة مظلمة، تهيئك نفسيًا لدخول القسم الأكثر إثارة فى الجولة كلها.
فى القسم الأخير، ستدخل بقدميك إلى قطار خشبى، يشبه القطارات التى استخدمها هتلر لنقل اليهود إلى مناطق التعذيب، وبعد خروجك منه سترى صورًا وفيديوهات للجيتوهات التى أقام فيها اليهود لعدة أسابيع، حتى صدرت الأوامر بقتلهم، وهنا سترى نماذج لأنابيب الغاز، والحطب المستخدم فى إشعال النار، وصورًا لأذرع اليهود التى كتب عليها أسماء الأشخاص واليوم المحدد لقتلهم.
بعد ذلك، سترى «أفران الغاز»، وبمجرد دخولك فيها ستغلق الأبواب، وتشعر بارتفاع درجة الحرارة حتى تزداد السخونة إلى حد معين، ثم تخرج، لتجد شيئًا يشبه وقود النار تحت الغرفة الزجاجية، كأنهم يقولون لك: أنت لم تستطع تحمل درجة الحرارة للحظات، فماذا عن اليهود الذين حرقوا بالنار حتى الموت؟.
فى اللحظة التى تكون فيها فى ذروة تأثرك، ستجدهم يطلبون منك التبرعات عبر لافتات معلقة، تحمل عبارات مثل: «تبرع من أجلنا، ساعدنا، لا تنسانا، لن تتكرر مأساتنا». وفى الجانب الآخر، سترى أطفال اليهود داخل الغرفة الزجاجية الصغيرة وأمامهم الحاخام، يرتلون التوراة ويصلون ويبكون.
سألت «مينا» المسئول الإعلامى: «لماذا فعلت الولايات المتحدة كل هذا؟.. لماذا أنفقت كل هذه الأموال من أجل ذكرى الهولوكوست؟»، فأجاب: «لأن أمريكا هى التى اكتشفت المحرقة، وهى التى حاولت إنقاذهم، وهى التى حاربت بعد ذلك من أجلهم».
فسألته: «لماذا لم تقم أمريكا متحفًا لضحايا الأرمن على يد الأتراك، أو متحفًا لضحايا سوريا، أو متحفًا لضحايا المعذبين فى كل مكان حتى نتذكرهم وحتى لا تنكر مأساتهم، لماذا المحرقة هى الحادثة الوحيدة التى استحوذت على تعاطف الولايات المتحدة؟»، فأجاب «مينا»: «المتحف يحاول حاليًا أن يوثق أحداثًا كثيرة، ويستعد لحفل كبير يعرض فيه فيلمًا وثائقيًا عن أحد الناجين من الأحداث فى سوريا».
وأخيرًا، يمكن القول إننا سمعنا كثيرًا فى حياتنا عن «الهولوكوست»، ومعظمنا كعرب يراها أكذوبة، بينما كثير من شعوب العالم تصدقها، وبعضهم يدفعون ثمن لعنتها حتى اليوم إلى أن ملوا منها، لكنك فى النهاية ستتأثر حال زيارتك المتحف بكل ما تراه، حتى لو كان مناقضًا لما سمعته طوال حياتك.
وسيدور السؤال المعتاد فى رأسك: ما الذى حدث حقًا؟، والإجابة الحقيقية لا يعرفها أحد، لكنها لم تعد تهم، فالأهم منها هو: إلى أى مدى نجح اليهود فى تسويق أسطورتهم؟