رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

زلزال يضرب الذهب خلال مايو.. والأسعار الفورية تنخفض بنسبة 1.4%

الذهب
الذهب

اختتم الذهب تداولات شهر مايو على انخفاض بعد تقلبات حادة شهدتها أسواق الذهب فى ظل تطورات أزمة سقف الدين الأمريكى، وتغير توقعات الفائدة من قبل البنك الاحتياطى الفيدرالى، مما سمح للدولار بتسجيل ارتفاع على المستوى الشهرى ليجبر الذهب على الهبوط، وفقًا لتقرير جولد بيليون.
وأشار التقرير، إلى انخفاض أسعار الذهب الفورية خلال شهر مايو بنسبة 1.4% ليفقد قرابة 30 دولارًا بعد أن شهدت بدايات الشهر تسجيل أعلى مستوى فى تاريخ الذهب عند 2080 دولارًا للأونصة، قبل أن يبدأ سلسلة فى الهبوط استمرت ثلاثة أسابيع متتالية ليصل إلى أدنى مستوياته فى شهرين عند 1931 دولارًا للأونصة.
ويعد هذا الانخفاض الشهرى هو الأول منذ فبراير الماضى ويجدر القول إن سعر إغلاق الذهب فى شهر مايو يظل أعلى من سعر افتتاح تداولات عام 2023 بمقدار 135 دولارًا، ولكنه أقل من أعلى مستوى تاريخى تم تسجيله بمقدار 118 دولارًا.
وشهد شهر مايو تقلبات حادة فى أسعار الذهب من أعلى مستوى تاريخى إلى أدنى مستوى فى شهرين، وذلك بسبب التغير الكبير فى العوامل التى تؤثر على الأسواق، خاصة أزمة سقف الدين الأمريكى وتغير توقعات الفائدة من قبل الفيدرالى.

أزمة سقف الدين الأمريكى
سيطرة أزمة سقف الدين الأمريكى على الأسواق منذ بدايات الشهر الماضى مع تزايد المخاوف من تخلف الولايات المتحدة عن قدرتها على سداد التزاماتها للمرة الأولى، وذلك بسبب انقسام حاد بين أعضاء الكونجرس الجمهوريين والديمقراطيين على الموازنة الأمريكية ورفض الجمهوريون الموافقة على رفع سقف الدين البالغ 31.4 تريليون دولار قبل إحداث تغيير فى أوجه إنفاق الموازنة.
واستمر السجال بين الحزبين وتدخل الرئيس الأمريكى جو بايدن وعقد أكثر من اجتماع مع رئيس مجلس النواب الجمهورى كيفين مكارثى من أجل التوصل إلى حلول، وقد سيطر الفشل على أغلب هذه الاجتماعات بسبب رفض تنازل أى من الطرفين عن مطالبه.
فى الوقت نفسه استمرت وزيرة الخزانة جانيت يليلن فى إرسال تحذيرات للكونجرس الأمريكى والإدارة الأمريكية بالوضع الكارثى الذى تقدم عليه الولايات المتحدة فى حال تخلفها عن سداد التزاماتها، وأثر ذلك العنف على كل من الاقتصاد الأمريكى والاقتصاد العالمى، لتضع بداية يونيو موعدًا نهائيًا لنفاد الأموال من الحكومة الأمريكية وعدم قدرتها على السداد.
ومنذ أيام معدودة توصل الرئيس الأمريكى مع رئيس مجلس النواب إلى اتفاق لرفع سقف الدين، وتمت موافقة مجلس النواب عليه، أمس، لينتظر موافقة مجلس الشيوخ.
جدير بالذكر أن الذهب تفاعل مع أزمة سقف الدين بشكل كبير خلال شهر مايو، فالمخاوف التى نتجت عنها فى الأسواق كانت الداعم الأساسى والوحيد لأسعار الذهب؛ كونه استثمار الملاذ الآمن فى أوقات الأزمات، ولكن مع نهاية الشهر وبعد صدور العديد من التصريحات الإيجابية بشأن التوصل إلى اتفاق، فقد الذهب هذا الدعم وتعرض لانخفاض كبير ليسجل أدنى مستوياته منذ شهرين.

تغير توقعات الفائدة فى الأسواق
بالرغم من الدعم الذى حصل عليه الذهب خلال الشهر الماضى؛ جراء تطورات أزمة سقف الدين الأمريكى، إلا أنه تعرض لضغط سلبى كبير ناتج عن تغير توقعات الفائدة فى الأسواق، والتى كان لها أكبر الأثر على حركة الذهب ودفعه إلى التراجع والتصحيح السلبى.
اجتماع البنك الفيدرالى فى بداية شهر مايو شهد رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس وإشارة البنك إلى إمكانية تثبيت الفائدة فى اجتماع يونيو المقبل، بالإضافة إلى اعتماد القرار المقبل على التغير فى البيانات الاقتصادية.
لكن البيانات الاقتصادية التى صدرت عن الاقتصاد الأمريكى خلال هذه الفترة لم تأت لصالح قرار تثبيت الفائدة، فبيانات النمو أظهرت أن الاقتصاد الأمريكى متماسك بأفضل من التوقعات وفقًا للتقييم الثانى للناتج المحلى الإجمالى خلال الربع الأول الذى سجل نمو بنسبة 1.3% بأفضل من التوقعات والتقييم الأول عند 1.1%.
أيضًا مؤشر التضخم الأساس لأسعار المستهلكين السنوى ارتفع بنسبة 4.9%، كما ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصى الجوهرى الذى يعد مقياس التضخم المفضل لدى الفيدرالى بنسبة 4.7% على المستوى السنوى بأعلى من القراءة السابقة 4.6%.
البيانات تظهر مرونة الاقتصاد الأمريكى فى تقبل رفع أسعار الفائدة والتشديد النقدى من قبل البنك الفيدرالى حتى الآن، وهو ما شجع الأسواق لتتوقع قدرة الاقتصاد على تحمل المزيد من قرارات رفع الفائدة والتشديد، خاصة مع استمرار تماسك معدلات التضخم بشكل كبير.
بعد أن كان التسعير فى الأسواق لصالح تثبيت أسعار الفائدة فى اجتماع البنك فى يونيو باحتمال يتخطى 90%، جاءت تصريحات أعضاء الفيدرالى لتشير إلى ضرورة استمرار التشديد النقدى ورفع الفائدة فى اجتماع يونيو وحصلت التصريحات على التأكيد والقوة من البيانات الاقتصادية التى صدرت، ليتغير احتمالات الفائدة لتصبح حاليًا أعلى من 70% لصالح رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس فى الاجتماع المقبل.

الدولار الأمريكى يعوض خسائره فى مايو
شهد شهر مايو أيضًا تعافيًا كبيرًا وقويًا للدولار الأمريكى مقابل العملات الأخرى، فبعد تسجيله أدنى مستوى منذ عام فى شهر أبريل، استطاع أن يسجل ارتفاعًا بنسبة 2.6% فى شهر مايو وفقًا لمؤشر الدولار الذى يقيس أداءه مقابل سلة من 6 عملات رئيسية ليصل إلى أعلى مستوى منذ 10 أسابيع عند 104.59.
الدعم الكبير الذى حصل عليه الدولار كان بشكل أساس من تغير توقعات الفائدة فى الأسواق لصالح المزيد من رفع الفائدة، بالإضافة إلى البيانات الاقتصادية الإيجابية التى زادت من الطلب على الدولار الأمريكى.
من جهة أخرى لعب الدولار الأمريكى دور الملاذ الآمن فى الأسواق أثناء التخوفات الخاصة بأزمة سقف الدين الأمريكى، ليعطيه أفضلية مقابل العملات والسلع الأخرى، وعلى رأسها الذهب.
أيضًا شهد العائد على السندات الحكومية الأمريكية ارتفاعًا كبيرًا خلال الشهر الماضى بدعم من توقعات الفائدة، ليسجل العائد على السندات لأجل 10 سنوات ارتفاع خلال الشهر الماضى بنسبة 5.6%، مسجلًا أعلى مستوى فى شهرين عند 3.859%.
أما عن العائد على السندات لأجل عامين التى تعد أكثر حساسية للتغير فى أسعار الفائدة فقد ارتفعت الشهر الماضى بنسبة 8.8% وسجل الأعلى فى شهرين عند 4.637%.

توقعات أسعار الذهب العالمية
الأيام القليلة الماضية شهدت تماسكًا فى أسعار الذهب بعد تسجيله أدنى مستوى فى شهرين ليعود إلى التعافى من جديد فى محاولة للاستقرار فوق المستوى 1950 دولارًا للأونصة ويتداول وقت كتابة التقرير عند 1955 دولارًا للأونصة بعد أن شهد تراجعًا محدودًا بنسبة 0.4% اليوم الخميس.
تحاول أسعار الذهب تكوين منطقة دعم حول المستويات الحالية ليساعدها فى العودة إلى التعافى، ولكن شهر يونيو قد يشهد تحديات قوية أمام الذهب، فبعد التصويت على اتفاقية رفع سقف الدين الأمريكى يفقد الذهب الكثير من الدعم فى الأسواق.
أيضًا التوقعات لا تزال فى تزايد بشأن قيام الفيدرالى برفع الفائدة 25 نقطة أساس فى اجتماع يونيو المقبل، وهو الأمر الذى يقلل من الطلب على الذهب الذى يعد أصلًا ومخزنًا للقيمة، ولكنه لا يقدم عائدًا لحائزيه مقارنة بالسندات الحكومية.
لم يتبق أمام الذهب سوى بيانات تقير الوظائف الحكومى الأمريكى عن شهر مايو الذى يصدر غدًا، ومن بعده بيانات التضخم الأمريكى التى تصدر قبل اجتماع البنك فى يونيو، وستسهم هذه البيانات بشكل كبير فى توقع المقبل بالنسبة لأسعار الفائدة وبالنسبة لأسعار الذهب على حد سواء.
ولكن بشكل عام يظل شراء البنوك المركزية العالمية للذهب وزيادة احتياطيها من المعدن النفيس أحد أهم العوامل التى تدعم الذهب منذ بداية العام الجارى، وهو أيضًا أهم عامل وراء التوقعات أن الذهب سيعود إلى الانتعاش مجددًا خلال النصف الثانى من العام.
اشترت البنوك المركزية كميات قياسية من الذهب العام الماضى وصلت إلى 1078 طنًا، مما عزز الاحتياطيات لدى الدول بالذهب الذى يعد ملاذًا آمنًا أثناء الضائقة الاقتصادية والاتجاه الحالى المستمر لتقليل دور الدولار كعملة الاحتياطى العالمى.
خلال الربع الأول من هذا العام أضافت البنوك المركزية 228 طنًا إلى احتياطاتها العالمية من الذهب، مسجلة وتيرة قياسية للأشهر الثلاثة الأولى من العام؛ منذ بدء جمع البيانات فى عام 2000 وفقًا لمجلس الذهب العالمى.

مؤشرات السلع تسجل أسوأ أداء منذ نهاية عام 2021
شهدت مؤشرات السلع انخفاضًا حادًا خلال شهر مايو الماضى فى ظل الارتفاع الكبير فى مستويات الدولار الأمريكى، الذى يرتبط بعلاقة عكسية مع أسعار السلع بسبب كونها يتم تسعيرها بالدولار.
مؤشر S&P GSCI للسلع الذى يتضمن الذهب فى مكوناته سجل انخفاضًا خلال الشهر الماضى بنسبة 6.5% وسجل أدنى مستوياته منذ ديسمبر لعام 2021، كما يظهر فى الرسم البيانى التالى.
التراجع الحالى فى أسعار السلع مستمر منذ يونيو من عام 2022 ليشهد 11 شهرًا من الانخفاض من أصل 12 شهرًا من ضمنهم الـ7 أشهر الأخيرة وفقًا لمؤشر S&P GSCI للسلع.

أسعار الذهب محليًا
شهدت أسعار الذهب المحلية تغيرات كبيرة خلال شهر مايو الماضى، الذى يعد شهر إعادة التوازن إلى أسواق الذهب المحلية، حيث شهد عددًا من المبادرات والأحداث المهمة التى ساعدت فى عودة الاستقرار بعض الشىء لأسواق الذهب.
انخفضت أسعار الذهب المحلى عيار 21 الأكثر شيوعًا خلال شهر مايو قرابة 11% ليفقد 285 جنيهًا تقريبًا من سعر جرام الذهب، لتتداول أسعار الذهب، اليوم الخميس، أول أيام شهر يونيو عند 2330 جنيهًا للجرام ووصل سعر الجنيه الذهب إلى 18640 جنيهًا.
نهاية شهر أبريل الماضى شهدت تسجيل أعلى مستوى تاريخى فى أسعار الذهب فى مصر عند 2800 جنيه للجرام، وكانت الأسواق تشهد طلبًا حادًا وتسعيرًا غير منطقى يتخطى بمراحل تسعير الذهب العالمى.
وعليه وبناءً على مطالبات عديدة بضرورة التدخل لاستقرار السوق، قامت الجهات المعنية بتطبيق مبادرات تهدف إلى تحقيق الاستقرار والتوازن فى أسواق الذهب المحلية، وكان أهم هذه المبادرات السماح بواردات الذهب من الخارج دون رسوم جمركية باستثناء ضريبة القيمة المضافة على المصنعية لمدة ستة أشهر.
والهدف من هذه المبادرة كان السماح بدخول كميات من الذهب إلى الأسواق المحلية لمواجهة الطلب المرتفع على شراء السبائك والعملات الذهبية، وتحقيق توازن بين العرض والطلب، هذا بالإضافة إلى مبادرة خفض أسعار المصنعية على المشغولات الذهبية من أجل العمل على تراجع الطلب على السبائك لصالح المشغولات الذهبية التى عانت ركودًا حادًا خلال الفترة الماضية.
أسهمت هذه المبادرات فى تراجع أسعار الذهب خلال شهر مايو وفى يوم 18 من الشهر سجل الذهب قاعًا سعريًا عند 2200 جنيه للجرام ليفقد 600 جنيه من قيمته مقارنة مع أعلى سعر تاريخى وينخفض بنسبة 7% خلال 3 أسابيع.
وهذا التراجع فى أسعار الذهب يدل على نجاح هذه المبادرات، وتراجع الطلب المحلى على الذهب مع تراجع السيولة النقدية المتاحة لدى المواطنين الناتجة عن استحقاق شهادة الـ 18%.
فى الوقت نفسه تم الإعلان بشكل رسمى عن إطلاق أول صندوق استثمارى للذهب متوافق مع الشريعة الإسلامية، ويتيح الصندوق شراء وثائق صادرة من خلاله بقيمة الوثيقة الواحدة 10 جنيهات والحد الأدنى للشراء 10 وثائق بإجمالى 100 جنيه وبدون حد أقصى للشراء.
وبذلك يمكن لأى شخص التداول والاستثمار فى الذهب بأقل مبلغ ممكن، وفى حالة الرغبة فى الاحتفاظ بالذهب وتسلمه بشكل فعلى سيكون الحد الأدنى للشراء 50 جرام ذهب (ما يساويها من الوثائق).
ويفتح صندوق استثمار الذهب الباب أمام العديد من الشرائح للاستثمار فى أسواق الذهب كون الحد الأدنى للاستثمار منخفضًا، كما يسهم فى تحقيق الاستقرار فى أسواق الذهب، حيث نستطيع معرفة تسعير جرامات الذهب فى الصندوق الذى سيكون سعرًا استرشاديًا قد يحد من التسعير المبالغ فيه فى الأسواق.
ولكن بشكل عام لن يستطيع صندوق استثمار الذهب أن يغير من العوامل الداعمة للذهب كون استثمارات الصندوق مدعومة بالذهب الفعلى، وبالتالى لن يحدث تراجع ملموس فى الطلب الحقيقى على المعدن النفيس.
وحققت هذه الخطوات هدفها وعاد تسعير الذهب المحلى إلى التوافق بشكل كبير مع التسعير العالمى، وعاد الهدوء بشكل تدريجى إلى أسواق الذهب المحلية كما نرى منذ الأسبوع الماضى.

توقعات أسعار الذهب المحلية
فى حالة استقرار الأوضاع فى الأسواق المصرية دون تغير قد نشهد استمرار التراجع الحذر فى أسواق الذهب المحلية خلال الفترة المقبلة، خاصة مع توقع بزيادة المعروض من الخام فى الأسواق فى ظل تزايد واردات الذهب من الخارج مع تزايد أعداد نزول العاملين فى الخارج لقضاء فترة العطلات الصيفية.
أما عن الأوضاع المالية للاقتصاد المصرى، فيظل الشغل الشاغل فى الأسواق هو مراقبة أوضاع الديون المصرية المرتفعة وسبل الحكومة لتجميع التمويل من النقد الأجنبى اللازم لسداد هذه الديون، بالإضافة إلى سد الاحتياجات المحلية.
وبالنسبة لعودة الذهب إلى اختبار مستويات 2800 جنيه للجرام نجد أن الذهب فى حاجة إلى تحفيز قوى للوصول لهذه المستويات من جديد، وقد يجد هذا التحفيز من تزايد جديد فى السيولة المتاحة لدى المواطنين مع استحقاق شهادات جديدة أو حدوث خفض جديد فى سعر صرف الجنيه مقابل الدولار.
أيضًا قد يجد الدعم من عودة أسعار الذهب عالميًا إلى الارتفاع، وتسجيل مستويات قياسية جديدة تجبر الأسعار محليًا على الارتفاع من جديد.