رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

متحف أحمد شوقى.. هنا عاش أمير الشعراء

جريدة الدستور

- انتقل من المطرية إلى نيل الجيزة وسمى بيته «كرمة ابن هانئ» تحية لأبى نواس

- منزل الشاعر الكبير تحول إلى متحف فى 17 يونيو 1977

- يضم 1400 من مقتنيات الراحل الكبير بينها مسودات بخط يد

- يشتمل على لوحات زيتية وتحف.. وجناح خاص بألحان محمد عبدالوهاب

- مجموعة مميزة من النياشين والأوسمة.. وجدران مزينة بالخط الكوفى

- صورة «الخالدين» ولوحة «لا إله إلا الله» و«وثيقة البيان» أبرز المقتنيات

المتحف منارة علمية ومؤسسة اجتماعية فاعلة، وليس خزانة لحفظ المقتنيات فقط، فهو مثله مثل البيت والمدرسة والمسجد، يعلمنا الكثير عن حياة الراحلين وكيف كانت.

من ضمن هذه المتاحف، متحف أحمد شوقى، الذى تم تدشينه تكريمًا لأمير الشعراء أحمد شوقى، ويقع على كورنيش النيل فى الجيزة.

قصة البناء

كان الشاعر أحمد شوقى يعيش فى حى المطرية بالقاهرة، قرب قصر الخديو عباس حلمى الثانى فى القبة، حتى نُفى خارج مصر إلى إسبانيا، وبعد عودته بنى منزلًا جديدًا فى الجيزة يطل على النيل، أطلق عليه اسم «كرمة ابن هانئ»، وصار لاحقًا «متحف أحمد شوقى»، الذى تم تصميم بنائه تصميمًا متميزًا، فى صورة قصر أبيض اللون محاط بحديقة خضراء.

وصدر قرار جمهورى من الرئيس الراحل أنور السادات، يوم ٣ مايو ١٩٧٢، بتحويل «كرمة ابن هانئ» إلى متحف، تخليدًا لذكرى أمير الشعراء أحمد شوقى.

وفى أبريل ١٩٧٣، تم تسلم المنزل من ورثة أمير الشعراء، ليبدأ العمل لتحويله إلى متحف، حتى افتتح رسميًا يوم ١٧ يونيو ١٩٧٧، فى عهد الرئيس الراحل أنور السادات، ثم أُغلق لمدة عام واحد فى ٢٠١٠، إلى أن أُعيد افتتاحه مرة أخرى بعد ترميمه وصيانته.

وعند الدخول من البوابة الرئيسية للمتحف، يطالعك تمثال كبير لـ«شوقى» من البرونز فى حديقة المنزل، نحته الفنان المصرى جمال السجينى، وتمت إزاحة الستار عنه فى الذكرى الـ٥٠ لوفاة الشاعر.

جدير بالذكر هنا أن الحكومة الإيطالية أمرت فى عام ١٩٦٢ بصناعة تمثال للشاعر أحمد شوقى، ليتم وضعه فى حدائق فيلا «بورغيزى»، إحدى أشهر وأكبر حدائق روما، بوصفه فنانًا عالميًا.

والشاعر أحمد شوقى اسمه بالكامل: أحمد شوقى على أحمد شوقى بك، ولد بحى الحنفى بالقاهرة، يوم ١٦ أكتوبر عام ١٨٦٨، فى عهد الخديو إسماعيل، لأب کردى وأم من أصول ترکية وشرکسية.

وكانت جدته لأمه تعمل وصيفة فى قصر الخديو إسماعيل، وعلى جانب من الغنى والثراء، فتكفلت بتربية حفيدها ونشأ معها فى قصر الخديو، وعندما بلغ سن الرابعة من عمره، التحق بكتاب الشيخ صالح، فحفظ بعض الأجزاء من القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة.

ثم التحق بمدرسة «المبتديان» الابتدائية، وأظهر فيها نبوغًا واضحًا، كوفئ عليه بإعفائه من مصروفات المدرسة، وانكب على دواوين فحول وكبار الشعراء حفظًا عن ظهر قلب، فبدأ الشعر يجرى على لسانه، وعندما بلغ سن ١٥ سنة من عمره التحق بمدرسة الحقوق عام ١٨٨٥، وانتسب إلى قسم الترجمة الذى كان قد أنشئ بها حديثًا.

وفى هذه الفترة بدأت موهبته الشعرية تلفت نظر أستاذه الشيخ محمد البسيونى، ورأى فيه مشروع شاعر كبير، وأثنى عليه فى حضرة الخديو توفيق، وأفهمه أنه موهوب وجدير بالرعاية، وهو ما جعل الخديو يدعوه لمقابلته، فكان أن لمس موهبته وتأكد منها بنفسه، أعجب به ووافق على أن يسافر إلى فرنسا على نفقته الخاصة لدراسة الحقوق بجامعة «مونبليه»، التى درس بها لمدة سنتين ثم انتقل إلى جامعة باريس، وحصل على ليسانس الحقوق عام ١٨٩٣.

ثم مكث بعد ذلك فى فرنسا ٤ أشهر قبل أن يغادرها، قضاها فى دراسة الأدب الفرنسى دراسة جيدة، ومطالعة إنتاج كبار الكتاب والشعراء. وقد حسمت تلك الرحلة الدراسية الأولى منطلقات «شوقى» الفكرية والإبداعية، وخلالها اشترك مع زملاء البعثة فى تكوين جمعية تحت مسمى «التقدم المصرى»، التى كانت أحد أشكال العمل الوطنى ضد الاحتلال الإنجليزى، وربطته حينئذ صداقة حميمة بالزعيم مصطفى كامل باشا.

تفتحت أفكاره وميوله على مشروعات النهضة المصرية، وطوال إقامته فى أوروبا، كان فيها هناك بجسده، بينما ظل قلبه معلقًا بالثقافة العربية وبالشعراء العرب الكبار، وعلى رأسهم المتنبى.

وخلال هذه الفترة، اطلع «شوقى» على الأوضاع التى تجرى فى مصر، فأصبح يشارك عن بُعد بأشعاره فى التحركات الشعبية والوطنية الساعية لتحرير البلاد من المستعمر الإنجليزى، كما كان جزء من شعره يفيض بمشاعر الحزن على نفيه من مصر. ومن هنا نجد توجهًا آخر فى شعر أحمد شوقى، بعيدًا عن مدح الحاكم الذى التزم به قبل النفى.

وقد عاد «شوقى» إلى مصر عام ١٩٢٠م بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وفى عام ١٩٢٧م بايعه شعراء العرب جميعًا «أميرًا للشعر والشعراء»، فرأى أن تكون الإمارة حافزًا له لإتمام ما بدأ به عمله المسرحى، فقد كان قد ألف أول مسرحية شعرية له عام ١٨٩٣، وهى مسرحية «على بك الكبير»، وتوالت المسرحيات والدواوين الشعرية إلى أن رحل عن عالمنا عام ١٩٣٢.

وترجع قصة بناء المتحف إلى بعض العادات التى كان يمارسها، فقد كان لـ«شوقى» عادة ثابتة وهى أن يذهب كل يوم جمعة فى رحلة أسرية إلى منطقة الأهرامات، فقرر أن يتخذ بيتًا جديدًا قرب الأهرامات، وفضل هذا المكان على نيل الجيزة على جزيرة الزمالك المنخفضة قليلًا وضاحية مصر الجديدة، لابتعادها عن قلب القاهرة آنذاك، فقد كان يريد أن يملأ ناظريه بالنيل والأهرامات وأبوالهول كل صباح.

وكانت الأرض التى بنى عليها المنزل الجديد خضراء وأمامه أيضًا، فالمنطقة كلها كانت عبارة عن مساحات كبيرة خضراء، وحديقة رائعة تلاقى النيل مباشرة. ولأنه كان معجبًا بالشاعر العباسى الحسن بن هانئ الملقب بـ«أبى نواس»، فقد سمى داره باسمه، وكان لهذا المنزل حديقة واسعة تكسوها الخضرة، ويتوسطها تمثال برونزى لأمير الشعراء أحمد شوقى.

مكونات المتحف

متحف «شوقى» مكون من دورين، بالإضافة للقبو، وعلى يمين المدخل توجد مكتبة أحمد شوقى، التى تزخر بمئات الكتب من كل فروع المعرفة، وتضم أصول المسودات والكتابات التى دونها فى حياته، وهى تحديدًا تحوى ٣٣٢ كتابًا، بالإضافة إلى مسودات مخطوطات لشعره بخط يده.

كما توجد بالدور الأول أيضًا أعمال منسوبة للمطرب والملحن محمد عبدالوهاب، الذى قدمه أحمد شوقى إلى الفن، فقدم أعمالًا غنائية من أشعار «شوقى»، وأمامها غرفة للتدخين، وتتلوها غرفة الطعام، التى تحولت الآن إلى مكتبة للزائرين.

على الجانب الأيسر من الدور الأول توجد المضيفة ومحتوياتها، وهى عبارة عن سرير خشبى وخزانة ملابس من الخشب المطعم بالصدف وكنبة كبيرة الحجم.

هذا الجناح شهد ميلاد ألحان المطرب محمد عبدالوهاب، التى انتشرت فى مصر أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن الماضى، وعلى بعد خطوات توجد مكتبة سمعية تحوى تسجيلات لجميع أغانى عبدالوهاب التى أبدعها «شوقى».

كما توجد مكتبة سمعية عالية التقنية فى هذا الجزء من المتحف، تحوى تسجيلات لأداء غنائى لعبدالوهاب بحضور أحمد شوقى.

وأهم ما فى الطابق الأرضى هو القاعة الشرقية، وهى عبارة عن صالون استقبال فاخر يتميز بالتصميم العربى والإسلامى، فالسقف منقوش بالزخارف العربية، أما الجدران فتزينها آيات قرآنية بالخط الكوفى.

وفى نهاية القاعة، يمتد سلم خشبى مكسو بالرخام الأخضر ومغطى بسجادة حمراء اللون، وهو السلم الذى يأخذنا للطابق الثانى، وبجوار السلم فى هذا الطابق، توجد قاعدة رخامية خضراء مستطيلة عليها تمثال للشاعر صنعه فنان إيطالى.

وعلى القاعدة لوحة تذكارية عن ذكرى تنصيب أحمد شوقى أميرًا للشعراء عام ١٩٢٧، ثم نجد أجنحة الأسرة وبها غرفة نوم أحمد شوقى، التى ما زالت على حالها منذ رحيله، فالجدار يكسوه ورق جدران هو نفسه لم يتغير منذ بناء القصر.

أما السرير فهو نحاسى له إطار علوى لوضع ناموسية النوم، والأعمدة من النحاس، وتزينه وحدات زخرفية من النحاس يقال إنها كانت مطعمة بطبقة من ماء الذهب، ثم غرفة نوم أخرى خاصة بحرمه السيدة خديجة هانم شاهين، وكل ما بها ظل على ما هو عليه، حتى بعد أن فارقت صاحبتها الحياة.

كما توجد غرفة المكتب الخاصة بالشاعر الكبير، وتتميز بأثاثها الفرنسى الفاخر، بجانب غرفة أخرى تحوى عددًا من الجوائز والأوسمة والنياشين وشهادات التقدير والهدايا التذكارية التى حصل عليها الشاعر الراحل.

وفى منتصف الغرفة توجد واجهة زجاجية بها بدلة التشريفة التى ارتداها الشاعر فى مناسبات كثيرة، وهى من اللون الأسود، وصدرها مرصع بزخارف من الخيوط الذهبية.

وبجوار حجرة الأوسمة توجد غرفة خاصة تضم أكثر من ٧٥٠ مخطوطة ومسودة لأعمال الشاعر، ومجموعة من اللوحات الزيتية والتحف والصور التى تتعلق بحياة أحمد شوقى بك، علاوة على الصالون الخصوصى للأصدقاء المقربين وحمام خاص وحجرات خاصة بالأولاد.

مديرة المتحف تتحدث

قالت آية طه، مديرة متحف أحمد شوقى، إن أحمد شوقى أقام فى منزل «كرمة ابن هانئ» بالجيزة منذ عام ١٩٢٠ حتى وفاته ١٩٣٢، وذلك بعد عودته من منفاه فى إسبانيا.

وأضافت أن «شوقى» اختار موقع منزله فى الجيزة لإطلالته المميزة على نهر النيل، كما أنه كان يرى الأهرامات من خلاله، فضلًا عن موقعه المتميز لوجوده فى وسط المدينة، لذا عاش فيه آخر ١٢ سنة فى حياته.

وأوضحت أن «شوقى» كان يسكن فى منزل بالمطرية قبل حتى منفاه، حتى يكون بالقرب من القصر الملكى، فقد كان معروفًا بـ«شاعر القصر».

وكشفت، فى تصريحات لـ«الدستور»، عن أن المتحف يضم بين جدرانه ١٤٠٠ من المقتنيات ما بين أثاث ومفروشات ومسودات خطية ولوحات فن تشكيلى، وهذه المقتنيات ما بين معروض للجمهور وما بين مخزن.

وأضافت أن أكثر المقتنيات ندرة فى المتحف، هى تلك المسودات الخطية، إلى جانب بعض المقتنيات الأخرى مثل: صورة «الخالدين» التى تجمع سعد زغلول وأحمد شوقى، ولوحة «لا إله إلا الله»، ومكتب الشاعر، وبعض الأوسمة والنياشين، وأشهرها «وثيقة البيان»، التى أهديت للشاعر من «المنتدى العربى الإسلامى» فى مومباى بالهند، تكريمًا له بعد حصوله على لقب «أمير الشعر العربى».

وقالت مدير متحف أحمد شوقى إنه تم وضع المتحف على الخريطة السياحية، وتوقيع بروتوكول مع وزارة السياحة، يستهدف الترويج للمكان عن طريق شركات السياحة، وإدراجه فى برامجها السياحية، إلى جانب بروتوكول تعاون ثانٍ مع وزارة التربية والتعليم.

وأضافت: «يقدم المتحف خدمة ثقافية يومية على صفحة (الفيسبوك) الخاصة بمتحف أحمد شوقى منذ عدة سنوات، ويتم تحديثها بصفة دورية وطرح مواضيع مختلفة متعلقة بأمير الشعراء».

وأشارت إلى أن عدد العاملين فى المتحف ١٤ فردًا، ما بين مدير متحف، وأمناء متحف من تخصصات مختلفة فنية وأدبية وتاريخية، وإداريين، ويتم تنظيم دورات تدريبية لتأهيلهم بهدف تحسين الأداء، وذلك عن طريق قطاع الفنون التشكيلية.

وعن مواعيد فتح المتحف، قالت: «المتحف يفتح أبوابه من ٩ صباحًا حتى ٤ عصرًا، ويكون استقبال الزوار من الساعة ٩.٣٠ صباحًا حتى ٣.٣٠ عصرًا، فى جميع أيام الأسبوع، عدا يومى الإثنين والجمعة».

وبينت أن أسعار التذاكر الخاصة بالمتحف تبلغ ٣ جنيهات للطالب المصرى، و٥ جنيهات للمواطن، بينما العرب والأجانب ١٠ جنيهات، ويوم السبت الأول من كل شهر، يستقبل المتحف الزيارات مجانًا للمصريين، وهناك بعض الفئات المستثناة، مثل أقل من ١٢ عامًا، وفوق سن ٦٠ عامًا، وأعضاء النقابات.

وأكملت: «المتحف يستقبل بعض الشخصيات المهمة من المتخصصين فى مجالات متعددة، ليقدم الخدمة أحد المتخصصين من الأمناء فى نفس المجال»، لافتة إلى أن أعداد الزائرين وفئاتهم متغيرة على مدار العام.

وشرحت: «نستقبل أعدادًا كبيرة من الطلاب والدارسين خلال الموسم الدراسى، أما فترة الإجازة فنستقبل فيها أعدادًا كبيرة من جنسيات مختلفة، ويتم التعامل مع كل الزيارات بالشكل اللائق بالمتحف، مع تقديم الخدمة للجميع على أكمل وجه».

وكشفت عن أن المتحف يقدم بعض الورش الفنية والشعرية والأدبية، وندوات وأمسيات، وخدمة يومية أو أسبوعية على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك».

أما عن العقبات التى تواجه المتحف، فقالت: «فى حالة وجود بعض العقبات التى تواجهنا فى المتحف، فنناقشها مع القائمين على قطاع الفنون التشكيلية، ويتم حلها أولًا بأول».

واختتمت بالإشارة إلى أن «المتحف لا توجد بينه وبين المتاحف الأخرى أية اتفاقيات، فكل متحف مستقل بذاته وله طابع خاص، لكن كل متحف ملحق به مركز ثقافى تقام فيه أمسيات وندوات ومعارض تتناول مواضيع مختلفة قائمة على شخصية متحف آخر فى بعض الأحيان».