رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

عفوا خورشيد إنها أمي!

رسائل لن تصل إلى عمر خورشيد (14)

عزيزي عمر خورشيد
ها أنا أكتب لك مجددًا بعد فترة انقطاع امتدت لأسابيع، توقفت عن عدها...!
لا أخفي عليك كانت أيامًا ثقالًا، لا أتمنى أن تعاد مرة أخرى..!

تضم  أحداثًا هامة وثقيلة على الروح.
افتقدتك وافتقدت البوح لك، افتقدت متابعة القراء لرسائلنا! 
قررت أن أختم هذا العام معك وبك بكل ما به من أحداث جسام، عانيتها وأثرت بي وشكلت وجداني من جديد. فكل تجربة فقد تأخذ من روحنا نفقد معها جزءًا من براءتنا، نصبح بعدها أقوى، أقسى... أكثر حزمًا ونضجًا..!
في بداية هذا العام بدأت رسائلنا  تلفت الأنظار، وتلقى الحفاوة في القلوب، بدأت تشغل حيزًا كبيرًا من تفكير القراء.

أصبحوا ينتظرونها بشغف، بانتظار ما سيتضمنها من حديث نابع من القلب ويوجه لقلب أيضًا.
لا أخفي عليك كان عامًا جميلاً ثريًا بكل ما هو مميز رغم أنه ختم أيامه بحدث جلل لم أكن أتوقعه على الأقل في وقتنا الحالي...!

رحلت أمي العزيزة بعد وعكة صحية مفاجئة.. لم أتوقع أنها تضع كلمة نهاية مشوارها يبننا. رغم أن قلبي كان يشعر بذلك، لكنه كالعادة تجاهل هذا الهاجس وعاش طيلة أسبوعين على أمل أن تعود، أن تكون لنا فرصة ثانية معها.

تدخل أمي الرعاية المركزة لأول مرة في حياتها، لذا استشعرت الخطر وتسلل الخوف لقلبي.. 

لأول مرة نفترق عنها، رغم أنه فراق ظاهري، فنحن جميعًا بجوارها يفصل بيينا سور فقط، لم يطاوعنا قلبنا على مغادرة المستشفى بشكل نهائي. مكثت بالرعاية المركزة في المرة الأولى يومين.

عاد كل منا لبيته وطوال رحلة العودة رسم كل منا سيناريو لها ومعها بعد أن تخرج.

وضعنا خططًا كثيرة ورسمنا أحلامًا أكبر هي بطلها الأساسي والرئيسي فيها.

 أخبر أخي بأنني سآخذها في جولة للمكان كذا وهو يؤيدني ويقترح عدة أماكن أخرى.. يخبرني بخططه، نتذكر ما تقول وما فعلته داخل الرعاية مع الأطباء وطاقم التمريض ونضحك..!

 وهكذا تمضي الأيام نعيش على أمل أن تتعافي، وأن تتخطى تلك الأزمة. 

لا أخفي عليك كنا نفزع إذا جاءنا اتصال من رقم مجهول نطالع تطبيق كشف الهوية قبل أن نجيب..!

حتى جاءنا الاتصال المفرح أبلغتنا الموظفة بأنها ستخرج من الرعاية لغرفة تحت الملاحظة تمهيًدا لخروجها بشكل نهائي..!

أشرقت ملامحنا، ازهرت بساتين الكون، دقت قبول الفرح في قلوبنا، حمدنا الله كثيرًا كثيرًا وفرحنا فرحة كبيرة جدًا.

نبهت على إخوتي ألا تخبروا أحدًا حتى نطمئن عليها تمامًا.

شعرت بأن الله استجاب لدعواتنا وأعادها إلينا..

احتضنتها، قبلتها كثيرًا كثيرًا، وأخبرتها بما لم أجرؤ على قوله في السابق واعترفت لها بعدة اعترافات.

 أمور كنت أخفيها عنها، منها جريمة في عرف عائلتنا..!

"ثقبت أنفي"..!

 خفية ودون علمها، أزورها وأجاهد في إخفاء أثر هذه الجريمة بعدة حيل.

 بعد مساومات عدة مع ابنة أخي التي كشفت ما فعلت من الوهلة الأولى والتي أصرت على أن تخبر أمي وأنا أحول دون ذلك بشتى السبل حتى اقتنعت..!!

كلما ذهبت لزيارتهم تشير لأنفها الصغير وتقول: "تيته أريد منديلًا".

 أبتسم وأتوعدها..!!

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد المفاجأة  الكبرى كانت من نصيبي،

اعترفت لأمي بأني فعلتها..

 تطلعت إلىّ لحظة ثم قالت ببساطة اعتقدته مما يلصق؟!

اتسعت عينياي بدهشة وقولت هل لاحظني وجوده...!

قالت بهدوء من أول يوم..!

هل أخبرتك علياء؟!

انزعجت.. قائلة وهل كانت تعلم أنه مثقوب؟!

قصصت عليها كل ما حدث لتبتسم بهدوء قائلة يبدو جميلًا عليك. أعلم أنك تحبين هذه الأشياء الغريبة...!

تطلعت إليها باندهاش منتظرة أن توبخني.. أن تثور.. أن تعترض؟!

قولت ألن تثوري وتنفعلي عليّ ونتشاجر كما أتوقع؟

قالت باسمة: توقفت عن الشجار...!

أتت علياء لزيارتنا حيث كنت أرافق أمي بطبيعة الحال،

 أخبرتها بأني كشفت السر..!

 نظرت إليّ وقالت ببراءة: ولم تتضايق أو يحدث مشكلة؟

 قولت: لا..!

قالت ببراءة أكثر: أخفيت السر طيلة هذا الوقت سدى ؟!

أسكتها بقطعة حلوى وأنا أخبرها بأن اصمتِ

هذه لحظات نادرة جدًا وغير معتادة أو متوقعة من أمي.

رد فعل أمي المعتاد في عنفوانها مغاير لرد فعل أمي التي تقبلت الوضع بهدوء..

لم أكن أعلم أن أمي لم تعد أمي؟!

 بل إنها تؤخذ منا بالتدريج بمنتهى الرحمة.

حدث العديد من المواقف الكوميدية بطلتها الوحيدة أمي بخفة ظل كالمعتاد.. سأقصها عليك تباعًا..

رغم كل  ذلك جاءت وفاتها مفاجأة على الأقل بالنسبة لي..! 
كنت أعتقد أن أمي ستهرم وتتخطي الثمانين كعادة نساء عائلتنا لكن للقدر حسابات أخرى. ولا نقول إلا ما يرضى الله.
غادرت  أمي دنيانا يوم 14 ديسمبر
صباحًا.
مهدت لنا بروية...!
مهدت لرحيلها خشية الصدمة..

كنت أتمنى أن تبقى وأنتظر معجزة رغم تأكيد الأطباء أن كل حلول العلم باتت عاجزة عن مجابهة هذا الفيرس الشرس، الذي هاجم رئتها المعتلة وأتى على الجزء السليم، فأثر على نسبة الأكسجين في الدم مما أدى لتوقف عضلة القلب.
توقف القلب كثيرًا لكنها تمسكت بنا وبالحياة وعادت لنا.

حتى قررت التحرر من هذا الجسد الذي أنهكه المرض ومن قبله الهموم والدنيا.. سئمت من المقاومة وغادرتنا للأبد.
لن أخبرك عن أصعب هذه اللحظات لكني سأخبرك بأجمل ما بها.
أجمل ما في تجربة أمي هي الأصدقاء التي اكتسبتها أثناء هذه الأيام.
طبيب الرعاية الدكتور محمود هذا الشاب البشوش الذي حرص على السؤال عنها وتوجيهنا حتى بعد أن عادت للمنزل.
جمعتنا به وبأمي مواقف عدة، كلها مرحة سأخبرك بها مع الأيام..!!

هذا الطبيب لم يكن مجرد طبيب رعاية، بل أعتقده ملاك في ثوب طبيب، احتوى الموقف، وتعامل بحكمة ورأفة وحرفية ومنتهى الإنسانية. مع أمي.. ومعنا قبلها...!

أتصل به في أي وقت أراه يقظًا متابعًا الحالة، يجيب عن تساؤلاتي ويهدئ من روعي بمنتهى الهدوء..

من خلالك أشكره كثيرًا على جميل فعله وسعة صدره وحسن تصرفه مع أمي في تلك المواقف الحرجة.

 ما فعله معنا ومعها بشكل خاص حتى مواساته.

كلما تذكرناه أنا وأخوتي نتذكر موقفه مع أمي بخفة دم منقطعة النظير...!

كذلك لا يمكن أن أنسى مكالمات الأعزاء وبالأخص صديقة العمر التي كانت تطمئني وتبكي خوفًا. 

تحادث الأطباء وتطمئن وتقترح عدة حلول وتطمئني.

وتشارك قلقها مع الجميع تطلب من الكل الدعاء لأمي في شتى بقاع الأرض..

لا أخفي عليك  كانت تجرية مريرة، مررت بتجربة فقد أبي، أسقطتني في عزلة دامت لسبع سنوات...!

لكن مع أمي بالرغم من ثراء التجربة ومعايشتي تفاصيل أكثر وعن قرب بحكم كوني ابنتها الوحيدة ومرافقتها في كل وقت وكل لحظة.. إلا أنني أنهض وأجاهد وأقاوم نفسي وحزني الدفين. 

 أحاول أن أتخطى كل ذلك، وبدأت الكتابة إليك..!

حزني وسع المدى لا نهاية له.. لكنها سنة الحياة.. 

استفضت بالحديث معك هذه المرة.. عفوًا خورشيد إنها أمي..!

عزيزي عمر خورشيد

لكل شيء نهاية أدرك ذلك،

 ها نحن نودع هذا العام بكل ما به من ألم وفرح...

نأمل أن عامنا القادم أفضل ...!

ما زالت أراك واقفًا بشموخ، حاملًا جيتارك تحتضنه وتتوسط ساحة حديقة الحرية ونلتف حولك مشكلين دائرة، وأنت تعزف لحن رصاصتك الحزين وملامح وجهك كلها تأثر وحزن...

تشاركني تلك المرحلة..!!

لا أخفي عليك استمعت لتلك المعزوفة الرائعة أخذتني معها فوق السحاب حاولت التحليق بي بعيدًا عن أي شيء لكن ألمي أعمق فرافقني في جولتي تلك..!!

أعلم أن كل شيء سيمر ويخفت بمرور الأيام، أعلم أيضًا أنك صديقي الأوحد ستتحملني بكل تخبطاتي وانفعالاتي غير المبررة.!!

عزيزي عمر خورشيد

كل عام ونحن معًا نكتب ونختلف ونتفق نبتعد ونقترب، كل عام وأنت الحياة، كل عام وأنت أجمل ما مر بحياتي..!

كل عام وأنت أيقونة للحب للنصر للأحلام، للحياة.

عزيزي عمر خورشيد كن بخير لأكتب لك مجددًا.