رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

ما حدث فى ألمانيا جرس إنذار ما زال يرن!

عندما اجتاحت وسائل الإعلام ووسائل الاتصال الاجتماعية والمنصات الرقمية والفضائية كلمات محددة: (انقلاب في ألمانيا)، بدت الانطباعات الأولى أن في القصة نكتة ساذجة، تتعلق بخروج ألمانيا في نهائيات كأس العالم التي تقام في العاصمة القطرية الدوحة. 
.. ما حدث، مفاجأة قتلت كل التوقعات، ألمانيا تعلن عن تفكيك شبكة إرهابية يمينية متطرفة خططت لانقلاب على الدولة الألمانية. 
الحدث: سياسيا واجتماعيا وأمنيا، خطير ويطغى على كل القضايا الراهنة دوليا، بالذات تلويح روسيا من جديد بالتهديد النووي، وظهور حركات قومية في العمق الروسي. 

* القصة أن أوروبا بدأت تهتز.

صديقي الصحفي الأميركي قال لي إنه يعتقد أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية قد تعمقت وضربت الجذور التي تدعم القارة العجوز، وبالتالي اهتزاز تماسك قوة حلف الأطلسي، وبالتالي ظهور اختلالات سياسية وأمنية خطيرة على الأمن والسلم العالمي. 
فهل ما حدث خلال الـ24 ساعة الماضية وضع برلين على صفيح ساخن؟. 
عمليا و جيوسياسيا.. القصة أن أوروبا بدأت تهتز، وهذا يفسر ما كشفت عنه الدولة الألمانية، عن إحباط- اللحظات الأخيرة- لواحد من أكبر المخططات الإرهابية في البلاد، بحسب شبكة "يورونيوز" من أنه كانت جماعة يمينية متطرفة تنوي تنفيذ مخططات إرهابية متطرفة، عبر الانقلاب على الدولة الألمانية وتنفيذ هجوم مسلح على مبنى البوندستاغ (البرلمان الفيدرالي الألماني ).
.. وفي تفاصيل الهزة، أن المجموعة ضمت قاضية كانت نائبة سابقة... من حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، ومجموعة من الجنود السابقين في الجيش الألماني.
.. والغريب أن إعلان نتائج هذه المحاولة الانقلابية تزامن مع الإفصاح الرسمي الألماني عن تفكيك شبكة مزعومة لتهريب اللاجئين في ألمانيا، إذ أوقفت الشرطة أربعة أشخاص "الأربعاء" ضمن إطار التحقيق في شبكة مزعومة للهجرة غير الشرعية من سوريا والعراق عبر بيلاروسيا، قيل إنها مسئولة عن نقل أكثر من 300 شخص ودخلوا الأغراض الألمانية. 

* النبلاء القدامى في ألمانيا. 
تتفق مؤشرات الأخبار والتحليلات الدولية على أن المجموعة الإرهابية المتطرفة يرأسها نبيل ألماني 71- عاماً- ينتمي لعائلة من النبلاء القدامى في ألمانيا.
.. بحسب الادعاء العام، تبين أن «هاينريخ الثالث عشر رويس»، ويحمل لقب أمير، حاول التواصل مع مسئولين روس عبر السفارة الروسية في برلين، وهو الأمر الذي أثار تكهنات سياسية- أمنية من اختراقات سياسية روسية لزعامات وشخصيات أوروبية، عدا عن اليمين الألماني المتطرف، الأمر الذي جعل المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف يعلل: «لا يوجد مجال للحديث عن تدخل روسي هنا»، وأكد أن الحكومة الروسية علمت فقط بشأن المداهمات من وسائل الإعلام.

*الولايات المتحدة.. المساعدة جاهزة.. إن طلب منا ذلك!

بين ساعة وأخرى، كانت ردود الفعل في الولايات المتحدة الأمريكية مختلفة، وأعربت الإدارة الأميركية عن استعدادها لمساعدة ألمانيا في التحقيق بملابسات محاولة الانقلاب على السلطة، وتناولت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان بيير الحدث بالقول: "نحن على اتصال بزملائنا في ألمانيا ومستعدون للمساعدة إن طلب منا ذلك"، فيما نقل عن مصادر أمنية أن أمريكا تعرض على برلين مساعدتها في التحقيق بملابسات محاولة الانقلاب على السلطة في البلاد. 

في موازاة القلق الدولي، قال المدعي العام الألماني الفيدرالي: إن ما يقدر بنحو 50 شخصًا يشتبه في أنهم كانوا جزءًا من مجموعة تسمى حركة «مواطنو الرايخ"، التي تأسست في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 كانوا يخططون للإطاحة بالحكومة واستبدالها بنظامهم الخاص، وفسر ذلك: "يتحد المتهمون برفضهم العميق مؤسسات الدولة والنظام الأساسي الديمقراطي الحر لجمهورية ألمانيا الاتحادية، الأمر الذي أدى بمرور الوقت إلى قرارهم بالمشاركة في القضاء عليه بالعنف والانخراط في إجراءات تحضيرية ملموسة لهذا الغرض".
هنا، الأمر اختلف، وبدأ حلف الناتو مشاورات سريعة لتدارس ما حدث في ألمانيا، ومعالجة ظروف الحدود الجيوسياسية الدولية التي قد تضخ حركات متطرفة في شتاء أوروبا الحالي، وجاءت التطورات بحسب أو ردا على المدعي العام الفيدرالي الألماني، الذى قال إنه سيجري القبض على أصل 52 مشتبها به من العصابة، التي قبض على 25 شخصا فيها، ومن بين المعتقلين رجل يحمل الجنسية الروسية... يدعى، بحسب بيان الادعاء، فيتاليا ب، ساعد هاينريخ على التواصل مع المسئولين الروس.

* التفاصيل. 
المجموعة المستهدفة تم تشكيلها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، وتخطط لعملية تستهدف مقر البوندستاغ في برلين، بعملية تستخدم فيها الأسلحة. وبحسب السيناريو الذي كانت تعده المجموعة، كانت من المفترض أن ينفذ الجناح العسكري للجماعة، والذي يضم عدداً من الجنود السابقين في الجيش والقوات الخاصة، العملية العسكرية. وبحسب ما تناقلت الصحف، فإن المشتبه بهم كانوا يأملون بأن تحصل العملية على تعاطف من أفراد آخرين في الشرطة والجيش يساعدونهم في تنفيذها بعد انطلاقها. وبعد تنفيذ العملية العسكرية، والإطاحة بالحكومة، كانت المجموعة تخطط لوضع حكومتها التي شكلتها أصلا على أن يرأسها أو أن يكون رئيس الدولة هاينريخ الثالث عشر.
وينتمي هاينريخ الثالث عشر، بحسب موقع «دي فيلت»، إلى عائلة «رويس» النبيلة التي حكمت ما هو اليوم ولاية تورينغن حتى الثورة عام 1918. وتملك العائلة قصورا في النمسا وتورينغن. وجاهر هاينزيخ بأفكاره علنا سابقا، وقال في محاضرة ألقاها في زيوريخ السويسرية عام 2019 بأن ألمانيا ليست دولة مستقلة. 
وينتمي أعضاء المجموعة بشكل أساسي لجماعة يمينية متطرفة هي «مواطنو الرايخ» وهي جماعة ترفض الاعتراف بالقوانين الألمانية وسيادة الدولة، ويرفض المنتمون إليها حمل الجواز الألماني أو الانصياع لأوامر السلطات مثل الشرطة وغيرهم.
وبحسب صحيفة «دي فيلت» فإن المشتبه بهم هددوا كذلك أطباء خلال أزمة وباء كورونا، كانوا يعطون اللقاحات ويشجعون على تلقيها. وتم الكشف عن الخلية بعد أن قادتهم إليها مجموعة أخرى اعتقلت في أبريل (نيسان) الماضي كانت تخطط لخطف وزير الصحة كارل لاوترباخ، وكانت تلك الخلية على تواصل مع هاينريخ الثالث عشر.
وكان من بين المستهدفين في العملية، نائبة سابقة في حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف الذي نجح بدخول البرلمان في أعقاب أزمة اللاجئين السوريين عام 2015. والنائبة تدعى بريجيت مالزاك- فينكمان، وقد داهمت الشرطة منزلها في فانزي القريبة من برلين، في الساعة السادسة فجرا. وكانت مالزاك- فينكمان نائبة في البودنستاغ بين العامين 2017 و2021 وتعتبر من الجناح المتطرف داخل الحزب. وبعد أن تركت البرلمان عملت في محكمة برلين الإقليمية كقاضية، وهو المنصب الذي كانت ما زالت تشغله لحظة القبض عليها، ونفذ المداهمة قرابة الـ3 آلاف شرطي من الوحدات الخاصة في 11 ولاية ألمانية، كما جرت عمليتا اعتقال خارج ألمانيا، واحدة في منطقة كيتسبول في النمسا وفي بيروجيا بإيطاليا جرى تنسيقهما مع السلطات في البلدين. وفتش عناصر الشرطة 137 مكانا منذ الساعة السادسة فجرا. وتركزت المداهمات في ولايات بافاريا وبادن فورتمبيرغ وساكسونيا وهسن وساكوسونيا السفلى.

* عودة الرايخ.. 
تنفرد محطات وكالات الإعلام الأوروبية، مرحليا، ببث تفاصيل عن انقلاب ألمانيا الفاشل، وتثير قضية أساسية هي أن المخابرات الألمانية كانت تتابع تحركات جماعة «مواطنو الرايخ» منذ عام 2016، وتعتبر أنهم يشكلون تهديداً على أمن الدولة بسبب عدم اعترافهم بها وبمؤسساتها. وتعد المخابرات قرابة 21 ألف شخص في أنحاء ألمانيا من المنتمين لـ«مواطنو الرايخ» وتصنف قرابة الألف منهم بأنهم من الشديدي التطرف والذين يشكلون خطراً.

«مواطنو الرايخ» لا يسافرون، بل هم لا يحملون الجوازات الألمانية، ولديهم بطاقات هوية خاصة بهم مطبوع عليها «جماعة الرايخ»، كما يرفضون دفع الضرائب أو أن يأتمروا بالشرطة والمؤسسات العامة. وهم غالبا ما يُغرقون المسئولين برسائل تهديد أو شكاوى أو اعتراضات، ويرفعون دعاوى رفضا لدفع ضرائب أو غرامات أو غيرها.

الجمهورية الألمانية بحدودها التي تشكلت بعد انفراط الرايخ الثالث على عهد هتلر، غير شرعية، بحسب جماعة الرايخ التي حاولت الانقلاب، عادة يؤمنون بدولة «الرايخ» بحدودها السابقة. وهناك جماعات متعددة داخل «مواطنو الرايخ» تأسست أولاها في عام 1985 على يد فولفغانغ إيبل الذي كان يسمي نفسه «مستشار الرايخ الألماني». وتسبب ذلك بصراع داخل الحركة وانشقاقات وظهور جماعات أخرى، ولكن الذي يجمعهم هو رفضهم الاعتراف بسيادة المؤسسات في الدولة، بل إنهم حاولوا السيطرة على مؤسسات الدولة وتشكيل حكومة وجيش جديد.
ولهم، بحسب مخطط الانقلاب، هيئة القيادة في المجموعة والتي كان ينتظر أن تدير البلاد في حال نجاح الانقلاب، تُعرف في أوراق المجموعة بـ"المجلس"، الذي يترأسه الأمير هنري الثالث عشر (71 عاما)، وكان من المقرر تنصيبه ملكا على مملكة ألمانية الجديدة عقب إسقاط النظام الديمقراطى الحالي.

* مصيبة الذراع العسكرية الإرهابية
في ظل القلق، أعلنت الحكومة الألمانية عن أن المخطط الإرهابي للانقلاب على السلطة كان مدعوما من أذرع عسكرية سرية، وأن قائد الذراع العسكرية في المجموعة هو روديجر فون بي، المقدم السابق في الجيش الألماني، والذي كان حتى أبريل 1996 قائد كتيبة المظليين 251 في منطقة كالو بولاية بادن فورتمبيرج.

في المعلومات أن هيكل قيادة الذراع العسكرية يتكون من ضباط سابقين بالجيش، مثل ماكسيميليان إي، ومايكل إف، وفرانك إتش، وتوماس إم، ولفرام إس.
.. هل فعلا نشطت قيادات الذراع العسكرية لقوى الانقلاب في تجنيد أعضاء جدد، وشراء الأسلحة والمعدات الأخرى، وإنشاء اتصالات مؤمّنة بين قيادات المجموعة، وإدارة لتكنولوجيا المعلومات (استخبارات)؟.
.. قد يبدو، سياسيا وأمنيا، أن محاولة الانقلاب المحبطة في ألمانيا، وتقويتها، أخطر بكثير من المعلن؛ إذ بدأت معلومات تنتشر عن وجود ذراع عسكرية للخلية.
وشارك 3000 عنصر من الشرطة الجنائية والقوات الخاصة الشرطية في مداهمات ضد أكثر من مئة عقار يملكها 51 مشتبها به في 11 ولاية ألمانية، الأربعاء، لتفكيك خلية "إرهابية خططت لانقلاب وتأسيس نظام يميني متطرف" في هذا البلد الأوروبي.

عمليا وعلى مستوى الجيش الألماني، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع أرني كولاتس إن جنودًا آخرين متورطون في المؤامرة بينهم جندي عضو في وحدة القوات الخاصة.

وذكر بيان النيابة امرأة روسية وصفتها الصحافة الألمانية بأنها رفيقة "الأمير رويس". وأشار المدّعون إلى أنها عملت كوسيطة في محاولة للاتصال بالسلطات الروسية للحصول على دعم محتمل.

*.. والغريب.. أيضا!

ليس من المبكر الكشف عن معلومات حللتها الفيدرالية الألمانية عما أشارت إليه النيابة الألمانية عن أنه فيما يتعلق بالمجموعة التي جرى تفكيكها فإنّ أعضاءها يستندون أيضاً إلى نظريات "كيو آنون" (QAnon) وهي مجموعة يمينية متطرّفة تآمرية في الولايات المتحدة.
.. وقد أثير هنا سؤال سردي، قصصي، يحاول مسك خيوط العلاقات الدولية وجيوسيا المؤامرات عابرة القارات:
ما هي نظرية "كيو آنون"؟ ومن هم أنصارها؟ 
تزعم نظرية المؤامرة "كيو آنون" أن هناك معركة بين الخير والشر.. 
.. وهي عمليا، نمت شعبية مجموعة نظرية المؤامرة المعروفة باسم "كيو آنون" QAnon في الأشهر الأخيرة. وانتشرت أفكار ورسائل الجماعة من الإنترنت إلى المنصات الرئيسية وأصبحت قضية سياسية. وفي 6 يناير، كان أتباعها من بين أبرز داعمي الرئيس دونالد ترامب الذين اقتحموا مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن.

.. وبين الشفافية والفوضى، تعد "كيو آنون" جناحا يمينيا متطرفا، وشبكة فضفاضة التنظيم، ومجتمعا من الأشخاص الذين يعتنقون مجموعة من المعتقدات التي لا أساس لها. وتركز هذه الآراء على فكرة أن عصابة من المتحرشين بالأطفال الذين يعبدون الشيطان- تتكون أساسًا ممن يرون أنهم نخبويون ديمقراطيون وسياسيون وصحفيون وأباطرة الترفيه وشخصيات أخرى- وتعتبرهم أقطابا وقادة ما يسمى الدولة العميقة، والتي يقولون إنها تسعى إلى تقويض حكم الرئيس ترامب بمساعدة وسائل الإعلام والترفيه.

.. والمزيد من التحليل:

تزعم نظرية المؤامرة "كيو آنون" أن هناك معركة بين الخير والشر يتحالف فيها الجمهوري ترامب مع الخير ضد قوى الشر. وينتظر أتباع "كيو آنون" حدثين رئيسيين: العاصفة والصحوة الكبرى.

و«العاصفة» هي اعتقالات جماعية لأشخاص في مناصب عليا سيواجهون حسابًا طال انتظاره. 
أما «الصحوة العظيمة» فهى حدث واحد يحصل فيه كل فرد على فكرة أن نظرية قنون كانت دقيقة وكشفت الحقائق المخفية. وسيسمح هذا الإدراك للمجتمع بدخول عصر اليوتوبيا (أو المدن الفاضلة) بعد القضاء على قوى الشر.
.. في النهاية يبدو أن لكل دولة "كيو" Q، يسرح ويمرح ويضع مؤشرات سلبية وسرية، قد تنذر بانهيار مبكر للغرب.
ما حدث في ألمانيا، جرس إنذار ما زال يرن!