رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

صلاح فضل.. الناقد المفكر التنويرى

«إن قيمة الأعمال الإبداعية لا تتحدد وفقًا لطبيعة الوقائع أو المحكيات التي ترويها، مما كان يسمى بالمضمون مباشرة، بل تكمن على وجه التحديد في الأساليب والتقنيات والوسائل الجمالية الكفيلة بتمثيل نبض الحياة ومنظومة قيمها في الأدب..»، تلك كانت إحدى رؤى الناقد والمفكر الأكاديمي د. صلاح فضل التي أراها بطاقة تعريف لنهج ناقد أكاديمي بارز..
ويعتقد «فضل» أن استخدام النُقّاد اللغة المبهمة والغامضة، ناتج من صعوبة المصطلح الأجنبي، وعدم القدرة على بلورته بطريقة شفافة مفهومة، لأن الوضوح ليس ضعفًا ولا بساطة، الوضوح اقتدار وتمكن، ولا يتنافى مع العمق، بل أعمق الأفكار أوضحها، والغموض نوع إما لاستغراق في نوع من الميتافيزيقيا التي لا محل لها، أو الجري وراء تهويمات غير مجدية، أو التعلق بأهداب نظريات غير مهضومة جيدًا.
ويرى ناقدنا الكبير أن الغموض دليل على عدم النضج الفكري الكافي، وفي المشرق العربي أكثر من المغرب لأن لنا قرنًا من الزمان نمارس ذلك، نجحنا إلى حد كبير ابتدءًا من طه حسين وحتى الآن في تكوين لغة إبداعية ونقدية أكثر نضجًا وأشد شفافية، وأفعل في التواصل الجمالي مع القراء، وعندما تخلى بعض الشعراء عندنا عن ذلك أحدثوا هذه القطيعة بين الشعر والقراء اليوم..
في الستينيات من القرن الماضي كانت الفرصة متاحة لأبناء جيلي أن نرى على شاشة التليفزيون رموز الفكر والأدب والفنون والعلماء وأهل الثقافة والتنوير ــ والذي يمثل د. صلاح فضل بفكره وقامته النقدية والأدبية الامتداد الرائع والمضيف لفكرهم ــ يحاورهم من أهل الإعلام ورموزه من يعرفونهم حق المعرفة ويقدرون إسهاماتهم في دنيا المعارف والثقافات، ولعل ما بقي من أشرطة تلك البرامج الحوارية المذهلة في بساطة العرض وعظمة الطرح الفكري والإنساني، والتي نتابعها بشغف على قناة «ماسبيرو زمان» لا يزال مبهرًا ومفيدًا وممتعًا، وأشهرها تلك الحلقة الحوارية الرائعة التي أدارتها بحرفية ومهنية وبزاد معرفي الإعلامية «ليلى رستم» مع الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي المفكر والتنويري، ويشارك في محاورتها له نخبة رائعة من أبناء الجيل التالي لجيل العميد مثل عبدالرحمن الشرقاوي وثروت أباظة وأديب نوبل نجيب محفوظ ومحمود أمين العالم وأنيس منصور (والأخير كان المعد لحوار الحلقة)..
لعل فيما سبق مقدمة بمثابة دعوة لأهل الإعلام وفرسان الصحافة أتمناها تصل وتتجدد للسعي إلى رموز عصرنا الحالي ليقولوا لهم ولنا ويحكوا ويتحاكوا عن إبداعاتهم ورؤاهم الفكرية والإنسانية.. وذلك لتوثيق تجاربهم ونجاحاتهم وإخفاقاتهم وأسرار عبقرية رسائلهم ووطنيتها ونبلها، لتعيش ويتداولها ويستفيد منها الأجيال التالية كما نستفيد الآن من متابعة ورؤية مقابلات شاشة الأبيض والأسود القديمة..
وعليه، أسعدني في الفترة الأخيرة متابعة عدة مقابلات صحفية وتليفزيونية أجريت مع الكاتب والناقد والمفكر د. صلاح فضل، وتمنيت أن تتلاحق تلك اللقاءات معه ومع أقرانه من الرموز الفكرية من أبناء جيله والجيل الذي يليه لنتمكن من التواصل مع معارف وتحديات وإسهامات نص قرن على الأقل من أعمارهم لتقديمها للتاريخ المعرفي كوثائق تمثل فحواها أجزاء رائعة من منتجاتهم الفكرية عبر التاريخ المصري الحديث، لعل أهمها وأكثرها تناولًا ومناقشة للإضافات الإبداعية النقدية لناقدنا مقابلة أجراها معه في الفترة الأخيرة الإعلامي الكبير د. محمد الباز؛ بمناسبة تعيينه رئيسًا للمجمع اللغوي..
ولعلي هنا أسهم بشكل رمزي في الاقتراب من طبيعة مواقع شغلها ونجاحات حققها «فضل»، وفكر ورؤى ومواقف يسعدني الإشارة إلى بعضها كمقتطفات متنوعة مختارة من إبداعاته الفكرية عبر سلسلة مقالات أشرف بتحريرها لجريدتنا الغراء «الدستور» أتناول فيها مدى إسهامات الحركة النقدية المصرية ورموزها في إثراء ودعم وازدهار فنوننا وقوانا الناعمة، وقد كان لي شرف استضافة د. فضل في برنامجي «ستوديو التنوير» الذي أقدمه على شاشة موقع «أقباط متحدون» بمناسبة تعيينه رئيسًا للمجمع اللغوي..
يرى د. فضل أن تجربته في الكتابة، بعد أن اكتملت أدواته، وفي مقدمتها الظفر بلقب «دكتور» كانت أليمة، حيث وجد نفسه مغروسًا في بؤرة التنظير لتيارات البنيوية، وما بعدها، بما يتطلبه ذلك من عرض الكشوف المعرفية، ومعاناة الصياغة الإصطلاحية، وممارسة عملية لتجديد أسلوب النقد وتحديث لغته، بحيث يبعد بالضرورة عن الكتابة التلقائية الممتعة بالنسبة له، ويحرم من لذة البوح الشخصي الحميم، التماسًا للدقة المنهجية والصرامة العلمية.. 
وفي هذا السياق كان د.فضل يرى أن طلابه في الجامعة هم أول نقاده المتضررين، دائمًا تتعالى شكاياتهم من لغة كتبه المقررة عليهم ويُجمعون على عدم فهمها، ويقول معترفًا «كنت أعرف أنني أشقّ عليهم بهذه المناهج والنظريات التي لم يألفوها من قبل، رغم أني كنت أبذل جهدًا مستميتًا في تبسيطها لهم وتذويبها في شكلٍ مستساغ، مما يخلق مفارقة حادة بين المستويين..».
ولعل مساهمة مفكرنا الرائعة في نجاح البرنامج العربي التليفزيوني الشهير «أمير الشعراء» باعتباره عضو لجنة التحكيم كان فرصة للتواصل مع الأجيال الجديدة من الموهوبين، وكان مما شجعه على تلك المساهمة والرعاية أن الأوساط الثقافية العربية كانت الفكرة الشائعة لديها قبل البرنامج أننا أصبحنا في عصر الرواية، وأن الشعر لم يعد له مجال وقد انطفأت جذوته وخبت شعلته إلى الأبد، ولأول مرة ربما في تاريخ الميديا، والميديا العربية على وجه التحديد ينجح برنامج يذيع قصائد شعرية وتعليقات نقدية على هذه القصائد لأكثر من ساعتين بشكل أسبوعي في دورة كاملة لمدة أربعة أشهر، ويتابعه هذا العدد الضخم من المشاهدين..
ويعرب مفكرنا دائمًا عن ضيقه لأن حياتنا في المنطقة العربية لا تزال للأسف تمضي بإيقاع الإبل ولا بد أن نسعى في اتجاه تحقيق إنجازات علمية ومعرفية حتى نخرج من حارات العتمة..
في حفل تكريمه كرمز مصري، قال «يطفو على ذاكرتي بيتان من الشعر، قرأتهما في صباي الأول عندما كنت أحبو بين الكتب وأمسكت ديوان حافظ إبراهيم فوجدت بخط يده هذين البيتين: 
«شكرت جميل صنعكم بدمعي
ودمع العين مقياس الشعور
لأول مرة قد ذاق جفني
على ما ذاقه دمع السرور» 
يذكر أن د. فضل قد وجه وصية للسيدة جيهان السادات فى عهد الرئيس الراحل السادات طالبها فيها أن يكون فى كل مسجد مكتبة تنويرية وثقافية وأدبية ويكون إمام المسجد أمينها، وأنه يجب محاسبة من يكفرون الآخرين دينيًا..
للدكتور «فضل» نشاط أكاديمي وثقافي ومجمعي واسع داخل مصر وخارجها، فإلى جانب أنه شغل العديد من المناصب، فقد كتب ما يزيد علي 40 مؤلفًا في الأدب والنقد الأدبي والأدب المقارن، كما ترجم عن الإسبانية 5 مؤلفات متخصصة في المسرح، وتقديراً لدوره المتميز الأدبي والنقدي فقد حصل على جائزة «البابطين» للإبداع في نقد الشعر عام 1997، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام  2000..
ويؤكد د. فضل أن ثورة 30 يونيو أنقذت مصر والشعب من ضراوة الدولة الدينية، ويعرب عن سعادته بحركة التنوير التى تشهدها السعودية، ويرى أن التقدم الحضاري في أي وطن عربي سينعكس على الأمة العربية والإسلامية.