رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

عمالة أطفال بنكهة سيبرالية حديثة

عايشت الطفولة تاريخاً مريراً من الإساءة والاستغلال للعمل تحت ظروف قاسية تندرج ما بين مهن شاقة، ومجالات تحتاج لقوة بدنية كبيرة وما بين ساعات عمل تتجاوز الاثني عشر وأكثر، دون توفير أي سبل للحماية، أو حتى مقابل مادي متوافق مع ما يتعرضون له من مخاطر مهلكة لحياتهم كصغار مستغلين فقرهم، وفترات الاستعمار وغيرها، لتحقيق ثورات صناعية كبيرة دون موارد كبيرة فيما بين القرن التاسع عشر والعشرين.
ثم بدأ العالم الإنساني في تاريخ طويل مع النضال ضد تلك الظاهرة، والمسيئة للطفولة بدنياً ونفسياً، بدأ على إثرها تغير فيما يتعرض له الأطفال من انتهاكات صريحة، وبدأ العالم يمر بمرحلة تفاوت عالمية فيما يتعلق بأعداد وشكل عمالة الأطفال، وأخذ الأمر منحنى مختلفًا تماماً بعدما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1989 اتفاقية حقوق الطفل، والتي تُعد ذات التصديق الأضخم من كافة الدول، وفى العام ذاته تم صدور الإعلان العالمي لحقوق الطفل، الذي بموجب ما نص عليه بدأ العالم في نقلة جديدة من مناقشة وإصدار عدد من المواثيق، والاتفاقيات الدولية، والعربية الخاصة بعمل الطفل وأشهرها ما صدر عن منظمة العمل الدولية بداية من اتفاقية 5 وحتى 138، و182 للحد من الاستغلال، والقضاء الكامل على عمل الطفل في أي ظروف تعرضه للخطر والإساءة، وترك التعليم لمن تحت 15 من عمره.
ورغم كل الجهود المبذولة مازالت الإحصائيات تنم على أن العالم في حاجة إلى أن ينتفض من أجل حماية صغاره، وحلم غدُّه، فرغم انخفاض معدل عمل الأطفال إلا أنه ما زال ما يقرب من 168 مليون طفل ما بين 15و17 يعمل تحت ظروف صعبة، ويتعرضون لإساءات بالغة خاصة في محيط قارة إفريقيا.
وربما ذلك قد يرجع لظروف مختلفة كمعدلات الفقر والنمو الاقتصادي، وما تعايشه بعض الدول من أزمات، وصراعات توازياً مع قلة الثقافة، وإهمال التعليم وغيرها، التي دعت العالم لتبنى مفاهيم، وأشكال جديدة من الحماية للأطفال المتواجدين في ظروف ومناطق للعمل فما بين تبنى مفاهيم ترتبط بالعمل الإيجابي أو التربوي للأطفال، والذي يهدف للتدريب والتطوع المأجور في أعمال تتناسب مع سنه وطبيعة بنيته وتساعده على التعلم، والتطور، واكتساب القيم، والاستمتاع دون مشقة أو استغلال.
وما بين محاولات لحماية الأطفال العاملين تحت 15 في مناطق ودول متفرقة بحصر بيانات هؤلاء الأطفال ومناطق عملهم، وتوفير الرعاية الصحية والنفسية لهم وإلزام أصحاب العمل بذلك مع تحديد ساعات محددة للعمل، لا تتعارض مع ظروف دراسته، وحماية من الإصابات وغيرها الكثير لتتناسب الجهود المبذولة في هذا الملف مع الواقع العالمي وظروفه المتغيرة.
ومع كل ما سبق ذكره اقتحم عالمنا تطوراً، وثورة جديدة متمثلة في التكنولوجيا فرضت علينا جميعا واقعاً رقمياً، وفتح علينا أبوابًا جديدة من الإساءات، والانتهاكات للأطفال في صور متعددة دفعت العالم مرة أخرى في النظر للأمور من زاوية جديدة، ومختلفة فيما يتعلق بحماية الأطفال من الإساءة، والاستغلال في الواقع الافتراضي الذي ينعكس على الواقع المجتمعي شئنا أم أبينا تصديق ذلك.
ومن منطلق المسئولية المجتمعية للأفراد والمجتمع المدني بأسره انطلق عدد من المبادرات ودعم شبكات الحماية الإلكترونية للأطفال، والذي تبعها بصورة وبأخرى جهود دولية كبيرة في سن وتشريع القوانين، والسياسات التي تعمل على حماية الطفل إلكترونيا بكافة الصور ومن كافة الإساءات، بل والحفاظ أيضا على خصوصيته على الإنترنت، وهذا ما ظهر واضحا في قانون COPPA  الأمريكي.
ومن ثم التزمت كافة المواقع والتطبيقات الرقمية بوضع معايير وشروط يوافق عليها المستخدمون قبل إصدار صفحاتهم الشخصية، ونشر رسائلهم سيبرالياً، وإن كنت ممن يهتم بقراءة تلك المعايير قبل الموافقة ستلاحظ أن جزءاً ليس بهين يتطرق لسن المستخدم، ومعايير الرسالة في النشاط التسويقي للمستهدفين دون الـ13، وغيرها وقد تحظر بعض التطبيقات أي ظهور لمن دون الـ15، أو محتواهم لحمايته سيبراليًا من التعرض للإساءة أو الضرر، أو التنمر، أو سرقه بياناته أو الإلقاء به أمام شكل من أشكال الاستغلال، أو الاتجار بالبشر.
ولكننا بتجول بسيط بين مواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات الذكية سنلاحظ إخلالاً واضحاً وملحوظاً، بكافة المعايير والشروط التي وضعتها تلك المنصات بذات عينها، وأقرن بها لصيانة مجتمعها، وحماية صغارنا في الواقع السيبرالي، وبضغطة زر أخرى قد تلاحظ انتشاراً غير منطقي وأحيانا غير مريح للأطفال دون 15 في تقديم محتويات غير مناسبة وغير متخصصة، وبدوام مستمر طيلة اليوم، وبضغطة أخرى قد ترى استغلالاً، واستعمالاً للطفل في محتويات الكبار بشكل يهينه ويعرضه لمخاطر جسدية ونفسية غير مسبوقة ويسحق خصوصيته بشكل عام، وخصوصية جسده بشكل خاص.
ومع كامل الأسف من يدفع الطفل لتلك الإساءات الإلكترونية قد يكونون هم المسئولين عن رعايته من الوالدين من أجل المكاسب المادية، أو مستغلين رغبة الطفل دون وعيه في ذلك، وبعض الصفحات قد تدفعك أحيانا كمشاهد للشك في أن هناك شبكات منظمة تشتغل الأطفال إلكترونياً، وتدفعهم للعمل، وصناعة محتويات مسيئة للطفل وتعرضه للاستغلال الجنسي والبدني، والابتزاز والاتجار به خلف ستائر التواجد إلكترونيا على الواقع الافتراضي، والقبول المجتمعي لذلك ، وعدم استياء المشاهدين لتواجد الأطفال سيبرالياً دون ضابط أو رابط.

وبمقارنة ما سبق بمفهوم عمالة الأطفال المحظورة التي تتمثل في أي أعمال تضع عبئاً ثقيلاً على الأطفال، وتعرض حياتهم للخطر أو حرمانهم من التعليم أو حتى أن تكون عبئاً مزودجاً ما بين الدراسة والعمل، أو ما يتمثل في أعمال مسيئة للطفل كعمل جبري أو استعباد واتجار أو استخدامه في أعمال إباحية وأنشطه غير مشروعة أو أى عمل يؤديه الطفل دون السن القانوني، وغير ذلك فسنجد أننا أمام ظاهرة من عمالة الأطفال وانتهاكهم واستغلالهم بشكل جلي وواضح، ولكنها في أغلب الأحيان مقبولة ومسكوت عنها مجتمعياً إلا في حالات نادرة قد يرى المجتمع أنها أخلت بمعتقداته وقيمه العامة فقط.
وهذا الطرح هو بمثابة توعية بسيطة عما قد نراه من استغلال لأطفالنا ونقبله بحسن نية وتشجيع لصغارنا وهو أيضا توصية ودعوة أن نغير نظرتنا للطفل بشكل عام، ونعامله على أنه إنسان كامل ليس من حق أحد استباحته كونه ما زال صغيراً، وما زال لا يعي الكثير ولا يملك حق تقرير الكثير من الأمور في حياته، ودعوة أيضا لرفض تلك المحتويات التي تعتمد على عمالة الأطفال وإنهاكهم واستغلالهم دون وعي حتى وإن كانت بناء على رغبة الطفل واستعداده لذلك، وبخاصة التي تعتمد على الفكاهة والتسلية على حساب الأطفال والتنمر عليهم، والقذف بهم في وجه المجتمع دون حساب عواقب الأمور، أو ما قد يتعرضون له جراء ما يقدمون من محتويات ومواد على الفضاء السيبرالي، وما قد يواجهونه في مستقبلهم جراء ما يؤثر على نموهم النفسي والعقلي اليوم، وهو أيضا بمثابة لفت نظر للاهتمام بهذا الشأن أكاديميا، ووجود دراسات نفسية واستشراقيه متخصصة بهذا الشأن، وحلول للعلاج وقد يكون دفعة للمجتمع المدني أن يوفر مراكز تأهيل للأطفال للتعامل مع وجودهم على تلك المنصات إن كان لابد من ذلك الأمر، والنظر في وجود تشريعات متخصصة فى شأن عمالة الأطفال الكترونيا ومحاذيرها وشروطها فصيانة الواقع ضرورة، وحماية المستقبل واجب وأطفال الإنسانية هم دوماً وأبدا بهجة اليوم، وأمل الواقع، وعزة المستقبل.