رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

مبادرات المتحدة

أتابع على مدار الساعة حملات التوعية التى تطلقها الشركة المتحدة، إن أول رسالة تعبر عنها هذه الحملات هو أن هدف الإعلام ليس هو الربح فقط، ولا يجب أن يكون الربح فقط، فالإعلام رسالة قبل أن يكون صناعة أو مهنة للعاملين فيه، وتزداد أهمية هذا المعنى فى مجتمع مثل مجتمعنا مر بأوقات صعبة وظروف عصيبة أدت لارتفاع نسبة الأمية فيه، إن الإعلام فى هذه الحالة يتحول إلى سلاح فعال لكسب المعركة ضد ثقافة التخلف وما ينتج عنها من عادات ضارة.

من أهم حملات التوعية التى تطلقها المتحدة على الشاشات حملة التوعية بأضرار المخدرات وهى عدو شرس للشباب وخطر داهم لا يقل عن خطر الإرهاب والفساد وإن لم يفقهما شراسة وخطورة على مستقبل مصر.. إنها أحد أضلاع المشكلة المصرية إن جاز لنا التعبير.. فهى من جهة وسيلة انتحار بطىء نسبيًا نفقد من خلالها حياة عدد كبير من شبابنا وفتياتنا ولعل المفارقة المؤلمة أنهم عادة ما يكونون من الأذكياء والباحثين عن حياة غير تقليدية ومن ذوى الطاقات العالية الذين لا ترضيهم الحياة التقليدية بما يتخيلون أنه رتابة وتقليدية فيها.. والذين يبقون من شبابنا على قيد الحياة يتحولون إلى جثث متحركة لا طاقة فيها ولا عزم على العمل وغالبًا ما يلجأون للجريمة والعنف للحصول على النقود اللازمة للمخدرات.. وهى بكل أنواعها سبب أساسى فى عدم العمل وعدم الدقة وعدم الإتقان واضطراب العلاقات الاجتماعية والأسرية حتى الوصول لدرجة الفشل الكامل.. من كل هذا تأتى أهمية حملة توعية الشركة المتحدة ذات المستوى الفنى المتميز والجذاب.. لأنها تعبر عن وعى بأن إصلاح الإنسان والمجتمع هو الأساس اللازم لإصلاح الاقتصاد وللتقدم الحضارى بشكل عام، فالفرد هو الوحدة الأولى فى المجتمع وبدونه لا تحقيق لأى نهضة أو تقدم.

فى نفس الإطار يمكن أن نفهم حملة «أخلاقنا الجميلة» التى تطلقها المتحدة لتذكيرنا بأهمية أن نعود لأنفسنا، فهى تذكرنا بمقاطع من الأفلام القديمة كان التأكيد فيها على ثوابت الأخلاق أمرًا عاديًا جدًا، وكان المصريون شعبًا ذا خلق، وكان الخروج على الأخلاق محل إدانة من الجميع.. لكن هذا تغير للأسف، وأصبح البعض ينظر للأخلاق على أنها «موضة» قديمة.. وانعكس هذا على أمور كثيرة كلها ذات علاقة بالتقدم.. فالغش فى التعامل وعدم الدقة فى المواعيد وتجاوز القواعد بين الأفراد وعدم الأمانة كلها لا تقود للتقدم الاقتصادى.. والأمم التى تشتهر بالبراعة فى التجارة هى التى يلتزم أفرادها بالتعهدات دون عقود موثقة ويوفون الأمانات حتى لو لم يكن عليها دليل موثق ويلتزمون بمواعيد التعاملات دون إجبار وهذه كلها من قواعد الأخلاق التى لا تقتصر على الشكليات أو آداب السلوك فقط ولكنها تمتد لجوهر العلاقات بين الأفراد فى المجتمع كله والتزامها بغطاء أخلاقى يميز الإنسان عن الحيوان حيث تغطى الأخلاق كل ما لا يغطيه القانون المكتوب والرسمى وإن كانا يتقاطعان مع بعضهما بطبيعة الحال.. وعلى جانب آخر فإن الالتزام بالأخلاق يضمن تراجع ظواهر سلبية مثل التحرش بالمرأة والتنمر على الضعفاء والمختلفين وهذه كلها أمور من صميم منظومة حقوق الإنسان التى يقاس تقدم المجتمعات بالتزامها بها. 

والمعنى أن أمة بلا أخلاق هى أمة بلا فرص حقيقية للتقدم.. أو كما قال الشاعر.. إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

ومن هنا تأتى أهمية حملة المتحدة لنشر الأخلاق والتوعية بها وكأنها تريد من مصر أن تعود لنفسها وأن تنزع عن وجهها التشوهات التى ألحقها بها الآخرون خلال العقود الأخيرة.

يضاف إلى هذا الجهد الفيلم التسجيلى الجميل الذى أنتجته الشركة وعُرض فى المؤتمر الاقتصادى الأخير والذى تضمن توعية بالقضايا الاقتصادية من خلال حوار يدور بين أسرة مصرية كبيرها أستاذ اقتصاد لعب دوره الفنان أحمد فؤاد سليم.. فالاقتصاد كان دائمًا علمًا صعبًا.. وطالما تلاعب البعض بالأرقام واستخدمها سياسيًا لتضليل الناس وإشعارهم أنهم يستحقون حياة أفضل من مواطنى سويسرا وألمانيا دون مقارنة حجم الناتج القومى هنا وهناك وعدد ساعات عمل مواطنى كل دولة ونسبة المتعلمين فى كل دولة ومسئوليات المواطنين فى كل دولة.. إلخ. 

إننى أتمنى أن تمتد حملة توعية الشركة المتحدة لكل المجالات فنرى أفلامًا قصيرة تشرح جوهر التدين والفارق بين التدين الشكلى والتدين الحقيقى وكيف يضرنا الفهم الخاطئ للدين..أتمنى أن أرى أفلامًا تشرح كيف أن الرأى الدينى الخاطئ فى قضايا مثل زيادة السكان والسياحة وعمل المرأة قد أضرنا على المستوى الاقتصادى وأفقدنا فرصًا أكيدة للتقدم منذ السبعينيات وحتى الآن.. أتمنى أيضًا أن أرى مادة للتوعية حول ضرورة استثمار الوقت وقدسية العمل وثقافة الإتقان والتخطيط للحياة وإتقان المهارات الفردية كحلول يستطيع كل شخص إذا أتقنها أن يتجاوز واقعه الصعب ويطور من أدواته ويكتسب سلاحًا فى سوق عالمى بات لا يرحم ولا يسمح بالكسل أو التهاون أو تعليق الفشل على شماعة الظروف والآخرين.. أتمنى أن أرى حملات للتوعية حول أهمية القراءة وأهمية اقتناء الكتب وارتياد المكتبات والمتاحف لأن أمة لا تقرأ هى أمة بلا مستقبل، لأن الثقافة هى أسلوب حياة وسلاح فى يد من يتزود بها لا محط سخرية ولا فشل، كما أراد لنا المتطرفون والجهلاء وأعداء الحياة أن نقتنع منذ عقود وحتى الآن. كل التحية لحملات التوعية لأننى أعرف أن وراءها حرصًا على خير هذا البلد وإيمانًا بأن شعبه يستحق ما هو أفضل وإيمانًا بأن الإعلام له معنى أسمى من حسابات الربح والخسارة.. فتحية لكل من فكر وقرر ونفذ ووصل الليل بالنهار من أجل خير هذا البلد.