رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

«صفر مشاكل».. كيف انتصرت مصر فى «معركة الدبلوماسية»؟

جريدة الدستور

٨ سنوات من الإنجازات عاشتها الدبلوماسية المصرية منذ ٢٠١٤، وحققت خلالها نجاحات قوية على صعيد العلاقات الدولية والإقليمية، جعلت دول العالم أجمع تسعى إلى تقوية العلاقات مع القاهرة، بل والاستفادة من خبراتها فى العديد من المجالات.

وتعمل الدبلوماسية المصرية بمبدأ «طحين بلا ضجيج»، مع التركيز على الجهود والخطوات التى تتخذها الدولة لتحقيق حماية أمن البلاد، وتعزيز الاقتصاد الوطنى، وجعل التنمية المستدامة أمرًا واقعيًا، دون السماح لأحد بالمساس بالاستقرار الذى تنشده.

وشهدت الأيام القليلة الماضية تحولًا واضحًا فى العديد من المواقف الإقليمية والدولية تجاه مصر، ترصدها «الدستور» فى السطور التالية، وذلك بفضل الطرق الدبلوماسية التى تتبعها القاهرة، والحفاظ على حقوقها ومصالحها بـ«أيادٍ نظيفة»، دون تشجيع للطرق الملتوية، أو تأجيج العداءات، بل والعمل على مد الاستقرار والتنمية إلى الدول الشقيقة والمجاورة.

قطر:عودة الثقة ومرحلة جديدة من التعاون لتحقيق مصالح الطرفين

ظلت العلاقات بين مصر وقطر متوترة على مدار نحو ٧ سنوات، وصلت إلى حد تجميد العلاقات بينهما فى إطار مقاطعة «الرباعى العربى»، فى يونيو ٢٠١٧.

وعملت القاهرة عبر قنواتها الدبلوماسية على مساندة الموقف العربى، من خلال رفض السلوك القطرى المتدخل فى شئون الدول، ومع ذلك، لم تسعَ بأى شكل إلى معاملة الدوحة بالمثل أو التدخل فى شئونها، لكنها وضعت حدًا واضحًا قائمًا على أنها لن تسمح لأى جهة بالإضرار بالبلاد، والعمل على حفظ الأمن والتنمية، بالتوازى مع إيمانها الراسخ بأن احترام سيادة الدول أمر واجب النفاذ دون مناقشة أو تفاوض، وأن السلمية أمر يحقق مكتسبات أكثر أهمية من العداء المطلق.

واعتمدت السياسة الخارجية لمصر تجاه قطر، منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى رئاسة البلاد، على حماية استراتيجية الأمن القومى المصرى والعربى، وكانت أى قرارات يتم اتخاذها تنطلق من مبدأ حماية أمن مصر والمنطقة العربية من أى سياسات أو أعمال عدائية، ثم جرى توقيع «اتفاق العلا» بالمملكة العربية السعودية، فى يناير ٢٠٢١.

ومنذ ذلك التاريخ، اتخذت قطر عدة خطوات لتقريب العلاقات مع مصر، خاصةً أن الأخيرة تمثل حجر الزاوية الأساسى فى المنطقة بالنسبة للمجتمعين الإقليمى والدولى، بالإضافة إلى أن القاهرة أصبحت تمتلك مشاريع كبرى ورائدة فى منطقة الشرق الأوسط، ويمكن تحقيق استثمارات هائلة من خلالها تعود بالنفع على الجانبين.

وقدمت الدوحة عدة ضمانات لبناء الثقة مع القاهرة، وإطلاق مرحلة جديدة من التعاون من أجل تحقيق مصالح الطرفين دون عداء، بل ووجهت قنواتها، مثل «الجزيرة»، إلى منع التغطيات السلبية للشئون المصرية، وعملت على خروج العديد من عناصر وقيادات جماعة «الإخوان» الإرهابية من أراضيها.

وتشهد الفترة الحالية تطورات كبيرة فى التعاون بين القاهرة والدوحة، تعكس التغيير فى سياسة الأخيرة، وإدراكها أن هناك مخاطر تحيط بالمنطقة العربية، ومن ثم هناك أهمية للعودة إلى العلاقات مع الدول فى المنطقة، حتى فى ظل وجود خلافات سياسية ودبلوماسية حول بعض القضايا الإقليمية والدولية. 

وفى ذلك السياق، أجرى أمير قطر، تميم بن حمد، زيارة إلى مصر خلال أغسطس الماضى، التقى خلالها الرئيس عبدالفتاح السيسى، وتحدثا عن دفع العلاقات بين القاهرة والدوحة، وكذلك وجهت قطر الدعوة إلى الرئيس السيسى لحضور حفل افتتاح كأس العالم فى الدوحة، الذى انطلق أمس الأول الأحد.

تركيا:تطور إيجابى بعد وضع الخطوط الحمراء للأمن الإقليمى

انتهجت تركيا نهجًا عدائيًا صريحًا ضد مصر منذ ٢٠١٣.. بينما ركزت مصر على وضع خطوط حمراء لحماية أمنها القومى لا يمكن تعديها، دون التطرق إلى التدخل فى الشئون التركية، فى ظل اتباع مصر دبلوماسية «الأيادى النظيفة».

كذلك، عملت مصر على تحقيق مكتسباتها الاقتصادية المشروعة من التنقيب عن الغاز فى منطقة «المتوسط»، وأقامت ترسيمًا للحدود البحرية ووقعت اتفاقيات كبرى مع كل من قبرص واليونان، للحفاظ على مصالحها الاقتصادية، وتحقيق الحماية للأمن المصرى الاقتصادى والدبلوماسى.

من هنا، بدأت الدولة التركية فى «تليين» خطابها تجاه الدولة المصرية، وبدأت الحديث، على المستوى الوزارى، بأنها ليس لديها أى مشكلات تجاه القاهرة، وأنها تسعى لتحسين العلاقات معها، وفتح فصل جديد من العلاقات، بل بعثت رسائل لطلب عقد لقاءات بين وفود من البلدين، لرغبتها فى تسريع تلك الخطوات.

بعدها، احتاجت تركيا إلى رفع مستوى ذلك الخطاب، ليتحدث الرئيس التركى نفسه رجب طيب أردوغان، بأنه يجب بدء حقبة جديدة للعلاقات مع مصر، وأنه ليست لديه مشكلة تجاه التصالح معها، وأن الشعب المصرى شعب شقيق.

وكثفت تركيا من خطواتها تجاه التقارب مع مصر، وأخرجت عددًا ليس قليلًا من قيادات «الإخوان» الإرهابية من أراضيها، بينما لاحقت البعض الآخر وحددت إقامتهم بتهمة الإضرار بأمن البلاد وارتكاب أعمال إرهابية، وسط أنباء بأنها تعمل على تسليم بعض المطلوبين منهم إلى السلطات المصرية.

ومنذ ٢٠٢١، شهدت العلاقات المصرية- التركية بعض التطورات الإيجابية، ففى بداية ذلك العام تحدثت أنقرة عن سعيها لتحسين العلاقات مع مصر، وفتح فصل جديد من العلاقات الثنائية، وخلال العام الجارى دعا «أردوغان» للهدف ذاته، مشددًا على أنه يعتبر الشعب المصرى «إخوة»، معربًا عن أمله فى بناء علاقات متينة على أعلى المستويات الدبلوماسية.

وفى ذلك الإطار، عقدت جولتان من المحادثات بين وفدى البلدين فى القاهرة وأنقرة، وناقشا مجموعة من القضايا، بما فى ذلك كيفية دفع العلاقات.

وعُقدت الجولة الأولى فى مايو ٢٠٢١، حين زار وفد تركى من كبار المسئولين مصر لإصلاح العلاقات المتوترة مع القاهرة، واستمرت تلك المشاورات لمدة يومين، وركزت على اتخاذ خطوات أولية من أجل تحسين العلاقات الثنائية، وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وأعقبها بيان مشترك بأن تلك المشاورات «استكشافية»، وتركز على الخطوات الضرورية التى قد تؤدى إلى تطبيع العلاقات بين البلدين، على الصعيدين الثنائى والإقليمى.

وفى أغسطس ٢٠٢١، دعت تركيا إلى جولة أخرى من المحادثات مع مصر، وطلبت إرسال وفد دبلوماسى إلى أنقرة لمواصلة مناقشة القضايا الثنائية والإقليمية، وهو ما حدث فى سبتمبر من العام ذاته، حين أجرى وفد برئاسة السفير حمدى سند لوزا، نائب وزير الخارجية، زيارة إلى أنقرة، وواصل الجانبان المشاورات حول كيفية تطبيع العلاقات، كما ناقشا قضايا ثنائية وموضوعات إقليمية أخرى.

وبعد تلك المحادثات، أظهرت تركيا مزيدًا من الرغبة فى تحسين العلاقات، واتخذت خطوات ملموسة لإعادة بناء الثقة المتبادلة، وأعلنت قنوات الجماعة الإرهابية عن إغلاق مكاتبها فى إسطنبول، بالإضافة إلى مغادرة كوادرها تركيا.

وتعد أحدث الخطوات، اللقاء السريع الذى جرى بين الرئيس السيسى ونظيره التركى، على هامش حفل افتتاح كأس العالم فى قطر، أمس الأول الأحد، وشهد مصافحة «أردوغان» الرئيس السيسى، وعقد قمة فى ذلك الإطار.

الاتحاد الإفريقى:توفير الدعم لدول القارة السمراء بعد «التجميد»

توترت العلاقات بين مصر والاتحاد الإفريقى بشكل غير مسبوق، خلال عام ٢٠١٣، إذ أعلن الاتحاد عن تجميد العضوية المصرية فى يونيو من ذلك العام، وذلك بسبب رؤية غير واضحة للأوضاع فى مصر.

وبذلت مصر جهودًا دبلوماسية مكثفة لتوضيح الصورة الحقيقية، وهى أن الدولة تحافظ على استقرارها وتمنع الانهيار، وبعد عام واحد عادت مصر إلى مكانها الطبيعى داخل الاتحاد.

وأعلن الاتحاد الإفريقى- فى ذلك الوقت- عن أن مندوبى الدول الـ١٥ الأعضاء فى مجلس السلم والأمن للقارة الإفريقية قرروا عودة العضوية المصرية، ليعلق السفير المصرى لدى إثيوبيا والاتحاد الإفريقى حينها، محمد إدريس، قائلًا: «كانت هناك جهود دبلوماسية مكثفة تكللت بالنجاح، وآلت الأمور إلى نصابها الصحيح، وعادت مصر إلى حيث يجب أن تكون، فى قلب إفريقيا، وعادت إفريقيا إلى مصر».

ومنذ ذلك الوقت، حدث تطور ضخم فى العلاقات المصرية الإفريقية، إذ عقدت تعاونات تنموية كبيرة مع العديد من دول القارة، وكانت مصر سندًا لتلك الدول فى الأزمات، سواء الغذائية، أو فى ظل جائحة كورونا، إذ أرسلت الشحنات الطبية والدوائية إلى الدول التى فى حاجة إليها.

وفى عام ٢٠١٩، ترأست مصر مجلس السلم والأمن الإفريقى، إذ تسلم رئاسته الرئيس السيسى، وركزت مصر حينها على ملف الأمن وحفظ السلام فى القارة.

وعملت مصر على تلبية تطلعات شعوب القارة فى الاستقرار والازدهار وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما استطاعت تنفيذه، إذ أشادت الدول الأعضاء بتأكيد مصر على مبادئ وأهداف الاتحاد.

وكذلك، تولت مصر رئاسة مجلس السلم والأمن الإفريقى التابع للاتحاد الإفريقى والمسئول عن تنفيذ قرارات الاتحاد، خلال شهر نوفمبر العام الماضى، واستمرت رئاستها لمدة شهر.

فى ذلك السياق، قال السفير محمد جاد، سفير مصر لدى إثيوبيا، مندوبها لدى الاتحاد الإفريقى، إن القاهرة استطاعت خلال رئاستها مجلس السلم والأمن، تسليط الضوء على عدد من القضايا التى تمثل أولوية متقدمة على الساحة الإفريقية، وتعطى دفعة نحو تعزيز دور مصر فى مجال العمل الإفريقى المشترك، خاصة أنها تتعلق بأولويات قصوى للدول الإفريقية، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب وتفكيك الخطاب والأيديولوجيات المتطرفة وتجفيف منابع تمويل الإرهاب فى إفريقيا، وبناء السلام وإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات، باعتباره الموضوع الأهم المتعلق بهيكل السلم والأمن الإفريقى.

وتابع «جاد»- فى حوار سابق مع «الدستور»: «ركزنا على موضوعات التغير المناخى وعلاقته بالجهود القارية الرامية لتحقيق الأمن والاستقرار، ومثلت الرئاسة المصرية للمجلس فرصة لتناول موضوعات تمس بشكل مباشر الأمن القومى المصرى، ومنها عقد جلسة حول التطورات فى السودان ناقشت مستقبل المرحلة الانتقالية فى السودان، وأعرب خلالها المجلس عن تضامنه مع السودان الشقيق بمبادرة مصرية».

أمريكا والغرب:تقارب مع القاهرة بعد تصحيح المفاهيم المغلوطة حول ملف حقوق الإنسان

حافظ الغرب، خاصة الدول الأوروبية والولايات المتحدة، منذ عام ٢٠١٤ على علاقات باردة، تميل إلى الانتقاد والتربص، مع مصر، وحاول توظيف قضايا مثل عدم الاستقرار والإرهاب وحقوق الإنسان، فى مهاجمة القاهرة، كمحاولة لفرض القرارات عليها، بينما حافظت مصر على استقلال قرارها عبر القنوات الدولية والدبلوماسية، دون الالتفات إلى محاولات الضغط من جانبه.

وسعى عدد من الدول الأوروبية، وواشنطن، إلى الحديث بشكل مغلوط حول عدد من القضايا داخل مصر، فى المقابل، حافظت القاهرة على صد محاولات التدخل فى شئونها، مع العمل على إيضاح الحقائق لتصحيح المفاهيم المغلوطة، خاصة فى قضايا مثل مكافحة الإرهاب، واهتمام البلاد بحقوق الإنسان، وهو ما عملت عليه القنوات الدبلوماسية بما يتناسب مع حفظ أمن البلاد وتحقيق مصالحها.

وبعد مرور نحو ستة أعوام، بدأت تلك الدول فى التخلى عن نهجها تدريجيًا لما اكتشفته من جدية ومواقف صائبة فى القرار المصرى، بل إن هناك دولًا أعلنت عن أن مصر قطعت شوطًا طويلًا فى التطوير وتقوية الاقتصاد، بالتزامن مع قضائها على الإرهاب، وإطلاق الاستراتيجية الشاملة لحقوق الإنسان، علاوة على إطلاق الحوار الوطنى.

وبعدها، عملت الدول الأوروبية على تقوية العلاقات مع مصر، والاستفادة من خبراتها، سواء فى مجالات الطاقة أو مكافحة الإرهاب، وتم توقيع عدد من الاتفاقيات الضخمة والشراكات مع مفوضية الاتحاد الأوروبى ذاتها، من أجل تحقيق تعاون ثنائى تنتظر أوروبا ثماره، إذ تقوم العلاقات على مبدأ الاستفادة المتبادلة والشراكة الاستراتيجية، وليست علاقة مانح بمتلقٍ مثلما كان فى السابق.

وفيما يخص الولايات المتحدة، يظهر جليًا أن العلاقات بين القاهرة وواشنطن اتخذت منحى أكثر شمولًا فى الآونة الأخيرة، وأدرك كل جانب أن الآخر يعمل على تحقيق مصالحه دون محاولات التدخل فى شئون الجانب الآخر.

وأكدت مشاركة الرئيس الأمريكى جو بايدن الأخيرة، فى مؤتمر المناخ بشرم الشيخ، على التطور الذى يحدث فى العلاقات مع القاهرة، إذ رافقه وفد على أعلى مستوى دبلوماسى، كما سبقه وفد ضخم برئاسة نانسى بيلوسى، رئيسة مجلس النواب الأمريكى، وعقدوا مباحثات رفيعة المستوى مع الرئيس السيسى، وفى أعقابها أعربوا عن أملهم فى المزيد من تقوية العلاقات مع مصر، وحرص «بايدن» على إبداء رغبته فى الاستماع إلى الرئيس المصرى لوقت أطول.