رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

العلاقة بين الرجل والمرأة

هناك فرق بين أن يقدم لنا الإعلام برامج اجتماعية هادفة ترفع درجة الوعى فى المجتمع، حول العلاقة المثلى بين المرأة والرجل، أو يقدم ثقافة ترتقى بفكر الرجل والمرأة فى تعاملاتهما اليومية، أو يقدم نماذج ناجحة من الأزواج الذين استطاعوا أن يكونوا صورة للزواج الناجح والسعيد- وبين برامج هزلية تستهدف لفت النظر بنوعية مذيعات لديهن سطحية فى الفكر، ورغبة فى إهانة المرأة وتحقير شأنها، من أجل نفاق وتملق الرجل، فضلًا عن تقديم كلام هزلى يعيد تقديم شخصية «سى السيد» إلى الأذهان التى قدمها أستاذنا العظيم، وأديبنا القامة الكبيرة نجيب محفوظ الذى نعتز به، وأعتز بأننى عرفته شخصيًا، هو وزوجته الجليلة، فقد قدم لنا فى ثلاثيته الشهيرة صورة من المجتمع المصرى، إبان ثورة ١٩١٩ التى قدمتها السينما المصرية فى أفلام خالدة، لا تزال فى ذاكرتنا.

ففى الجزء الأول من الثلاثية فى فيلم «بين القصرين» الذى عرض فى السينما سنة ١٩٦٤، وأخرجه المخرج الراحل حسن الإمام، نرى صورة العائلة المصرية أمامنا، ومسارات حياتها قبيل اندلاع ثورة ١٩١٩، إذ نرى «سى السيد»، الزوج الديكتاتور، المتعجرف، والصارم، والمتعالى، والآمر الناهى لزوجته وأبنائه فى البيت الذى جسد شخصيته ببراعة الفنان الراحل الكبير يحيى شاهين.

بينما هو شخصية مختلفة تمامًا خارج البيت، فهو يهوى اللهو والانحلال وقضاء أوقات ممتعة بلا حدود، كما نرى «الست أمينة» الخانعة الخائفة المطيعة للزوج طاعة عمياء التى ليست لها أى حقوق أو كرامة فى بيتها، والتى يأمرها الزوج فتطيع قائلة فى كل أوامر زوجها: «حاضر يا سى السيد»، وجسدتها ببراعة الفنانة الكبيرة الراحلة آمال زايد، كما رأينا البنات يقفن وراء الأب والأشقاء الذكور، حتى ينتهوا من طعامهم، ثم يجلسن لتناول الطعام بعد انتهائهم منه، هذه الصورة التى مضى عليها قرن من الزمان تريد أن تعيدها مذيعة ناشئة تقدم نصائح هى أشبه بالكوميديا السخيفة، لأنها لا تضحك، وإنما تجعل المشاهدة لها أشبه بالفرجة على لقطة هزلية.

فهى تطالب السيدة بألا تحدث الزوج بمطلب لها، مثل مراعاة السجادة التى نظفتها، لأنه هو الذى اشترى السجادة بأمواله، وأنا لم أشاهد البرنامج، لكننى رأيت مقاطع فقط، وضعها بعض السيدات على مواقع التواصل الاجتماعى بصورة المذيعة، وبعضًا من كلامها على مواقع التواصل الاجتماعى، فوجدت كلامًا هزليًا مسطحًا، يستهدف إلغاء كرامة وعقل المرأة، وتدمير كيان الزوجة، كما تقدم المذيعة نصائح مستمدة من عصر «سى السيد»، ومن سياق التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعى وجدت هجومًا من السيدات عليها، وهو هجوم منطقى ومفهوم، أما ما لا يصح من وجهة نظرى أن يكون موجودًا فهو استخدام الإعلام للفت النظر إلى المذيعة بكلام سطحى، فيه من التسطيح والتفاهة ما يجعل المشاهد العاقل يقلب المحطة.

وأعتقد أن هذا البرنامج هو أقرب إلى نكتة سخيفة منه كبرنامج اجتماعى، وربما تم تقديم هذا النموذج للرد على برنامج آخر تقدمه مذيعة أخرى صاعدة تهاجم فيه الرجال بصفة مستمرة، وكأنها تعانى مشكلة شخصية حدثت لها، وهذه النوعية من البرامج السطحية، فى تقديرى، لا تقدم ثقافة مفيدة أو متعة ذهنية، أو حتى وقتًا لطيفًا يسعد به المشاهد، وإننى أتساءل: إلى أين يذهب إعلامنا؟ وما الهدف من تقديم مثل هذه النوعية من البرامج التى تتراشق فيما بينها بالألفاظ، وكأنها تتنافس فيما بينها على التفاهة وتسطيح الأفكار.

ويبدو أن هناك رغبة لدى أصحاب هذه البرامج فى لفت الأنظار، ولكنها أحدثت العكس، حيث ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعى موجة من الرفض والاستهجان لكلا الاتجاهين، الاتجاه المنافق للرجل واستجداء خدمته ورضاه، واتجاه معاكس مُعادٍ للرجل، يحرض على الهجوم عليه وافتعال المعارك معه، وكلا الأمرين فى نظرى مرفوض وغير مقبول، إلا إذا كانت إدارة القناة ستكتب برنامجًا كوميديًا على التترات لكل منهما.

كان فى ظنى، ومن الطبيعى، أن يكون لدى شباب المذيعات والمعدات للبرامج فى القنوات الخاصة أفكار مبتكرة تطور من الفكر السائد، وتقدم محتوى ثقافيًا متطورًا ومبتكرًا وراقيًا ومفيدًا، إلا أنه للأسف ثبت أن كثيرات من المذيعات الجدد فى حاجة إلى دورات لتثقيفهن، وورش لملء فراغ عقولهن، وتدريبهن على احترام عقلية المشاهد، بتقديم برامج ناجحة وممتعة، تضيف إلى وعى المشاهد وثقافته، وتجعله أكثر وعيًا بمسئوليته عن أفعاله وأفكاره وسلوكياته، وضرورة الارتقاء بها، سواء أكان رجلًا أو امرأة، وهناك برامج قديمة قدمت لإعلاميات قديرات، يمكن أن تكون نموذجًا يحتذى به للمذيعات الجدد، مع تطوير محتواها ليناسب الوقت الحالى والتطور التكنولوجى والفنى فى البرامج الحديثة.

وفى تقديرى فإن هناك مفاهيم حديثة، لكنها متوازنة، يمكن أن تؤسس لعلاقة سوية وناجحة بين الرجل والمرأة، فالرجولة فى نظرى تكمن فى احترام الرجل للمرأة، وصون كرامتها، وحماية حقوقها، وحسن معاملتها، وإسعادها ودعمها ومساعدتها فى أعبائها المنزلية العديدة، ومن ناحية أخرى، فإننى أرى أن الأنوثة تكمن فى احترام الذات، والرقى فى السلوكيات، واحترام الزوج، وحسن رعايته ودعمه فى عمله، وفى مسيرة الحياة اليومية، وفى العمل وفقًا للكفاءة ولميول المرأة ولتحقيق ذاتها.

وأيضًا للمشاركة فى الأعباء المنزلية، والمساهمة فى المعيشة مع غلاء الأسعار ومصاريف التعليم الباهظة للأبناء، وأن يدرك كل منهما أن كليهما شريك فى تربية الأبناء، وفى تسيير دفة الحياة بنجاح، وأن الزواج قبل كل شىء هو مودة ورحمة بين الزوج والزوجة، وأن الزواج ليس معركة مستمرة، يتنافس فيها اثنان على من المنتصر ومن الخاسر، وأن العلاقة بين الرجل والمرأة لا بد أن يشملها الاحترام، والإخلاص، والراحة النفسية، والتفهم، والتفاهم، والتعاون، والتقدير بينهما، وعطاء كل منهما للآخر.

أما تسطيح الأفكار، وتقديم البرامج التى تعتمد على تسطيح الفكر وإفساد العقول ونفاق الرجل على حساب القيم والاحترام للزوجة، فهما أمران غير مقبولين، وغير لائقين، فى بلد يسعى للتقدم والتنمية والإنتاج، بلد له الريادة فى الإعلام والفنون والعلوم والثقافة، والسبق فى كل شىء قبل أى دولة أخرى.