رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

تنويعات متفلسفة مع بدايات الخريف

1. حضور المآتم والأفراح 
لا أحضر الأفراح والمآتم وسرادقات العزاء، لست أؤمن بالمشاعر الجماعية فى الفرح والحزن فهى أدق الخصوصيات، ولذلك لا بد أن تبقى فى حيز الخصوصية، ويا ريت لو بقيت سرية عندما أموت لا أريد عزاء، ليس فقط لأننى لا أؤمن بهذه الأشياء ولكننى متأكدة أن الذين سيحضرون عزائى من النساء والرجال، سوف يستمتعون بشرب القهوة وهم يتبادلون الحديث عن أسرهم وكيف سيقضون الأجازات القادمة فى المنتجعات والقرى السياحية، وعن أضمن البنوك لوضع مدخراتهم وأفضل المشروعات لاستثمار أموالهم، سوف يتبادلون أرقام الهواتف والعناوين ويشكرون الظروف التى جعلتهم يتعرفون على بعضهم البعض، أى موتى.
ليست القضية كما أعتقد أن نموت، ولكن أن نميت الأشياء بداخلنا ونحن على قيد الحياة، التنفس والحركة والأكل والشرب والتكاثر ليست معايير الحياة، إنها معايير تدل على أننا فقط نشغل حيزًا من الفراغ  ليس إلا وما أكثر الذين يشغلون حيزًا فى الفراغ وما أقل الذين يحيون.
وهذه أزمة العالم لنمت جميعًا ولكن نبقى على الأشياء بداخلنا

2. لا تصادقى ولا تصادق أحدًا يعكر مزاجك.. فالمزاج هو أثمن ما نكونه
الصداقة لمنْ يضئ نورًا بداخلنا، ولمنْ مدّ يده لنا ونحن فى الظلمة، ولمنْ جعلنا نكتشف كم نحن أقوياء، ولمنْ أسعده من القلب نجاحنا وتقدمنا، ولمنْ يروق بالنا بكلامه الحكيم.
ولمنْ نشرب معه القهوة فيصفو مزاجنا بسبب صحبته لا بسبب البن المحوج، لا تدعى ولا تدع أحدًا يعكر مزاجك الرائق الصافى، فهو أثمن ما نكون وما نملك ابتعدى وابتعد عن ثعابين السامة المتخذة أشكال البشر ولا تأمنى ولا تأمن الذئاب المتخفية فى ملامح الحملان الوديعة.
3. الاستعجال وريث الرأسمالية
الاستعجال صفة إيجابية للماكينات والآلات وصفة سلبية للبشر، الاستعجال وريث الرأسمالية المتنمرة، الناس كلها فى عجلة من أمرهم فى كل مكان نجدهم مستعجلين، يجرون، ويهرولون، يدفعون بعضهم البعض كأنه آخر يوم فى الحياة على كوكب الأرض، حتى القهوة يشربونها سريعة الذوبان وأقراص الدواء يريدونها سريعة المفعول والحب يريدونه سريع الإيقاع، يأكلون ويشربون بسرعة، والكلام بسرعة، والضحكات بسرعة وكسب الفلوس بسرعة، والزواج بسرعة، والخلفة بسرعة، وسواقة العربيات بسرعة، والغناء سريع والرقص سريع إنها لمتعة ما بعدها متعة، أن نفعل الأشياء بتمهل القفز إلى النتائج بسرعة، أخذ القرارات بسرعة، يعبرون الطريق بسرعة، سرعة.. سرعة.. سرعة.. هو فيه إيه؟
التأنى الآن أصبح عملة رديئة غير مستحبة منبوذة تلقى الاتهامات، يقولون إنه عصر السرعة، بضم السين، لكننى أقول أنه عصر السَرعة بفتح السين، والسرعة هى من نتائج الرأسمالية وتطوراتها المتوحشة، حيث السرعة فى دوران الماكينات والآلات هو معيار النجاح، وهو معيار إذا كان ايجابيًا فهو للماكينات والآلات وليس للبشر.
لكن النظام الرأسمالى المؤسس على سرعة حصد الأرباح، لا بد أن يضفى مبادئه على البشر، حتى يشعرون بالانسجام والتكيف مع أكثر الأنظمة استغلالية وتنمرًا وانحطاطًا وهو النظام الذى صدر للعالم أن "الوقت فلوس".
وهو أمر منحط آخر من عواقب الرأسمالية، السرعة من صفات الآلة وليس من صفات الإنسانة والإنسان، بالإضافة إلى أنها دائمًا تقود إلى الأخطاء والانفعالات الهوجاء وسوء الظن والشك، وحوادث الموت والإهمال، عندنا مثل يقول: "فى التأنى السلامة وفى العجلة الندامة" وهو صحيح تمامًا وهناك نكتة سمعتها زمان، أن رجلاً قال لسائق سيارته: "أنا مستعجل سوق ببطء".
وغنت شادية (8  فبراير 1934 - 28 نوفمبر 2017): "سوق على مهلك سوق مهلك سوق بكره الدنيا تروق"، تأليف جليل البندارى (ديسمبر 1916 - 29 نوفمبر 1968) وألحان منير مراد (13 يناير 1922 - 17 أكتوبر 1981).
والدنيا لن تروق أبدًا بالسرعة والعجلة والاستعجال، إنها أجمل المتع والحكمة أن نفعل الأشياء على مهل ببطء وروية وهدوء، ولا يجب أن ننسى أن أحلى الثمار هى التى تمنحها الأشجار التى تكبر ببطء.

4. القانون وطبيعة البشر 
لماذا تُشرع القوانين.. أليس هذا اعترافًا بفساد الطبيعة البشرية وخبث النوايا الإنسانية؟
لو كانت الطبيعة الإنسانية شريفة نزيهة أمينة صادقة واضحة، لا تلبس الأقنعة ولا تتحايل ولا تكذب ولا تراوغ، نقية النوايا، خيرة الأفعال، لما شُرع قانون واحد على الأرض، وبالتالى لما وجد المحامون والقضاء والمحاكم والشرطة والعقوبات.
كذلك القانون لا يحتاجه إلا الضعفاء والأقوياء لا يجرؤ أحد أصلاً على سلب حقوقهم، مثلًا المرأة القوية ليست محتاجة قانون عادل بينها وبين زوجها، هى التى تجبره بقوتها على العدالة وتهذب أخلاقه وإلا فهى تتركه، المرأة التى تتبهدل فى المحاكم سمحت لنفسها أصلًا أن تتبهدل فى البيت على يد مخلوق مثلها.
5. من أجمل مقولات الكاتب والمناضل الفلسطينى غسان كنفانى (9 أبريل 1936 - 8 يوليو 1972) (اغتيل من الموساد فى بيروت)
من مقولاته البديعة والتى لا تقل روعة عن كتاباته ومقالاته ومشواره النضالى، هذه المقولات التى تنم عن فلسفة عميقة وقدرة عالية على تحويل الفكرة الصعبة إلى كلمات بسيطة وساخرة:
- يسرقون خبزك ويعطونك كسرة منه ويطلبون منك أن تشكرهم يا لوقاحتهم.
- لا تتعلق بشخص لا يكتب لك.. لا يزاحم يومك.. لا يقرأ ما بك.. لا يحفظ أهم تواريخك.. ولا يملأ حياتك بالمفاجآت.
- الحب مهما بلغت درجة حرارته لا يستطيع أن يخبز رغيفًا واحدًا.
- وكنت أغسل كآبتى الكبيرة فى فنجان قهوتى الصغير.

5. نابليون بونابرت (15 أغسطس 1769 - 5 مايو 1821).. ورؤيته للموت 
له آراء أجدها حكيمة وواقعية ومتفلسفة ومنها أراء لا تعجبنى بطبيعة الحال، مثل مقولته: "إن النساء وسائل لإنتاج الأطفال". وأنا أتفهم هذا القول لأنه كان قائدًا عسكريًا محنكًا، حياته ومجده الحروب التى تحتاج إلى جنود متواجدون دائمًا وبالتالى كان يجب أن يحث النساء على الإنجاب والمزيد من الإنجاب لكى يوفرن الجنود والعساكر والموارد البشرية للحروب، لكننى بالطبع ضد الحروب وضد اعتبار النساء أدوات للإنجاب كوظيفة أساسية، ومع ذلك كان لنابليون بونابرت أو نابليون الأول مقولات عديدة أكثر حكمة أعجبت بها مثل:
-  السيف مطلوب ومحبوب وغالب أحيانًا لكن القلم مطلوب ومحبوب.
- جندى واحد جبان فى جيشى أكثر خطورة من عشرة جنود بواسل فى جيش العدو.
- يقاتل وينتصر الجنود والجنرالات تحصد الأوسمة.
- ألغيت كلمة المستحيل من قاموسى.. فهى فقط عند الأغبياء.
- الموت ليس شيئًا ولك أن تعيش مهزومًا ذليلاً فهذا هو الموت. 

7. من مقولات الكاتب البرتغالى خوسيه ساراماجو (16 نوفمبر 1922 - 18 يونيو 2010) أخدم نفسك بنفسك 
طول عمرى أستمتع ليس فقط بالوحدة والعزلة ولكن أيضًا بخدمة نفسى، وأنا أخدم نفسى بنفسى أشعر براحة كبيرة وقوة تأتينى وتصالح نفسى تختفى متاعبى وتصغر همومى، وأحس أننى أستطيع أن أواجه العالم كله، إن خدم البيوت لا يأخذون فقط فلوسنا ولكن صحتنا الجسدية والنفسية.
هذا بالإضافة أى أن خدمتهم تحتاج دائمًا إلى اشراف وتعليم ومراقبة حتى تصبح الخدمة التى ترضينا وتسعدنا، وهنا أتذكر واستحضر مقولة الكاتب البرتغالى خوسيه ساراماجو الذى قال: "إذا كنت تريد خدمة ممتازة فاخدم نفسك".
أن يخدم الإنسان نفسه رجلًا وامرأة، أمر كله فوائد ومنفعة ومهارة وصحة، هى حقًا الكنز الذى لا يفنى إذا حافظنا عليه، وأدركنا أنه فى كثير من الأحيان البديل الفعال لمرض الأرق، وبعض أنواع الاكتئاب وأعراض الشيخوخة المبكرة واليأس المبكر ونقص المناعة الجسدية والمعنوية.

8. حب الامتلاك يستعبدنا ويفسد انسانيتنا
كلما ازداد ما نملكه من أشياء كلما ازدادت عبوديتنا له، كل شئ إضافى نملكه هو نقص فى حريتنا وبالتالى سعادتنا وراحتنا النفسية وعدم قلقنا وعدم خوفنا، طبعًا قمة هذه الآلية هى فلسفة التأسيس للنظام الرأسمالى، يغذى بالضرورة حب الامتلاك للأشياء وللبشر وللموارد والمزيد منه دائمًا.
نجد امرأة أو رجلًا عنده بيت بسيط لكنه مريح ونظيف، لكنه يريد أكثر من بيت وفى أكثر من مدينة وفى أكثر من بلد، ونجد دولاب النساء والرجال ممتلئ بالأثواب والأحذية والجواهر من كل شكل ولون وماركة، والتلاجات فى المطابخ فيها كل أنواع البقالة والنوع الواحد فيه عشرات الأنواع ونحد كل أنواع اللحوم والطيور والأسماك والمشروبات بجميع أنواعها.
طبعًا هذا للميسورين ماديًا والذين يجدون متعتهم فى المزيد من الامتلاك وينسون وهذا طبيعى أن هناك فى العالم 830 مليون تحت خط الفقر ويعيشون حرفيًا حالة المجاعة نساء وأطفالًا ورجالًا ومن جميع الأعمار.
الحرية هى قدرتنا على الحياة بأقل القليل وتقليل احتياجاتنا إلى الضرورة، لم تكن الحرية أبدًا كثرة الامتلاك والاستهلاك والتطلع إلى المزيد، الذى يدمر انسانيتنا ويفقدنا الحرية فى جوهرها.

من بستان قصائدى 
إنسانة أنا
سلمت أغلى ما أملك
للسكون والهدوء
إلى رائحة البحر والقهوة والشِعر
طلبت حق اللجوء
لا يأتيينى سن اليأس
منتصف وآخر العمر
أصدقائى الأوفياء هم
معطف أمى.. حكمة الألم 
وصمت البكاء
إنسانة أنا 
فى بساطة الماء 
وفى تعقيد الظمأ  
أعيد هفواتى 
أكرر حماقاتى 
ولا أتعلم من الخطأ 
يطربنى صوتى حينما يغنى
يشجينى الرقص تحت المطر 
أكره بيت الزوجية 
لا أحب الأطفال 
والاستسلام للقدر
تنفرنى الجواهر
لم ألبس يومًا 
خاتما من الذهب 
أو عقدًا من الماس 
يصيبنى الجنون 
أو امتلكت الأشياء
أو كدست الأموال 
وأصبحت واحدة من الأثرياء  
محال أن يعولنى رجل
كافرة بعقيدة الطاعة والولاء