رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

«البومة العمياء» رثاء الكاتب لنفسه

يبدأ الكاتب الإيرانى: صادق هدايت «١٩٠٣-١٩٥١» روايته الوحيدة «البومة العمياء» بقوله: 

«فى الحياة جراحٌ كالجذام... تأكلُ الروح ببطء... وتبريها فى انزواء، هذه الآلام لا يمكن إظهارها لإنسان، إذ إن البشر عمومًا ألفوا اعتبار هذه الآلام التى لا تصدق نوعًا من الاتفاقات والأحداث النادرة العجيبة، ولو أن إنسانًا تحدث بها أو كتب عنها، فإن الناس يحاولون تلقيها ببسمة شائكة ساخرة تماشيًا مع العقائد الجارية ومعتقداتهم الشخصية». 

وليست مشكلة بطل الرواية الوحيدة انعزاله عن العالم الخارجى فقط، لكن مشكلته الأعمق هى عدم التوافق الداخلى وانفصامه عن نفسه، «لم يكن هناك توافق بين جسمى وقلبى، وليس هذا فحسب، بل بين روحى وقلبى، كنت أجتاز دائمًا نوعًا من الفصام والتحلل الغريب، وأحيانًا كنت أفكر فى أشياء لا أستطيع أنا نفسى أن أصدقها، أحيانًا يتولد فى نفسى حسٌ بالشفقة، فى حين أن عقلى يلقى باللوم علىّ، وكثيرًا ما كنت أتحدث إلى شخص، أو أقوم بعمل ما، أو أدخل فى مناقشة حول موضوعات مختلفة، فى حين أن كل حواسى فى مكان آخر، وكنت من أعماق قلبى ألوم نفسى- كنتُ كتلةً من الانفصام والتحلل وكأننى كنت وسأكون دائمًا... مزيجًا عجيبًا لا تناسب فيه». 

لا يجد بطل الرواية أى نوع من التوافق مع الحياة «كنت أحسُّ أن هذهِ الدُنيا لم تك من أجلى، بل من أجل حفنة من الناس الذين لا حياء عندهم، صفيقى الوجوهِ الأدنياء المِلحاحين، المتحذلقين جياع العين والقلب، من أجل الأشخاص الذين خلقوا مناسبين للدُنيا يتسوَّلون من أقوياء الأرض ويتملَّقونهم مثل الكلب الجائع الذى كان يبصبص بذيله أمام دكان القصَّاب من أجل قطعة من اللثة. إن فكرة الحياة مرّة أخرى كانت تخيفنى وتصيبنى بالملل». 

وهو يرى الذين يعيشون فى الحياة ويتأقلمون مع معطياتها بأنهم «كلهم (أى الأوباش) كانوا عبارة عن فم معلق به بضعة من الأمعاء التى تنتهى بآلتهم التناسلية». 

تعكس رواية «البومة العمياء» روح وسيرة كاتبها صادق هدايت، فهو الأرستقراطى المثقف الذى يرفض الأوضاع الاجتماعية والسياسية فى بلاده، والذى تتجاوب شخصيته الحساسة المنطوية مع كتابات «كافكا، وإدجار ألن بو»، فتغرق فى سوداوية متشائمة، تجر على حياته مزيدًا من الشقاء، وإن كانت تنير الطريق للإنسانية كى تسبر أغوار النفس البشرية فى كل تجلياتها «أنا أكتب فقط من أجل ظلى الذى سقط على الحائط فى مواجهة المصباح، ينبغى أن أقدم نفسى إليه». 

الكاتب يريد لظله هو أن يتعرف على نفسه على نحو أفضل، وقد يكون هذا الظل وليس نفسه هو الوجود الحقيقى الذى يوليه اهتمامًا، «أنا أكتب فقط من أجل حاجتى إلى الكتابة التى صارت ضرورية لى، أنا محتاج، محتاج أكثر من ذى قبل أن أربط أفكارى بموجودى الخيالى، بظلى، هذا الظل المشئوم الذى ينحنى على الحائط أمام السراج ذى الفتيل، ويبدو أنه يقرأ بدقة كل ما أكتبه ويتجرعه، هذا الظل لا ريب يفهم أفضل منى».

ورغم أن بطل الرواية لا يملك شيئًا ماديًا أو معنويًا «لا مال عندى تستولى عليه السلطة ولا دين لدىّ ليأخذه الشيطان»، لكنه لا يكف عن طرح سؤال حول استغلال السلطات اسم الله «لم أكن أريد أن أعرف: هل الله موجود فى الحقيقة أم أنه فقط مظهر لأصحاب السلطة على الأرض جعلوه لتثبيت مقام الأُلوهية من ناحية واستغلال رعاياهم من ناحية أخرى؟».

وقد لا يكون مفاجئًا أن يكون الموت هو الشىء الوحيد الذى يؤمن به بطل «البومة العمياء». 

«كنت أحس أنه فى مواجهة الموت كم يكون الدين والإيمان والعقيدة أشياء طفولية وتافهة وتقريبًا نوعًا من العزاء للناس الأصحاء السعداء. وفى مواجهة حقيقة الموت المخيفة والحالات المذيبة للروح التى اجتزتها، صار كل ما لقنوه لى بالنسبة للثواب والعقاب والروح ويوم القيامة خداعًا لا طعم له، وأصبحت الأدعية التى لقنوها لى لا تجدى فتيلًا فى مواجهة الموت». 

هذا الارتباط بالموت يفسر إقدام «صادق هدايت» على محاولة الموت ثلاث عشرة محاولة، نجح فى آخرها فمات بشقته فى باريس مختنقًا بالغاز، بعد أن ترك للحياة الأدبية فى الفترة من ١٩٢٨-١٩٥١ أكثر من عشرين كتابًا، وقد تنوعت كتابات «صادق هدايت» بين القصص الطويلة والقصيرة، والمونولوج الغنائى الساخر والمسرحية، والكتابات النقدية والمقالة الأدبية، وتبقى رواية «البومة العمياء» هى درة إنتاجه الأدبى، فقد جعلته مؤسس الرواية الفارسية الحديثة. 

رواية «البومة العمياء» هو صرخة ألم، بالغة الأسى والشجن، من كاتب خاصم الحياة وصادق الموت «إنه الموت فقط الذى لا يكذب أبدًا، إن حضور الموت يحطم كل الأوهام، إننا جميعًا أطفال الموت، والموت هو خلاصنا من خداع الحياة، إنه الموت الذى يقف على حافة الحياة ينادينا ويومئ إلينا».