رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

يحيا محمد يحيى

منذ عام تقريبًا.. وفى عز صيف صعيدى حارق كنت هناك منتصف اليوم تقريبًا.. والشمس تكاد تحرق رءوسنا.. حاولت أن أغفو قليلًا.. لكنّ أصواتًا عالية تستنجد من أحد بيوت الجيران، الذى بدا بعيدًا فى البداية لم يسمح لى بذلك فقمت مذعورًا.. خرجت بجلبابى الصيفى ألهث متسائلًا: حصل إيه؟ فأخبرنى ابن أختى الصغير بأن الناس يجرون ناحية نجع الدير.. وأن حريقًا قد شب فى كرم نخيل.. أمسكت بهاتفى وسريعًا طلبت رئيس الوحدة المحلية لقريتى، الذى أخبرنى بأنه على علم بالحريق وأنهم أبلغوا المطافئ، وأن رجال الشرطة ورجال المحليات فى الطريق إلى هناك.

أسرعت أنا الآخر.. وأمامى شباب صغير ورجال عجائز يلهثون ناحية الدخان الذى علا فى سماء القرية حتى وصل إلينا.. خائفًا.. فانزعجنا خشية أن يكون مكروه قد أصاب أحدهم.

دقائق وكنا هناك.. المئات من الجيران.. هناك من يمسك بخرطوم مياه.. ومنهم من يدفع بجرادل صغيرة فى أيدى صبية غلبهم الحماس.. فيما البيت القديم المبنى بالطوب اللبن ينهار طوبة خلف طوبة.. وجدارًا خلف جدار.

حبس الأهالى النار فى محيط المنزل.. بأن قاموا بقطع النخل الكبير آخر الكرم من الناحيتين، لأن النار قد انتقلت فى الأعالى إلى قلب ذلك النخل القديم الذى يزيد عمره على المائة سنة، قلب النخل الملىء بالليف والكرنيف يحب النار، وصهد الصيف يزيدها اشتعالًا.

وصلت المطافئ ورجال الحماية المدنية.. وراحوا يحاصرون البيت بعد إخلاء ساكنيه، سيدة وحيدة وابنها فقط كانا هناك، كانت تخبز عيشًا صعيديًا فى فرن طين قديم يعرفه كل من عاش هناك، شرز صغير طار من وقيد الفرن إلى جذع نخلة. ومنها انطلق إلى باقى نخل الكرم.

ست ساعات والأهالى والمطافئ يقاومون.. يشرون عرقًا.. فيما طفل صغير يدور على بعضهم بأكواب المياه أو الشاى، وعلى لسان الجميع.. الحمد لله.. لم ينظر أحدهم إلى عائلة.. أو نوع.. أو ديانة.. الكل واحد.

لم يكن هذا الحادث.. هو أول ما شاهدت من قريتى.. حدث ذلك كثيرًا طيلة خمسين سنة عشتها ما بين القرية والمدينة.. لا فرق.. تعبث بنا الأيام.. والأحداث.. ونظن أحيانًا أننا تغيرنا.. وأن تلك الأخبار التى نطالعها فى قنوات معادية أو غير معادية هى نحن.. ثم يحدث ما يكشف عكس ذلك.. نعود إلى إنسانيتنا.. ونكتشف أننا فقط نسينا فى طريق ملاحقتنا لأكل العيش أو فى ظل صراعاتنا الصغيرة على المناصب أو جمع المال.. نكتشف أننا مصريون.. لا يستطيع أيًا من كان أن يطمس هويتنا أو يشوه ملامحنا الحقيقية.

تذكرت ذلك كله وأنا أتابع بحزن مثل كل المصريين حادث حريق كنيسة أبوسيفين بإمبابة.. أوجعتنا وأدمت قلوبنا جنازة الأطفال الصغار الذين حاصرتهم النيران.. ووسط كل ذلك الحزن الذى عشناه.. كان أن انتبه البعض إلى صورة الشاب محمد يحيى الذى كُسرت قدمه، وهو يقوم بدوره كجار للكنيسة.. مثل أى مصرى حقيقى.. بإنقاذ الأطفال المحاصرين.

استغربت أن يستغرب البعض من شجاعة محمد يحيى وشهامته.. استغربت أن تتناقل الصفحات صورته وحكايته.. حكاية رجل بسيط لم يفكر- لحظة أن قرر أن يصعد إلى الطابق المحترق- فى نفسه ومصيره وما قد يصيبه.

استغربت من الذين تصوروا أن الأمر نادر.. صحيح أن الرجل يستحق التحية.. والدعم والمحبة.. لكنه يستحق أكثر من ذلك أن تنبهنا إلى أننا لا نزال بخير.. أن لطم هؤلاء الموتورين على وجوههم السمجة.. أولئك الذين صدعونا إذا كنا نسلم على جارنا المسيحى أم لا.. نهنئه فى الأعياد أم لا؟.

ها هو شاب مصرى مسلم.. يقولها لكم فعلًا وعلى رءوس الأشهاد: لقد فشلت مثلما فشلت من قبل وستفشل دومًا كل تلك الخزعبلات.. كل تلك الأباطيل كل ما هو «بدعة» و«ضلالة» حاولت إخراجنا من بحر إنسانيتنا الواسع إلى ترعة جهنم الضيقة.. هذا البراح الذى خلقه مشهد واحد وسط الحريق.. والمؤكد أن هناك العشرات لم نعرف ماذا فعلوا ولا هم يريدون أن نعرف.. كان كفيلًا بأن يرد المتربصين إلى جحورهم.. عساهم يهتدون.

المصرى المتسامح بطبيعته.. الشهم بطبيعته.. ابن البلد بطبيعته.. موجود بيننا.. يعمل ليل نهار ليوفر لقمة وغموسًا لأولاده.. لكنه لا يغلق الباب فى وجه ضيف حتى وإن كان محتاجًا للرغيف.. ابن البلد الحقيقى غير مشغول بهؤلاء التافهين المارقين المتلونين.. هو يعيش حياته على بساطتها.. بفطرته التى خلقه الله عليها.

ما أجمل أهلنا فى إمبابة وبحرى والصعيد.. هؤلاء الحقيقيون الذين لا ينتمون للنماذج المشوهة فى دراما محمد رمضان وغيره.. وهذا لا يعنى أن هناك بعض هذه النماذج.. لكنها ليست الأصل.. ليست المجموع ولا الغالبية هؤلاء الذين نعرفهم ونحبهم ونحتاجهم.. هم من يسيرون ببلادنا إلى أجمل ما فيها.. سلامًا على أرواح الأبرياء التى رحلت إثر حادث بينما يكون الإهمال هو المجرم الحقيقى فيه.

وسلامًا على قدم وساق محمد يحيى التى أصيبت لترتقى بنا إلى إنسانيتنا التى نتمنى ألا تغيب حتى يأتى صدفة ما يُذكرنا بها.