رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

اللغة العربية بين الهوية والتعليم

نحن البشر الكائنات الوحيدة القادرة على أن تكون «ذاتًا» و«موضوعًا» فى الوقت نفسه، أن نكون فاعلين ومفعولين فى اللحظة ذاتها، ونحن نعى هذا بدرجات متفاوتة، ومن ثم لا يمكننا التغافل عن السياق الاجتماعى/ المادى الذى يعيشه الأطفال وطبيعته، بأى حال من الأحوال، ومن هنا، فإن أهمية هوية كل فرد منا مسألة واضحة، مثلما تبدو أهمية وجودنا بوصفنا منتجًا لهذه العلاقة المشحونة بالتوتر بين ما نرثه وما نكتسبه، وبالتالي، يمثل السياق الذى نعيش فيه عاملًا مهمًا فى بناء عملية التعلم، فالهوية الثقافية تلعب دورًا مؤثرًا فى بناء العلاقات، داخل هذه الممارسة «التعليمية/ التربوية» وتؤثر فيها، فما بين احترام ثقافة المتعلم وسياقه الاجتماعي، وبين الرغبة فى تغيير بعض العادات الثقافية غير المناسبة، تعقيدات يجب أن توضع فى عين الاعتبار عند القيام بعملية «التنشئة» التى لا يمكن أن تتم بمعزل عن السياق العام، والخبرات الحياتية للأطفال.

وتمثل عمليات النمو خبرة تتأثر بالوراثة البيولوجية، والظروف النفسية، والثقافية، مثلما تتأثر بالتاريخ، التعليم، السياسة، القيم الجمالية، والأخلاق، ومن خلال عمليات النمو فى إطارها التكاملى، يتحقق ذلك النمو المتكامل والمتناغم، الذى ينبغى أن نطمح إلى بلوغه، مثلما علينا أن نطمح إلى أن ينمو الأطفال نموًا بدنيًا سويًا، وأن ينموا عاطفيًا بصورة متزنة، وأن ينموا فكريًا من خلال المشاركة فى الممارسات التعليمية كمًا وكيفًا، من خلال ما ينبغى أن تتيحه المؤسسات التعليمية، وأن ينمو بذوق طيب حيال العالم الذى يعيش فيه، كما علينا أن نطمح أيضًا إلى أن ينمو فى سياق من الاحترام المتبادل من أجل التغلب على جميع العقبات التى تحول دون النمو المتكامل لملايين البشر المنتشرين فى البقاع التى ينقسم إليها عالمنا.

وتعتبر اللغة الوعاء الفكرى الذى ينقل عمليات النفكير المختلفة لحيز الوجود المادى، إنها تجليات التفكير الإنسانى وقد وضعت فى إشارات وعلامات يمكن لمجموعة من البشر فهم محتواها، والاستجابة لمعانيها، والتفاعل مع دلالاتها، فاللغة فى معناها هى أصوات يعبر بها كل «قوم» عن أغراضهم على حد قول ابن جنى، وإضافة إلى ذلك، وكما يرى ابن خلدون فى مقدمته: اللغة ترجمة لما فى النفس من صور ذهنية، فإذا ما كانت الصورة فى العقل وتقصد بها «اللفظة» سميت معنى، أما إذا كانت تحدث من «اللفظة» فى العقل سميت مفهومًا، وهو ما يشير بوضوح إلى كون اللغة تعبيرًا ينتمى إلى قدرة عقلية، بجانب كونها تعبيرات صوتية.

ولكن اللغة ليست مجرد تشكيل رمزى لمقاطع صوتية فقط، وليست أبجدية معينة من الحروف التى تأتلف فيما بينها لتكون الكلمات الدالة على معان فحسب، بل هى أداة تشكل الواقع، وتمنح المعنى، مثلما تمتلك السلطة أفراد المجتمع، خاصة الأطفال، تؤثر فى كل جيل بما تحمله معها من موروث، وتفرض فى بيئتها علاقات اجتماعية متشعبة، فكل طبقة من طبقات المجتمع تمتلك أنماطها الكلامية الناتجة عن اتجاهاتها الفكرية الخاصة، وهناك رابط متين بين الفكر واللغة، وهما معًا يشتركان فى صناعة حضارة المجتمعات، وليس من السهل قطع هذا الرابط، عندما يكون المجتمع فعالًا وحيويًا، فاللغة ميراث حضارى وتاريخى، تضم بين مفرداتها وعباراتها، الأنماط الحياتية للمجتمع، بما فيها أنماط الحياة السياسية، والاقتصادية، والثقافية للجماعة اللغوية التى تمثلها، فهى القوة الفعالة بجميع المعانى التى تربط الأجداد بالآباء ومنهم إلى الأحفاد.

إنه نسق متكامل ونعنى به، مجموعة العلاقات التى «تثبت» أو «تتغير» فى استقلالية عن الأشياء التى تربط بينها، فالنسق كما يصفه «فوكو» هو «شريط الكروموزومات» فى البيولوجيا، يحمل مجموعة الإشارات «الوراثية» التى تسمح فى المستقبل للكائن البشرى «المقبل» بالتطور، ودائمًا ما تظهر هذه «الكوروموزومات/ المورثات» على شكل «شفرة»، وهو الأمر نفسه مع اللغة، فوفقًا لـ«فوكو» فعادة المتكلم ليس «الشخص» بل «البنيات» اللغوية، أى نسق اللغة ذاته، وهو ما يعنى أن ثمة «معرفة» و«نظامًا» قبل كل وجود بشرى، وقبل كل «فرد بشرى».

وفى الآونة الأخيرة انتشرت دعوة تزعم أن استخدام اللغة العامية فى تعليم الأطفال والكتابة لهم أمر يبدو إيجابيًا وداعمًا لنموهم، فى حين يستندون فى الواقع إلى مغالطة مفاهيمية تربط بين حق المجتمع المحلى، وكذلك الأقليات فى استخدام لغتهم الأصلية، واعتمادًا على الدعوة التى أطلقتها المدير العام لمنظمة اليونسكو، السيدة «إيرينا بوكوفا» بغية اعتماد اللغة الأم فى التعليم الأولى كوسيلة قوية لمحاربة التمييز وللوصول إلى السكان المهمشين، حيث إنها ستساعد عددًا كبيرًا من التلاميذ على العودة إلى مقاعد الدراسة بعد أن هجروها بسبب عجزهم عن فهم الدروس باللغة العربية، وإما استسهالًا لأنها اللغة الدارجة التى يتعلمها الطفل عند النشأة الأولى، وأن تعليم الطفل باللغة التى يتواصل بها داخل البيت، سيكسبه مزيدًا من المعرفة، وتساعده على فهم محيطه.

وهو الأمر الذى يختلف من حيث الشكل والمضمون عن اللغة العامية، أو ما يمكن أن نطلق عليه اصطلاحًا «لغة الشارع» وهى اللغة التى يتداولها أفراد المجتمع متحللين فيها من تعقيدات اللغة الرسمية وقواعدها بوصفها لغة العلم والمعرفة، وهى فى مكون المجتمع المصرى لغة أصيلة ومتميزة فى مضمونها العام والخاص، ولكنها فى كل الأحوال لا يمكن لها أن تحل محل اللغة العربية الفصحى، ذلك لأنها «الثانية» تمتلك تراثًا معرفيًا وعلميًا كبيرًا، ولأنها اللغة التى نتناول من خلالها التراث الأدبى والمعرفى الوافر والمحفوظ منذ فترة زمنية تمتد إلى قرون عديدة.

فى واقع الأمر لا تمثل اللغة العربية الفصحى لغة «عرقية» تمنح الامتيازات لمستخدمها، قدر كونها لغة العلم والمعرفة فى المجتمع المصرى، ورغم حالة التراجع والجمود التى تمر بها إلا أنها ما زالت قادرة على التواجد بقوة فى المجتمع المصرى وبين أطيافه كافة دون استثناء أو تمييز، وهنا تصبح القضية فى صورتها المنطقية السليمة، التى يجب أن تتمحور حول كيف يمكن تعليم اللغة العربية الفصحى للأطفال منذ السنوات الأولى من عمرهم، ليتمكنوا من مواصلة طريقهم التعليمى دون تراجع، أو تغثر.

وربما أوافق على أن الأطفال يذهبون إلى المدرسة ويتعلمون القراءة والكتابة باللغة العربية الفصحى التى تختلف عن طريقة تحدثهم مع ذويهم فى المنزل، وأن خبرة الأطفال مع اللغة العربية الفصحى تعد محدودة إلى حد بعيد قبل بلوغهم سن السادسة، فنادرا ما يقرأ الآباء لأطفالهم، أو أن يلعبوا معهم ألعاب الكلمات، وذلك مقارنة بما يفعله الآباء فى مناطق أخرى من العالم، كما يعد الالتحاق ببرامج التعليم الرسمية فى مرحلة الطفولة المبكرة- حيث يمكن تطوير مهارات القراءة والكتابة- أقل عنه فى المناطق الأخرى، وهو ما يفرض عددًا من التحديات على الأطفال، وبالطبع يمكن التعامل مع هذه التحديات، ولكن ليس من ضمن الحلول أن نتوجه للأطفال بالكتابة باللغة العامية، لأنه من شأنه أن يزيد الهوة التى نسعى لردمها فى واقع الأمر، بل يمكن معالجة هذه التحديات باتخاذ إجراءات هادفة تناولها عديد من الدراسات العلمية التى تسعى للنهوض بتعليم اللغة العربية الفصحى، مثل توفير بيئة لغوية ثرية، والتعرض المبكر للغة العربية الفصحى، والتدريس بأساليب جيدة ومناسبة، الذى يعتمد على القواعد العلمية لأساليب تعلم القراءة، ويستثمر التداخل بين مفردات الفصحى والمفردات العامية.

وعليه، فإن تعليم اللغة العربية يحتاج إلى مساعدة الأطفال على الانتقال من مرحلة «تعلم القراءة» إلى مرحلة «القراءة للتعلم» من خلال اتخاذ عدد من استراتيجيات التعليم/ التعلم ومنها:

وضع أهداف محددة وقابلة للقياس لنواتج تعلم الأطفال للغة العربية على الأمدين القصير والطويل.
تحديد المفردات المشتركة بين اللغة الفصحى والعامية، وتوظيف ذلك لمد جسر يسمح للأطفال بالانتقال من العامية إلى الفصحى بمرونة ويسر.
زيادة تعرض الأطفال للغة الفصحى مبكرًا وبأساليب جاذبة.
إعادة النظر فى البرامج الجامعية لإعداد معلمى اللغة العربية، وبرامج التطوير المهنى للمعلمين، وإضافة أصول تدريس اللغة العربية، وتعزيز الخبرات العملية (التدريسية)، والتخطيط لتعلُّم الطلاب على نحو فعّال.
تحديد المتعثرين فى القراءة ودعمهم بإجراءات تدخلية مبكرة ومتابعتهم، خاصة فى الصفوف الأولى.

إن اللغة من خلال مفرداتها تمثل رموزا ثقافية تحمل رسائل ذات معنى ودلالة فى كل ثقافة من الثقافات، وكل كلمة هى تعبير عن تاريخ طويل من المعنى وانعطافاته الدلالية، وهو أمر يتوقف على الإنسان فحسب دون غيره من الكائنات، فالإنسان عبر تاريخه الطويل قد تمكن من بناء نسق متشابك ومعقد من العلاقات مع العالم، ومع الآخر، دفعه إلى الخروج من أسر الضرورة إلى فضاءات أرحب، بما يعنى أن الإنسان وحده بوصفه «حيوانًا اجتماعيًا» هو القادر على أن يمنح معنى ما للعالم، مثلما هو وحده القادر على إخراج اللغة من وظيفتها «الذرائعية» الضيقة بوصفها وسيلة للاتصال، لتتسع دائراتها لتشمل إلى جانب هذا كونها تعبيرًا ثقافيًا وجماليًا وقيميًا، وهو الأمر الذى يدفعنا جميعا إلى العمل على النهوض بها وتطويرها، بوصفها تعبيرًا اجتماعيًا عن هويتنا الثقافية.