رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

العقل التسليمى

العقل هو من أعظم النعم التى أنعم الله بها على الإنسان وميّزه بها عن سائر المخلوقات، وذلك لكى يستطيع الإنسان أن يفرق بين الغث والسمين، وأن يختار ويحدد قراره، ذلك القرار الذى سيتحمل نتائجه سلبًا أو إيجابًا.. كما أن العقل والقدرة العقلية هى التى توازن وتفرق بين شخص وآخر، ولذا نرى أن فاقد العقل لا مسئولية جنائية عن أفعاله المجرمة. 
ولذا نشاهد تلك التعبيرات المجتمعية مثل «هذا رجل عاقل»، أى أنه يُفعّل عقله ويفكر فى الأمور بروية، أما العقل التسليمى فهو ذلك العقل الذى يسلم صاحبه عقله إلى الناس، أى أنه يعطى الآخرين الحرية فى التفكير نيابة عنه، فعندما يسلم الإنسان عقله لمن يعلن عن مقولة أو رأى أو اجتهاد أو تفسير لقضية من القضايا الحياتية؛ سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو دينية، وهو ليس فى حاجة إليها، فينبهر بذلك الرأى وبتلك المقولة دون أى تفكير، هنا يتحول العقل إلى عقل سلبى، أى عقل يتم إيقاف ملكاته العقلية فلا يتم تفعيلها ولا استعمالها، هنا يصبح الفرد مسلوب الإرادة بلا هوية. 
إذًا هنا لماذا يتنازل الإنسان عن الحفاظ على عقله الواعى والناقد والمفعّل ويحوله إلى عقل خامل متوقف تسليمى، فاقدًا صفاته الأساسية التى أرادها له الله؟
هنا، هل نكون مبالغين حين نقول إن تربية هذا العقل التسليمى تبدأ من الأسرة؟ هل يمكن أن نقول إن هذه البداية تبدأ وتتأصل بذلك الخلط بين التسليم الإيمانى بثوابت الدين الخاصة بالإيمان التسليمى بالله، سبحانه وتعالى، أنه الخالق والقادر، وبين التفكير العقلانى فيما دون تلك القضية الإيمانية من قضايا الحياة فى جميع مساراتها بكل حرية وعقلانية واجتهاد ونقد وتقويم؟ 
هنا يبدأ هذا الخلط فى تفعيل ما يسمى الفكر الدينى البشرى غير المقدس، ذلك الفكر الذى يربط الحياة، مجمل الحياة، بتفسيرات دينية، تشمل التاريخ والعادات والتقاليد والموروث والعلاقات الاجتماعية والإنسانية والعلاقة مع الآخر الدينى وغير الدينى بتلك الرؤية وبذلك التفسير الشخصى والموروث، والذى لم يتم فيه أى تفعيل للعقل، بل كان هذا الموروث نتاج عقل تسليمى تصورًا أن هذا التسليم هو قمة الإيمان والتدين. 
فإذا كان التكوين الأساسى وفى البداية لهذا العقل ومنذ الطفولة، أى تكوين وتشكيل ذلك العقل التسليمى، مبررًا بأن الدين والإيمان لا بد له من هذا العقل التسليمى، هنا يصبح الحديث عن العقل الناقد والمفكر يتناقض مع الإيمان، هنا يتم الخلط أيضًا بين القضايا الإيمانية التسليمية وباقى القضايا الحياتية. 
ففى إطار الفكر الدينى التسليمى يؤمن كل طرف دينى بأنه هو الشعب المختار أو أنه هو الضامن للسماء أو هو خير أمة أخرجت للناس، وهذا طبيعى فى إطار الإيمان الدينى للمتدين بأى دين. ولكن فى المقابل، والذى يهم كل هؤلاء، ليس الحصول على الجنة والسماء ولكن الأهم هو حرمان الآخر من هذه الجنة، ناسين رحمة الله على كل عباده الذين خلقهم.. ومن نتائج ذلك العقل التسليمى نجد الصراعات الدموية، وليست الفكرية، بين أبناء الدين الواحد التى مورست عبر التاريخ بأساليب يندى لها الجبين، وكله، وللأسف، باسم الدين، والدين من كل هذا برىء. ذلك الصراع الذى لا يزال وسيظل بين الطوائف وفى الدين الواحد، والكل وبعقل تسليمى متخلف يتصور أنه يمتلك الحقيقة المطلقة دون سواه، مبررًا هذا فى عقله الباطن بهذا التسليم وذلك التسليمى، وهذا ينسحب على كل القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. فأصبحت العادات والتقاليد المصرية الأصيلة والمميزة للهوية المصرية الجامعة هى تقاليد وثنية، واستبدلت بتقاليد وهابية لا علاقة لها بالدين ولكنها التقاليد الاجتماعية النابعة من واقع مكانها وزمانها مثل تلك التقاليد المصرية. 
وكان من الطبيعى، ونتيجة لسيطرة هذا العقل التسليمى، أن يفقد الحوار جدواه ويتحول إلى صراع صفرى ينفى الآخر، هنا عندما يغيب الحوار فيغيب أى فكر آخر يوضح الصورة وينير الطريق فنكون نحن الخاسرين جميعًا.. هنا، وفى ظل الحوار الوطنى، وعلى ضوء ما نعيشه من واقع اجتماعى سقطت فيه القيم وتلاشت الأخلاق وانتشرت السلوكيات التى لا علاقة لها بأى قيمة دينية، مطلوب فورًا أن يقوم الجميع، مؤسسات دينية وتعليمية وإعلامية ومجتمعية والأهم الأسرة، بتربية وتنشئة ذلك العقل الناقد، وليس ذلك العقل التسليمى، حتى نستطيع أن نضع أقدامنا على بداية الطريق الصحيح.. حمى الله مصر وشعبها العظيم.