رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

سعيد صالح.. المشاغب القادر على إضحاك طوب الأرض

بدأ على مسرح الجامعة.. و«هاللو شلبى» تمثل نقطة التحول فى مشواره

امتلك حضورًا طاغيًا حتى فى وجود أبرز أسطوات الكوميديا

لم يعتمد على «الإفيه».. وامتلك خفة ظل حقيقية دون استجداء الضحك

كان هدافًا بارعًا يجيد تسديد أهداف كوميدية قوية لا تخطئ شبكة الجمهور

لم يكتفِ بالكوميديا.. وقدم أدوارًا خالدة مثل «مولد يا دنيا» و«الرصاصة لا تزال فى جيبى» و«السقوط فى بئر سبع»

أكثر من ٢٠٠ عمل شارك فى بطولتها سعيد صالح فى السينما والإذاعة والتليفزيون، قدمها بخفة ظل جامحة، وحضور طاغٍ أهّله ليكون أحد أهم الكوميديانات العرب.

البدايات كانت مسرح الجامعة، الذي تخرج منه نجوم كبار أمثال صلاح السعدنى وعادل إمام، ثم بدأ مشوار الاحتراف بأدوار صغيرة فى عدد من المسرحيات والمسلسلات الإذاعية، مثل: «هنداوى، مذكرات المعلم شعبان، شرم برم، ضيوف فوق العادة، قمر على بوابة المتولى».

كما شارك فى: «دماء على الصحراء، رضا بوند، انتظر لا تقتلنى، أوراق خاصة لطالبة جامعية، الشاطر عوكل، كفر أبومجاهد، هارب من الأيام، سرى جدًا، خيال المآتة، حارة الشرفاء، عودة الروح، العبقرى، المتحذلقات، ذات البيجامة الحمراء».

فى عام ١٩٦٩ قدم سعيد صالح مسرحية «هاللو شلبى» التى تعتبر نقطة التحول الأولى فى تاريخه المهنى، ليفاجئ الجمهور بميلاد نجم كوميدى واعد، مرددين خلفه «الإفيه» الشهير: «أستك منه فيه»، الذى ما زال يضحك المشاهدين حتى الآن عند إعادة عرض المسرحية.

لكن «الإفيهات» لم تكن السبب الوحيد فى انبهار الجمهور بسعيد صالح، بل امتلك الفنان الراحل حضورًا طاغيًا لم يخفت فى وجود عبدالمنعم مدبولى، أحد أسطوات الكوميديا وقتها، ليثبت وجوده بفضل خفة ظل حقيقية وسرعة بديهة تخلو من الافتعال أو استجداء الضحك.

بعد عامين، كان سعيد صالح على موعد مع نقطة تحول جديدة هى مسرحية «مدرسة المشاغبين»، التى كان فيها عمودًا فقريًا جعل منها مسرحية خالدة عابرة للعصور، فمن منا لا يتذكر إفيه «مرسى الزناتى اتهزم يا رجالة» وغيره الكثير.

وبمشاهدة جديدة سنجد أننا أمام هداف بارع يجيد تسديد أهداف كوميدية قوية لا تخطئ شبكة الجمهور، بل ويجيد مناورة ممثلين فطاحل، أمثال عادل إمام وسهير البابلى، إلى الدرجة التى لا يمكن معها تخيل ممثل آخر فى دور «مرسى الزناتى» الشهير.

لم يتمسك سعيد صالح بحجم الدور بقدر اهتمامه بتفريغ قدراته الكوميدية والتمثيلية، فقدم فى السبعينيات عدة أدوار فى مجموعة من الأفلام، مثل: «عاشق الروح، كلام فى الحب، لعبة كل يوم، زائر الفجر، صوت الحب، فى الصيف لازم نحب، آنسات وسيدات»، بالإضافة إلى عدد من الأفلام المهمة، مثل: «مولد يا دنيا، الرصاصة لا تزال فى جيبى، العذاب فوق شفاه تبتسم، هذا أحبه وهذا أريده، سونيا والمجنون، حب فوق البركان».

فى أواخر السبعينيات قدم سعيد صالح تحفة كوميدية جديدة على خشبة المسرح هى: «العيال كبرت»، التى منحه نصها الرائع لبهجت قمر ملعبًا رحبًا انطلقت داخله قدرات غير عادية على الإضحاك، فبالرغم من كونها بطولة جماعية بمشاركة يونس شلبى وأحمد زكى وحسن مصطفى، كان سعيد صالح هو الحصان الرابح الذى يبهرنا حتى الآن فى كل مرة تعرض فيها المسرحية، بتلقائية مبهرة وبساطة لا يملكها سوى موهوب حقيقى.

وهو ما ذكره الكاتب الكبير محمود السعدنى فى كتابه «المضحكون»، الذى قال فيه: «ويأتى سعيد فى مقدمة شلة العيال، وهو أخفهم دمًا، بل هو أخف دم مضحك على الإطلاق، وهو قادر على إضحاك طوب الأرض بحركة أو بلفتة أو بإشارة من إصبعه الصغير»، مضيفًا: «هو ابن الطبيعة، وهو ممثل لأنه خُلق ليحترف هذه المهنة، وهو يتشارك مع على الكسار فى ميزة مهمة، وهى أنه لا يتعمد التمثيل، ولكنه يتحرك على المسرح كما يتحرك فى الشارع، ويتكلم أمام المئات فى المسرح كما يتكلم بين شلة من الأصدقاء المقربين».

فى الثمانينيات والتسعينيات، كان سعيد صالح مؤهلًا لأداء أدوار البطولة السينمائية، وقدم أكثر من١٠٠ فيلم، مثل: «فتوات بولاق، المشبوه، جبروت امرأة، عزبة الصفيح، اللص والثعلب، درب البهلوان، تحت الربع، الطيب والشرس والوحش» وغيرها الكثير.

اللافت هنا هو عدم تمسكه بأدوار البطولة أو الكوميديا، فهو «محروس» الانتهازى المغتصب فى «توت توت»، و«عطية» الزوج المخادع الذى يستولى على أموال زوجته ويدفعها للإدمان فى «الضائعة»، و«عتريس» اللص التائب فى «الصبر فى الملاحات».

بالتالى نحن أمام ممثل متحرر مخلص لمهنته ويسعى خلف التنوع والإجادة أيًا كانت نوعية وحجم الدور، لذا قدم أيضًا فى نفس الفترة بطولات جماعية، مثل: «فقراء ولكن سعداء» مع سمير غانم، «نأسف لهذا الخطأ» مع فاروق الفيشاوى، و«القط أصله أسد» مع محمود يس، و«عسل الحب المر» مع نور الشريف، و«المشاغبون فى الجيش» مع يونس شلبى. 

المدهش لدى سعيد صالح هو امتلاكه قدرات ممثل كبير وليس كوميديانًا فقط، ربما الدليل الأوضح هو مسلسل «السقوط فى بئر سبع»، الذى لعب من خلاله دور «شفيق» الموظف الفاسد الذى تجنده المخابرات الإسرائيلية كجاسوس ضد وطنه، وهو الدور الذى يتطلب مبدئيًا شجاعة كبيرة لقبوله، نظرًا لما سيقابله من الجمهور بكراهية شديدة، وهو ما يفسر اختيار مخرج العمل نور الدمرداش ممثلين كوميديين، هما سعيد صالح وإسعاد يونس، كمحاولة تساعد فى تحمل الجمهور مشاهدة المسلسل، إلا أن أداء سعيد صالح كان شهادة كبيرة تؤكد أننا أمام ممثل بارع، فنحن أمام جاسوس يبيع وطنه، يعيش طوال الوقت حالة من الازدواجية لأنه مُطالَب بإظهار مشاعر مغايرة للحقيقة والتعبير عن ذلك بشكل حقيقى غير مفتعل. 

قدم سعيد صالح ثنائيًا ناجحًا مع عادل إمام، بداية من «مدرسة المشاغبين»، مرورًا بـ«المشبوه، سلام يا صاحبى، الهلفوت، الواد محروس بتاع الوزير، بخيت وعديلة، أمير الظلام»، إلى جانب مشهده البديع فى فيلم «زهايمر»، الذى وصفه البعض بأنه أهم مشاهد سعيد صالح فى السينما، ففيه قدم دور «عمر» نزيل دار المسنين المصاب بـ«ألزهايمر» فى مرحلته الأخيرة، والذى يستجدى العطف من صديقه «محمود- عادل إمام»، متوسلًا له بتكرار زيارته بعد تخلى أبنائه عنه.

أهمية المشهد هنا هو مدى تأثيره على البطل والمشاهد فى نفس الوقت، للدرجة التى لا يمكن معها حذف هذا المشهد، لأنه يمثل نقطة تحول فى مسيرة «محمود» وخضوعه للعلاج. المدهش هو أداء سعيد صالح الذى لم يحمل المشهد عبئًا ميلودراميًا، بل أداه بشكل سلس وصادق، مما ضاعف من تأثيره لدى المشاهد.

أحب سعيد صالح المسرح بشكل لافت، وهو ما صرح به كثيرًا، مع تأكيد شعوره بالحزن بسبب أن الفضائيات لا تعرض له سوى «العيال كبرت» و«مدرسة المشاغبين»، رغم تقديمه أكثر من ٣٠ مسرحية، مثل «كعبلون، لعبة اسمها الفلوس، الليبرو، اخطف وأجرى» وغيرها.

إنسانيًا، كان سعيد صالح إنسانًا صادقًا وسلسًا، وهو ما يمكن ملاحظته بسهولة من خلال تلك المسرحيات التى كان يترك خلالها مساحات واسعة لزملائه من الفنانين ليُضحكوا الجمهور، دون أن يستأثر لنفسه بهذا الحق، بل إنه فى كواليس مسرحية «قاعدين ليه» فوجئ بشاب مغمور صغير يقتحم غرفته ويطلب منه منحه فرصة، ليطلب منه سعيد صالح ببساطة تأدية مشهد ارتجالى، ليقرر بعد إعجابه بما أداه منحه دورًا صغيرًا فى نفس المسرحية، قبل أن يقرر زيادة حجم الدور تشجيعًا له، قبل معرفته بأن هذا الشاب سيكون النجم محمد رمضان.