رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

حتى لا يندثر أولاد الأصول

هناك عبارة شهيرة تقول إن أولاد الأصول رزق، وهى عبارة صحيحة مائة فى المائة وتستحق أن نتأملها جيدًا حتى يأخذ أولاد الأصول المكانة التى يستحقونها فى المجتمع، وحتى لا يختلط الحابل بالنابل، وتصبح المصلحة هى أساس التعاملات بين الناس، ويصبح صاحب النفوذ أو صاحب الثراء أيًا كان مصدره أو الذى يتعامل بالقوة أو العنف أو البلطجة هم الذين يتسيدون فى المجتمع.

إن أولاد الأصول هم أفضل الناس لأن أرواحهم راقية وأخلاقهم عالية ونفوسهم راضيه، لا يطمعون فى سلطة أو نفوذ أو جاه، لكنهم يأخذون حقهم بالكفاءة والأصول، أولاد الأصول هم أفضل الأصدقاء، فإذا صادفتهم فى أى مكان فاحرص على صداقتهم؛ لأنهم لا يخونون الصديق ولا يتخلون عنه فى وقت الشدة، وهم إذا ما تعاملنا معهم يمكننا أن نأمن لهم، وأن نثق بهم، وأن نجدهم فى كل المواقف فى السراء وفى الضراء أيضًا، وهذا أيضًا أمر نادر فى زمن طغت فيه المصلحة والماديات والفهلوة والاستغلال، وكثرت فيه أنواع الانحراف والفساد لكن أين هم أولاد الأصول الآن؟

هل اختفوا من المجتمع؟ هل هم من كانوا يعيشون فى زمن ولّى ومضى ولم يعد لهم وجود فى مجتمعنا؟ لقد أصبحوا بالفعل عملة نادرة فى عصرنا هذا، حتى كادوا أن يندثروا، ولم نعد نجدهم فى تعاملاتنا اليومية إلا نادرًا، وأصبحنًا لا نجدهم كثيرًا فى مجتمعنا إلا فيما ندر، لهذا فإذا ما تسنى لك أن صادفت ابن أصول فتمسك بمعرفته واعرف أنه نوع من أنواع الرزق فى حياتك.

إنهم لا يجرحون أو يهينون، بل هم نوع من أنواع الستر؛ لأن ابن الأصول لن يخونك أو يتركك حينما تكون فى حاجة إليه، وسيدافع عنك فى غيابك، ولن يغتابك ولن يسمح باغتيابك حينما تكون غائبًا، هو يحترم الكبير ويشفق على الصغير ويجبر الخواطر، ورغم أنه يعرف قدر نفسه، إلا أنه لا يتعالى على الغير.. وهو من بيت طيب أحسن تربيته، وهو بار بوالديه ويتميز بالوفاء وبالقناعة، ولا يخرج عن القانون أو ينحرف أو يتهاون فى الحق؛ لأنه يدرك أنه ابن أصول وعليه أن يحافظ على اسمه وسمعته، وهو يجيد معاملة زوجته إذا كان متزوجًا ولا يهين امرأة أو يقلل من شأنها.

ولكن مَن هم أولاد الأصول؟ ابن الأصول ليس شرطًا أن يكون ثريًا أو لديه ممتلكات كثيرة أو لديه نفوذ، إنما ابن الأصول هو ذلك الثرى بأخلاقه الذى لا يعرف إيذاء الآخرين.. أولاد الأصول لديهم كرامة، وكرامتهم بنفس غلاوة كرامة الوطن؛ لأنهم يعرفون أن الوطن غالٍ، وأن الوطن هو مولدنا وأرضنا وعرضنا، أولاد الأصول لا يتلاعبون بالضعيف ولا يتعجرفون مع الفقير أو المحتاج، أولاد الأصول ليش شرطًا أن تكون لديهم ملابس باهظة الثمن، لكنهم لديهم ذوق رفيع فى الملابس.

أولاد الأصول نجدهم دائمًا متواضعين ولا يتحدثون إلا بشكل فيه إحساس بالآخرين وفيه مراعاة لشعور الآخرين، وهم لا يحترفون الشكوى أو التحدث فى مشاكلهم، وهم دائمًا لديهم شبع فى كل شىء، وهم منضبطون فى سلوكياتهم ولا يغيّرون كلامهم، بل يتمسكون به إلى أقصى درجة، أولاد الأصول لديهم مصداقية فى كل ما يفعلون وفى كل ما يتكلمون وفى كل مواقفهم، وهم لا يرخصون أنفسهم أمام الغير، ويتزودون بالثقافة والعلم، ويُقدّرون أهل الثقافة والعلم والوسطية فى الفكر، وفى التدين.

أولاد الأصول يعرفون أن الوصول للنجاح يكون درجة درجة وليس بالقفز على الآخرين، وأن قيمة الشخص فيما يقدمه للمجتمع.. وهم ليسوا من الباحثين عن السلطة والنفوذ بغرض التباهى أو التفاخر أو التعالى على الغير، لكنهم يحققون النجاح بنزاهة وشرف، أولاد الأصول يعرفون مقدار الصديق و مقدار النزيه وقدر الصداقة، ولا يتملقون الثرى لمجرد الاقتراب منه والفوز بصداقته والاستفادة من ثرائه.. أولاد الأصول لا يعرفون الناس للمصلحة فقط، لكنهم يعرفون الناس بقيمة أخلاقهم ومعادنهم، وهم لديهم درجة كبيرة من الإنسانية فى سلوكياتهم وفى ممارساتهم.

ولهذا فإن أولاد الأصول هم رزق لمن يعرفهم، وينبغى على المجتمع من أجل غدٍ أفضل أن يعلى من قيمة الأخلاق العالية والخصال الحميدة والسلوكيات الراقية، وأن يكون أولاد الأصول فى صدارة المجتمع ومصدرًا لاهتمام الإعلام والصحافة والمجتمع حتى يبقى المجتمع مستقرًا وقويًا ومتماسكًا، وحتى لا يندثر أولاد الأصول من المجتمع وتصبح الشخصيات ذات الفجاجة والتفاهة والسطحية هى الغالبية فى المجتمع أو يتسيد أصحاب الفكر المتطرف أو الفوضويون أو ادعياء التدين، أو أن نجد فجأة من يعلون من قدر شخصيات وهمية تم تسليط الضوء عليها بغير حق وتتقاضى مبالغ هائلة لتقدم أعمالًا للحكومة أو لغيرها من المؤسسات ثم فجأة نكتشف أنهم أدعياء فن وأنهم يسرقون أعمال الغير، كما حدث مؤخرًا مع الفتاة الشابة التى سرقت رسومات من فنان روسى لتضعها على محطة مترو حكومية، ثم تبين أنها قد نقلت رسوماته دون إذنه، وأنها قد تقاضت مبالغ هائلة دون وجه حق، أو أن يحظى ادعياء الفن بالشهرة دون وجه حق، أو أن يتم التسليط على فنانة سليطة اللسان تتمادى فى الوقاحة ونشر فضائحها الشخصية وفضائح زواجها ثم لا تجد من يحاسبها على سلاطه لسانها.

إننى أتمنى مع قرب إعلان الجمهورية الجديدة أن تصبح الأصول هى وسيلة التعامل المتسيدة فى المجتمع، وأن يصبح أولاد الأصول الذين يتحلون بالأخلاق العالية والكفاءة والنزاهة والعطاء وحب الوطن هم الذين نضعهم فى صدارة المجتمع وفى أرفع المناصب.