رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

رميت طوبته

الإحصاء هو مصدر الفعل أحصى وزي ما حضرتك شايف: الكلمة جاية من "الحصى"، أي الحجارة الصغيرة اللي هي لا مؤاخذة قد البعرة.
طاه، إيه اللي جاب دا لـ دا؟عملية حسابية رقمية تنظيمية تيجي إزاي من الحجارة، إيه العلاقة؟
آه، ما هو حضرتك راعي الإبل/ الغنم إزاي كان بـ يحيط بـ عالم الجمال أو النوق أو المعيز بتوعه؟ وإزاي بـ ينظم أمورهم؟
هو حدود عقله وإدراكه ما تسمحلوش بـ التعامل مع "مجردات"، ما يعرفش يعمل دا، زي الطفل كدا اللي لازم يعد على صوابعه الأول، أو نعلمه الحساب عن طريق "تجسيد الأرقام"، سواء نجيب برتقان أو تفاح ونقول له: معانا ست برتقانات عايزين نوزعهم على تلاتة، فـ هو يفهم إنه 6 على 3 = 2.
أو لما يكبر شوية، نقول له: تاجر اشترى 12 كيلو موز بـ60 جنيه، واتكلف نقلها 20 جنيه، وأتلف ربعها، فـ لازم يبيع الكيلو بـ كام عشان يكسب عشرة جنيه؟
وهكذا
فـ راعي الإبل/ الغنم دا بـ يعمل زي الطفل، يجيب حصاة لـ كل جمل/ ناقة/ معزة ويتابع أمورها عن طريق الحصوات دي، ومن العملية دي بـ ييجي التعبير الشهير "رميت طوبته".
يعني إيه؟ يعني رميت حصاته، يعني خلاص، هو دلوقتي خارج "حساباتي"، ما عدتش أهتم بـ أمره. 
من هنا العرب بقت تستخدم تعبير "الحصاة"، وبعض الكلمات المشتقة منها، بـ معنى الإحاطة والإدراك والأعمال العقلية عموما، زي الرأي، فـ يقول لك مثلا: "فلان ذو حصاة وأصاة" يعني عنده رأي سديد، وفيه بيت لـ كعب بن سعد الغنوي بـ يقول:
وأن لسان المرء، إن لم يكن له
حصاة، على عوراته لدليل
يعني: لو لسان الإنسان مالوش عقل حاكم بـ يبقى سبب في كشف عوراته لـ الناس، ومن المأثور عن النبي قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا من "أحصاها" دخل الجنة"، أي من أحاط بها وأدركها.
بل إنه من الـ 99 اسم دول المطلوب "إحصاءها"، هو اسم "المحصي": الله المحصي المبدئ المعيد، المحصي أي اللي عنده الإحصاء الكامل لـ الكون (الإحاطة والإدراك المطلقين).
حيلو!
حيلو
فـ إحنا هنا بـ نتكلم، حضرتك، عن بنية ذهنية بـ تُبقي مفهوم الإدراك دائما وأبدا في إطار "ما يمكن تجسيده"، الإبل نقيسها على الحجارة.
دا بـ يعمل إيه؟ بـ يخلي هذا الإدراك مقيد بـ حجم الأرقام التي يتعامل معها الإنسان، مفيش هنا فرصة لـ "تخيل" الأرقام بـ صورتها المجردة.
يعني إدراكك يفضل محدود ومحكوم بـ إدراكك نفسه، وهذا يبدو أمرا إنسانيا طبيعيا، في النهاية محدش، ولا حتى أينشتاين نفسه، يقدر يوصل لـ تجريد الأمور 100%، لكن برضه المسألة نسبية (على سيرة أينشتاين).
لو قدرت "تتخيل" إنه فيه حاجات، إما شديدة الضخامة أو متناهية الضآلة، ممكن إدراكك لـ الأمور يتحرر شوية، مثلا: فيه واحد زي حالاتي كدا فقير، فـ يبقى تعامله مع أرقام الفلوس
إنه اللي يعدي الخمسة مليون جنيه زي بعضه، فلوس كتييييير.
دا أقصى ما يمكنني مجرد التفكير فيه، ويبقى مش قادر يدرك أو يتخيل إنه مليار غير 2 مليار خااالص، ومفيش حاجة اسمها 3-4 مليار دولار، لـ إنه الفرق بين 3 مليار و4 مليار موضوع كبيييير، فـ يصدق إنه لو قسمنا الـ 70 مليار المفترضين بتوع مبارك على الشعب المصري، نصيب كل واحد يبقى 200 ألف جنيه!
أو إنه يبقى عاجز عن تخيل ما يمكن أن ينشأ عن هذه الأرقام الضخمة، يعني لما الدكتور سامح سعد قال لي: المخ يحتوي على 100 مليار خلية عصبية لقاني، كـ أي إنسان أبله عادي، ما أبديتش أي إدراك لـ الرقم، وكـ إني بـ أقول: آه، يعني تقصد خلايا كتير!
لأ حضرتك، خلايا كتير دي تفرق لو مليون عن مليار، عن 100 مليار، مش بس فرق إنه أكتر ولا أقل، لكن كمان تؤثر على فرصنا نحن البشربـ ما أوتينا من إمكانيات حالية على فهم تكوين الخلايا دي، وطبيعة تفاعلاتها، حتى بـ استخدام أحدث أجهزة الكومبيوتر.
دا مش معناه اليأس، ولا إنك تمصمص شفايفك زي مصطفى محمود وتقول: سبحان الله! شوف شوف شوف! مخ الإنسان معقد إزاي! إنما معناه إنك تبقى عارف إنت عايز توصل لـ كومبيوتر قدراته إيه، علشان تحسن قدرتك على "الإحاطة" بـ هذا المخ.
لو مفيش القدرة دي على "تخيل" اللي بره إدراكك، مفيش فرصة لـ توسيع الإدراك نفسه، وطول ما أنا بـ أقيس الإبل بـ الحجارة، هـ أفضل محبوس في عالم الإبل والحجارة، ومش بس هـ أبقى جاهل ما خارج هذا العالم، إنما كمان خايف منه ومن التفكير فيه.
الخوف دا هو الموضوع من وجهة نظري.