رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

دائرة العنف ضد النساء

تباينت حوادث العنف ضد النساء المصريات فى الآونة الأخيرة واختلفت أسبابها، وقد آلمت القلوب وأدمعت العيون حادثة الشهيدة نيرة، الطالبة التى ذُبحت أمام أبواب جامعتها على يد مهووس يدّعى حبها، بهدف الانتقام لرفضها له وعدم الاستجابة لملاحقته التى استمرت لسنوات، وانتهت محاكمته السريعة بإحالة أوراقه للمفتى بعد حكم أصدره القاضى بهاء المرى عبر رسالة إنسانية طالب فيها كل فئات المجتمع المصرى بعقد محكمة صلح كبرى بين قوى الإنسان المتباينة.. وتوجه إلى الآباء والأمهات بضرورة مصاحبة من يعولون ومناقشتهم وعدم تركهم لأوهامهم، وأن يغرسوا فيهم القيم وأن الحب قرين السلام والسكينة.

أعادت الحادثة إلى الواجهة ظاهرة اجتماعية سلبية هى بمثابة قنبلة صامتة فى ذهنية الثقافة الاجتماعية المغلوطة عن استضعاف النساء واستسهال التعنيف وممارسة أشكال مختلفة من العنف ضدهن، بداية من العنف اللفظى مرورًا بشتائم تختص بإهانة المرأة تنتشر بين من يتداولها، ولا نستثنى أى فئة فى المجتمع منها.. وهنا لا بد من العودة إلى اللاوعى الجمعى للعنف ضد المرأة، والذى يستمد مرجعيته من الأحاديث المغلوطة التى تم اقتطاع نصوص منها وتداولها للترويج لفكرة انتقاص الإسلام من مكانتها وجعلها متعة للرجل وأداة لنسله، ومن هذا الموضع فهى الجانب الأضعف المسيطر عليه من قبله.. ولم يكن الله تعالى ليظلم المرأة فى قوله: «الرجال قوامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم»، إنما جعل له ذلك ليذود عنها ويحيطها بقوته وينفق عليها وليس له أن يتجاوز ذلك إلى قهرها وتعنيفها. ولم ينتقص الرسول الكريم من قدرات المرأة فى الحديث الشريف «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»، وإنما كان لطمأنة المسلمين عندما بلغه أن أهل فارس ملّكوا عليهم بنت كسرى نظرًا لطغيان عاطفة النساء على تفكيرهم.. والسؤال: ما القصد من وراء اقتطاع الحديث أو الآية من المناسبة والزمن دون محاولة فهمها حسب مقتضيات الزمن الحالى، ولو أراد النبى أن تكون قاعدة لكان قوله لا تولوا المرأة.. وقد روت السيدة عائشة عن النبى ٢٢١٠ أحاديث، والسيدة فاطمة وأم سلمة، أى أن المرأة وثّقت دستور الأمة الإسلامية.. ولم يكن المعنى الذى أراده من "ناقصات عقل ودين" إلا أن شهادتها تكتمل بشهادة امرأة أخرى وهى نصف شهادة الرجل، وذلك لطبيعتها النفسية والشخصية التى قد تجعل من قلبها هو المتحكم وليس عقلها، وأما نقص الدين فالمقصود أن المرأة إذا حاضت فهى لا تصلى ولا تصوم. أليس من الواجب على دار الإفتاء وشيوخ الفتاوى المغلوطة إعادة تقييم الأحاديث وتفنيدها وتفسيرها وفق الوقت والعصر الذى نعيشه.. وأليس من الواجب التفكير فى ضرورة الرقابة على وسائل الإعلام ودورها فى نشر العنف إذ أثبتت إحدى الدراسات أن أثر صور وفيديوهات العنف يبقى لفترة عشرين سنة من تاريخ بثها. وفى إحصائية حديثة عن العنف ضد المرأة هناك واحدة من ثلاث نساء تتعرض لتعنيف جسدى ونفسى أو جنسى من أشخاص مقربين لها! وأربعة ملايين تم استعبادهن من أجل المتعة الجنسية، و٥٢ دولة فقط تقوم بتجريم الاغتصاب من قبل الزوج بحق الشريك، و١٣٣ امرأة وفتاة تعرضن للختان، و٧٠٠ مليون زُوجن تحت سن الـ١٨، وواحدة من بين كل ضحيتين قُتلت على يد الشريك أو أحد أفراد العائلة.. بعد كل هذه الإحصائيات المؤلمة أليس من الجدير التوقف عن اتخاذ العنف وسيلة لإخضاع النساء سواء فى المجتمع أو فى العلاقات الشخصية ومحاولة إثبات التفوق وعدم تكافؤ القوة تاريخيًا بين الرجال والنساء. وينص إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة على أنه «إحدى الآليات الاجتماعية الحاسمة التى تضطر المرأة بموجبها إلى الخضوع بالمقارنة مع الرجل».. فمن أين البداية فى إيقاف دائرة الاعتداء وانتهاك حقوق النساء وقد كانت الانتصارات فى الحروب عبر التاريخ بالاستيلاء على الأموال والسبايا منهن؟ وكيف سنصنع جيلًا من الأبناء الأسوياء وأمهم تتعرض للعنف وتصمت مضطرة وقد تعنفهم بدورها؟ وبذلك لن تنتهى دائرة العنف فى المجتمع إنما ستعيد نفسها بأشكال جديدة أعنف.