رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

مشْرط الجراح.. قصة مدينة ملهمة

فى لقاء عابر مع أحد أقربائى ممن يعملون فى مجال التصدير والاستيراد خدنا الكلام من الدولار إلى أزمة العمل فى مهنة تحاصرها مخاطر الاقتصاد وما يجرى فى العالم الآن.. ودفعنى الفضول إلى سؤاله عما يستورده، وإذا كنا فى حاجة إليه من الأصل، وهل يمكننا الاستغناء عما يستورده وإذا ما كان لدينا البديل؟

قريبى هذا شاب فى مقتبل العمر.. ويعمل فى هذه المهنة منذ سنوات، فقد سبقه والده إلى العمل بها.. سمحت له ظروفه بالسفر إلى معظم بلدان العالم.. وهو زى أى مصرى.. رغم نجاحه فى عمله الخاص.. دائمًا هناك نجاح أكبر يستدعيه ويتمناه.. وهو نجاح بلده فى أن يكون أفضل وأجمل وأهم من تلك البلاد التى يذهب إليها بإرادته أو مضطرًا.. أخبرنى «حسن» بأنه للأسف لا يستطيع.. أو بالأحرى نحن لا نستطيع أن نستغنى عن تلك المنتجات التى نستوردها رغم بساطتها.. وأكمل أنه من حسن الحظ أن الدولة والقيادة السياسية تدخلت وأعفت هذه المنتجات من شروط وقرارات البنك المركزى لأهميتها الشديدة للمرضى والأطباء فى مصر.

باختصار هو يستورد أدوات الجراحة، مثل المشارط والمقصات وما شابه مما يستخدمه الأطباء فى عملياتهم الجراحية.. وفوجئت بأنها أكثر من خمسمائة صنف، فلكل عملية جراحية أدواتها.. ورغم بساطتها فهى تأتى من مدينة صغيرة لا يزيد عدد سكانها على سبعمائة ألف نسمة فى باكستان.

حكى لى «حسن فواز» قصة هذه المدينة وهو يسأل: لماذا لا يوجد عندنا فى مصر عمال مهرة يصنعون هذه الأدوات؟.. إنها ليست عملًا خرافيًا.. فقط هى «المهارة».

حكى لى حسن أن مدينة «سيالكوت» تقع فى إقليم البنجاب.. ويسمونها مدينة الإبداع.. كل أهلها وقد كانوا فقراء جدًا يعملون فى صناعة السيوف والخناجر وأدوات الجراحة.. وأيضًا كرات القدم التى يلعب بها العالم كله.. والأطيب من ذلك أن الأمريكان بمن فيهم صناع هوليوود يذهبون إلى هناك لاستيراد هذه السيوف والخناجر التى ظهرت فى أفلام رامبو.

إنها مدينة يعرفها العالم كله ويذهب إليها لاستيراد ما تصنع لشهرة عمالها بإتقانهم أعمالهم التى تبدو بسيطة لكنها ذات سمعة عالمية عالية.. هى المدينة المزدحمة دومًا التى كانت فقيرة فى يوم ما لكنها أصبحت من أهم المدن الصناعية فى العالم.

يحكى أهل المدينة أن أحد الجراحين الإنجليز كان هناك، واحتاج إلى صنع مشرط للجراحة، فذهب إلى عامل بسيط فى السوق يصنع السيوف، وصنع له ما أراد، فأعجبه.. فذهب إليه ليصنع له أدوات أخرى، ثم بدأ يحصل منه على كميات كبيرة يورّدها لزملائه من الأطباء فى لندن.. وهكذا بدأت الصناعة، وعندما زاد الطلب على تلك الأدوات زاد عدد العاملين فيها وأصبحت تجارة.. وسنة تلو سنة صارت المدينة مقصدًا للشركات والدول، وذهبنا نحن إلى هناك أيضًا.

مدينة سيالكوت، التى تقع على بعد ٣٠٠ كيلومتر جنوب شرق عاصمة البلاد «إسلام أباد»، لم تكتفِ بأن تكون إحدى أهم المدن المصنعة لأدوات الجراحة وكرات القدم التى يلعب بها أطفالنا ونجوم الدوريات فى العالم كله.. لكنها نجحت أيضًا فى صناعة معاطف سباق السيارات والدراجات النارية من «الجلود»، وكذلك مضارب الكريكيت والهوكى.

الطريف فى الأمر أن المدينة الصناعية الأهم فى باكستان كانت مجرد قرية يصل إليها المشترون لتلك البضائع بصعوبة شديدة.. فقام رجال الأعمال هناك بإنشاء الطرق وتمهيدها وبناء المستشفيات للأهالى- صحتهم أصبحت مهمة- وبناء مطار خاص فى المدينة أيضًا، حيث يأتى إليها المستوردون من العالم كله.. وهكذا دخلت إليها الخدمات.. وبُنيت الفنادق.. فالزوار المشترون لبضائع المدينة المميزة يحتاجون إلى سكن فترة وجودهم هناك.. ولذلك قام رجال الأعمال أيضًا ببناء تلك الفنادق.. ونشطت السياحة أيضًا.. سياحة الخدمات.

الكلام عن هذه المدينة الملهمة جرّنا إلى مدن وأحياء مشابهة كانت فى القاهرة.. نشأت مع مجىء الدولة الفاطمية إلى القاهرة.. مثل المغربلين والفحامين وغيرهما من الأحياء التى ارتبط سكانها بمهن معينة تخصصوا فيها ونجحوا حتى صارت الأحياء بأسماء مَن يعملون فى هذه الصناعات البسيطة والمبدعة.. وقيل إن محمد على عندما حكم مصر أخذ المهرة من هؤلاء الصناع وذهب بهم إلى إسطنبول.

كم بلد أو قرية عندنا فى مصر تصلح لأن تكون «سيالكوت» أخرى.. وكم مهنة بسيطة يمكننا أن نعمل بها ونعظم منها.. لماذا لا يفكر أحدنا فى مثل تلك الأدوات البسيطة التى نحتاجها ولا يمكننا الاستغناء عنها، مثل أدوات الجراحة، وفى الوقت نفسه نحن ندفع فيها ملايين الدولارات، والغريب أن المواد الخام التى تصنع منها تلك الأدوات ليست حكرًا على بلد بعينه؟.. بمعنى آخر لن نحتاج إلى استيرادها.. المواد الخام موجودة فى مصر.. فلماذا لا نقوم بتوطين هذه الصناعات؟!

هل تملك أى جهة حكومية أو خاصة عندنا معلومات تفصيلية عن حجم استيرادنا من هذه الأدوات وعن أماكن المواد الخام المستخدمة فيها؟.. هل لدينا فكرة عن عدد العاملين بها الذين يمكن البناء عليهم وتدريبهم وتأهيلهم حتى يتقنوا ذلك العمل المبدع الذى يعتمد بشكل كبير على مهارة الصانع لا على التكنولوجيا الحديثة؟.. هل لدينا أى دراسات جدوى من رجال الأعمال الذين يفكرون فى اختراق هذا المجال أم أننا اكتفينا بأن الاستيراد أسهل وأكثر ربحًا؟.

لا أعرف كيف يفكر المسئولون فى وزارة الصناعة.. ولا المسئولون فى اتحاد الصناعات؟.. لكننى أثق أن لدينا آلاف وملايين العمال الذين يمكن تدريبهم وتأهيلهم فى سنوات قليلة.. وبالمناسبة ماذا عن المدارس الفنية الصناعية.. هل فكر القطاع الخاص فى مصر فى إنشاء مدرسة من هذا النوع؟.. وإذا لم تكن لدينا فكرة فلماذا لا يفكر مسئولو التعليم الذين يزعمون أنهم يسعون إلى تطويره؟

قصة المدينة التى تشتهر بمشرط الجراح ملهمة حقًا.. ومشرط الجراح هذا الذى جعلها واحدة من أهم مدن العالم هو ما نحتاجه حقًا لفتح بطن اليأس والإحباط وعلاج حالة عدم الرغبة فى التفكير المختلف التى نعانيها منذ سنوات طويلة.

أتمنى أن يفاجئنى أحد مسئولى مراكز الدراسات- وما أكثرهم- وأن يطلعنى على شىء من هذا القبيل.. أتمنى لو خرج أحد مسئولى الحكومة وقال لنا على الهواء مباشرة: لقد بدأنا فى المدينة الفلانية أو القرية العلانية مشروعًا مشابهًا.. ابحثوا عما نحتاجه ويستهلك أموالنا ويحوجنا للقريب والغريب.. اصنعوا شيئًا يذهب بنا إلى المستقبل.. إنه أمر غير مكلف على الإطلاق.. لقد صارت لدينا الطرق والموانئ والمطارات.. لدينا العمال أيضًا.. ولدىّ قناعة كبيرة بأنه لدينا الأموال اللازمة لمثل هذه المشروعات أيضًا.. وإذا ما أردنا تصنع.

لقد جمع مجموعة من شباب مصر الحقيقى ما يقرب من خمسين مليون جنيه لطفلة لا يعرفونها حقًا، لكنهم سمعوا أن مرضها نادر وأن حقنة بالملايين تحتاجها- وفى غضون أيام- ثمنها يقترب من الأربعين مليونًا.. لم تمر ساعات وأهل رقية، الطفلة الجميلة، الذين لم يكونوا يتوقعون أن يستجيب أحد لها ولاستغاثتها وجدوا الملايين فى حسابها.. أيام قليلة عندما قرر شباب مصر النقى أن يلتف حول «أهل رقية» ففعل.. وهو الأمر الذى يؤكد لنا مجددًا أننا نستطيع أن نفعل المستحيل.

أثق تمامًا فى ذلك.. وفى أننا نملك من المهارات والإبداع والقدرة ما يفوق تلك المدن ومثيلاتها فى العالم.. فقط لنبدأ الآن.