رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

المرأة المصرية وحديث القفة

تظل جريمة قتل "نيرة"، فتاة المنصورة، رغم بشاعتها، ذات دلالة فردية، لأن المجرم كما كشفت اعترافاته فى التحقيق مختل نفسيًا، وبالطبع فإن ذلك لا يبرر له ما قام به ولا يشفع فى تخفيف العقاب.

لكن يبقى أن الحادثة ليست مرتبطة لا بوضع اقتصادى عام ولا بقضية عامة، ويظل مغزاها فرديًا، إلا أن أهمية الحادثة فى أنها ألقت الضوء على طبقات من الوعى الاجتماعى الذى يكتنف وضع المرأة ويقودها إلى دروبه بالعنف الفكرى.

وكان حديث مبروك عطية أبرز نماذج ذلك الوضع حين خاطب المرأة بقوله: "لو حياتك غالية عليكِ اخرجى من بيتكم قفة"!.. ومن المدهش ألا يرى المرء فى الدم الذى يسيل سوى ملابس القتيل! فيوبخ الضحية ويلومها بدلًا من أن يوجه سهامه إلى القاتل وعوضًا عن إدانة الجريمة! وشتان ما بين طه حسين الأزهرى الذى ذكر أنه كان يحمل علبة أدوات الزينة لزوجته سوزان بكل محبة وتقدير، وأزهرى آخر جاء بعد أكثر من نصف قرن لينصح المرأة أن تكون قفة لا أكثر.

ويؤكد الفارق بين نظرة طه حسين ومبروك عطية أن الدين لا يقود الناس إلى التطرف، لكن الناس هم الذين يقودون الأديان إلى التطرف.

وفى واقع الأمر فإن تصريح "القفة" وصاحبه ليس سوى حلقة فى سلسلة تتفجر بطبقات الوعى المتخلف على ألسنة عبدالله رشدى، وأمثاله، وجدير بالذكر فى ذلك السياق أن محاميًا شهيرًا، هو نبيه الوحش، صرّح فى أبريل ٢٠١٧ بقوله: "البنت اللى مش بتحافظ على نفسها وتدعو الناس إنها تعاكسها ولابسة بنطلون مقطع اغتصابها واجب قومى والتحرش بها واجب وطنى"!

ويتضح عمق ذلك الوعى الاجتماعى المتخلف فى تعليقات الكثيرين على جريمة المنصورة، ومنها تعليق فى "فيسبوك" يقول صاحبه: "كان اغتصبها أحسن"! وتعليق آخر لشخص يبرئ القاتل قائلًا: «يا ريت نفهم اللى حصل، جايز إنها تستاهل اللى جرى لها وأنتم ظالمين الولد، لأن شكله راجل محترم أصلًا"!، بل ذهب بعض الأقوال إلى حرمان "نيرة" من دخول الجنة وأمرها بيد الله وحده سبحانه وتعالى.

إلى هذه الدرجة يتشبع الوعى العام بأن المرأة يجب أن تلزم البيت، وأن تصبح "قفة" وليست عالمة أو كاتبة أو مناضلة أو زميلة كفاح، فإذا لم تقبل بذلك المصير أصبح قتلها مباحًا، من الذى يشاهد أفلام البلطجة ويسهم فى انتشارها فى المجتمع؟

وقد أثارت الجريمة سؤالًا آخر يتعلق ببلورة الوعى العام، لكنه يخص هذه المرة مسئولية الثقافة عن استقرار الوعى المتدنى بقضية المرأة، وعن مدى مساهمة الأفلام التى تقدم البلطجى نموذجًا وبطلًا، وعن الأغنيات التى هبطت حتى القاع بالكلمات والمعنى، بل عن مدى مساهمة التربية والتعليم فى تكريس ذلك الوعى، واعتناق أن المرأة تؤخذ بالقوة ويجوز ضربها وإهانتها؟

ولقد تقدمت د. مايا مرسى، رئيس المجلس القومى للمرأة، ببلاغ للقضاء ضد مبروك عطية، وأوضحت سبب ذلك بقولها: "إن دماء هذه الفتاة وغيرها فى رقبة كل رجل دين خرج وتكلم عن ملابس البنات واستباح أمنها".. كما قامت جمعيات نسائية أخرى بتقديم بلاغات مشابهة.

لكن ذلك وحده لا يمثل حلًا للمشكلة، لأن المشكلة تستلزم منا تجديد الخطاب التعليمى والثقافى والفنى لكى نطوق بكل ذلك خطاب "القفة" ونحاصره، ولكى نرسخ فى الوعى وفى اللا وعى أن المرأة أجمل الكائنات وأنبل الأخوات ورفيقة النضال والقلم والعلم ومن دونها لا توجد حياة ولا أمل.