رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أسباب خوف الإرهابيين من التقارب المصرى- العربى

تابعت مع غيرى من المصريين مراسم استقبال الرئيس السيسى لأمير دولة قطر الشيخ «تميم بن حمد آل ثانى» فى قصر الاتحادية «بُنى فى عام ١٩٢٤»، وما تلا الزيارة وسبقها من ردود أفعال متباينة من المؤيدين والمعارضين ومن فلول الإرهاب المختبئة فى بعض شقوق الخارج. وأتوقف هنا بالاحترام عند مشاعر بعض المؤيدين للدولة المصرية الرافضة لتجاوز الماضى، وأسجل أن هذه طريقة تفكير عاطفية قد تناسب العلاقات الشخصية لكنها لا تناسب العمل السياسى والوطنى على الإطلاق، وهو ما سنتعرض له فيما بعد بالتفصيل.. أما ردود الأفعال الساخرة من فلول الإرهاب فى الخارج فتكشف قدرًا كبيرًا من الفزع لدى أصحابها الذين طالما قدموا أنفسهم كخدم وعملاء تابعين لمن يعادى الدولة المصرية ووجدوا فى ذلك سبيلًا للارتزاق والتمول والتكسب، ولعل أشد ما يزعجهم أن تنتهى الخصومة بين مصر وبين الدول التى وفرت لهم المال الوفير، حيث يغلق ذلك أبواب الارتزاق أمامهم أو يضيقها على الأقل.. ولا يخفى على أحد أن أساس الثروات الضخمة التى راكمتها جماعة الإخوان الإرهابية كان المنح والعطايا التى نالها من فروا من إرهابيى الجماعة لبعض الدول العربية منذ عام ١٩٥٤ حتى منتصف التسعينيات، حيث تمت رعايتهم وتسمينهم واستخدامهم كمخلب قط ضد وطنهم فى كل المعارك التى خاضتها مصر طوال عقد الستينيات حتى تم تأمين عودتهم إلى مصر برعاية أمريكية إقليمية بعد حرب أكتوبر ليلعبوا دورًا تخريبيًا داخليًا فى محو هوية المجتمع المصرى وتخريبه وقيادته نحو التطرف والتسلف والتواكل والتدين الشكلى إلى آخر ما نحصد ثماره حتى الآن، ومن ثم فمن الطبيعى أن يبدى هؤلاء الألم والحسرة أو أن يسألوا لماذا تتهموننا بالعمالة لهذا البلد أو ذاك ما دامت العلاقات بينه وبينكم طبيعية؟.. ورغم تنطع السؤال إلا أن الإجابة هى أن «الدولة» ككيان قانونى هى الجهة الوحيدة التى يحق لها ما لا يحق لغيرها وفق القانون.. فيحق لها مثلًا استخدام القوة المسلحة ولا يحق لغيرها من الأفراد أو التشكيلات ويحق لها ويجب عليها صياغة العلاقات بالدول الأخرى ولا يحق هذا للأفراد، وهذه بديهيات لا ينكرها سوى الجهلة وأنصار الفوضى الذين لا يعترفون بفكرة الدولة الوطنية من الأساس أو يدّعون هذا كستار للخيانة أو الارتزاق.. أيًا كان الأمر فإن هناك عدة ملاحظات تثيرها هذه الزيارة الأخوية والإيجابية عظيمة الدلالة، أولاها تأكيد خيبة فلول الإرهاب الذين راهنوا بعد ثورة ٣٠ يونيو العظيمة على حالة حصار دولى تضرب على مصر فإذا بمصر مؤثرة فى العالم كله وتمد جسور التصالح مع كل دول العالم بما فيها الدول التى ظن الإرهابيون أنها ستؤويهم إلى الأبد، وليس هذا دليلًا على صواب رؤية تيار الوطنية المصرية الذى اصطف خلف ٣٠ يونيو قبل وبعد قيامها فحيث يكون الشعب يكون الجيش وحيث يكون «الجيش والشعب» معًا تكون مصر وهذه حقيقة أدركها العالم كله وتعامل معها بعد أن استوعبها بالتدريج، فالاتحاد الإفريقى الذى جمد عضوية مصر فى ٢٠١٣ ترأسته مصر بعدها بسنوات قليلة، وتركيا التى هاجمت مصر رسميًا صارت دولة صديقة تسعى لتطبيع العلاقات، وإخوتنا فى قطر اكتشفوا أنه لا استغناء عن مصر لا من طرفنا ولا من جانبهم.. هذه حقائق التاريخ التى لا تقبل المغالطة.. من حقائق التاريخ الثابتة أيضًا التى أهديها لبعض المؤيدين أنه لا توجد صداقة دائمة ولا عداوة دائمة ولكن توجد مصالح دائمة، وهى مقولة قالها سياسى بريطانى مخضرم هو «ونستون تشرشل» رئيس الوزراء العجوز الذى أنقذ بريطانيا من الهزيمة وغيّر مسار الحرب العالمية الثانية كلها، والمقصود بالمصالح هنا بالطبع هى المصالح الوطنية العليا التى لا يدركها معدومو الوطنية وأعداء أوطانهم.. من حقائق التاريخ أيضًا أن مصر لا تقوى بغير العرب وأن العرب لا يقوون بغير مصر، واجتهادى فى قراءة التاريخ يقول إن أكبر أخطاء مصر عبدالناصر كان توتر العلاقات مع بعض الدول العربية فى الستينيات وما استتبعه ذلك من نزيف عربى داخلى لم يتوقف للأسف إلا بعد نكسة يونيو ١٩٦٧ واصطفاف الدول العربية لمحو آثار الهزيمة فى قمة الخرطوم، ولو أن المصالحة العربية قد سبقت النكسة لكان لمصر وللعرب شأن آخر.. ولكن هذا ما قضت به المقادير.. من حقائق التاريخ والواقع أيضًا أن العالم يشهد حالة غير مسبوقة من السيولة السياسية، وإعادة التشكيل، والعلاقات الدولية كلها يتم «ضربها فى الخلاط» وفق التعبير العامى الشهير، وبالتالى فإن مصالحة مصر مع غيرها من الدول العربية والإسلامية أمر طبيعى جدًا ومتفق مع الواقع العالمى والعربى والمصلحة الوطنية.. فأهم قادة العالم الغربى يعانى بعضهم من حالة «تصلب شرايين» صحية وسياسية، تجعل التنبؤ بتصرفات هذه الدول صعبًا، كما أن الإقدام على مصادرة ممتلكات روسيا فى الغرب أعطى انطباعًا بأن الغرب لم يعد مأوى آمنًا للاستثمارات العربية وغير العربية، وهى كلها عوامل يجب أن نضعها فى الاعتبار ونحن نقرأ التحركات المتسارعة فى المنطقة العربية وحالات تمتين العلاقات ومحو الخلافات وانفتاح الخليج العربى على قوى إقليمية كبرى لم تكن علاقته بها عادية فى الماضى البعيد أحيانًا وفى الماضى القريب فى أحيان أخرى.. هذا الانفتاح يجعل التقارب مع مصر أمرًا بديهيًا لأنه إذا كانت مصالح الإخوة قد اقتضت الاقتراب من الغريب فما بالنا بالقريب جدًا الذى هو مصر الأخت الكبرى والجيش القوى والملاذ الآمن لأى عربى؟