رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

مسرح إيزيس.. حين غنت أم كلثوم فى السيدة زينب

أم كلثوم
أم كلثوم

أهم شارع فى القاهرة قديمًا به مسارح للطبقة الراقية، كان شارع عماد الدين، أما أهم منطقة بها مسارح للطبقة الشعبية فكانت روض الفرج.. خلافًا لذلك هناك بعض الأماكن النائية بها مسارح أيضًا مثل «الكيت كات»، ومسرح «بيرة الأهرام».. إلخ. ولكن شارع عمادالدين ظل مهيمنًا على المناخ المسرحى لعشرات السنين، حتى نشبت الحرب العالمية الثانية عام ١٩٣٩، فتحوّلت المسارح إلى صالات وكباريهات.

والجدير بالذكر أن الحاج «مصطفى حفنى» كان صاحب عدة مسارح بعماد الدين، أهمها مسرح «برنتانيا»، ومع نشوب الحرب فكّر الحاج فى نقل نشاطه فى إنشاء المسارح من عماد الدين إلى حى السيدة زينب- الذى يسكن فيه- وتحديدًا فى شارع قدرى باشا. وبالفعل نجح الحاج فى بناء وإنشاء مسرح «إيزيس» على أحدث طراز، فقد كان يتسع لـ٨٠٠ متفرج، وبه ألواج وبناوير.. إلخ، وتوافرت فيه الشروط الصحية، وأهم شىء وجود مخبأ للوقاية من الغارات الجوية، التى كانت منتشرة فى القاهرة بسبب ظروف الحرب.

وصرّح الحاج مصطفى فى الصحف بأن افتتاح المسرح سيكون بحفلة غنائية للمطربة «أم كلثوم»! أما الافتتاح المسرحى فسيكون بعرض لفرقة رمسيس، أى فرقة يوسف وهبى!! هذا التصريح ظنه البعض دعاية للمسرح مبالغًا فيها، فمن غير المعقول أن أم كلثوم ستغنى فى السيدة، ولا فرقة رمسيس ستمثل فيها، ومرت الأيام ثقيلة حتى جاء يوم الافتتاح المسرحى، لكننى لم أجد أى خبر عن الافتتاح الغنائى، وأكبر الظن أن أم كلثوم لم تفتتح هذا المسرح، ولكن الافتتاح المسرحى كان يوم ١٧ يوليو ١٩٤٢، وكانت مفاجأة كبيرة لأهالى حى السيدة عندما شاهدوا يوسف وهبى وفرقته تفتتح مسرح إيزيس بمسرحية «بنت مدارس». 

وربما يظن القارئ أن يوسف وهبى تواضع وجامل الحاج مصطفى فافتتح له مسرحه بهذه المسرحية، والحقيقة أن يوسف وهبى عرض على هذا المسرح ثلاثين مسرحية مختلفة طوال ثلاثين يومًا متتالية من منتصف يوليو حتى منتصف أغسطس، والعروض منها: «الشيطان، عريس فى علبة، بنات الريف، أولاد الشوارع، حماتى طابور خامس، الجحيم، أولاد الفقراء، حدث ذات يوم، جوهرة فى الوحل، آخر العنقود، كرسى الاعتراف، حب عظيم، بيت الطاعة، على الموضة، القاتل، رجل الساعة، ابن الفلاح، يد الله، امرأة لها ماضى، أولاد السفاح، شارع عماد الدين، خفايا القاهرة، الولدان الشريدان، زواج بلا حب، الشهيدة، الاستعباد، ألف ضحكة، المليونير».

بعد انتهاء عروض الفرقة، وجدنا الإعلانات تتوالى حول قُرب عروض «على الكسار»، وبالفعل عرضت فرقة الكسار مسرحياتها فى سبتمبر ١٩٤٢، وبدأتها بمسرحية «مستعجل جدًا»، ثم توالت العروض، ومنها: «البكاشة، بدر البدور، الطمبورة، ورد شاه، الغنى والفقير، الصياد، الحساب، البربرى فى الهند، زال الشر، حكيم الزمان، حماتك تحبك، زهرة الخبازة، مسير الحى، بنت فرعون، بوابة جحا، عمك شنطح»! وهذه العروض كانت بطولة «عقيلة راتب» و«إبراهيم حمودة» و«محمد عبدالمطلب»، وفى عيد الأضحى كانت الفرقة تقدم ثلاث حفلات يوميًا.

فى مارس ١٩٤٣، عاد يوسف وهبى مرة أخرى إلى مسرح إيزيس وعرض مجموعة من مسرحياته، مثل: «رجل الساعة، كرسى الاعتراف، بنات الريف، على الموضة، بيت الطاعة، الشيطان، حدث ذات يوم».. إلخ، وتكرر الأمر فى شهر مايو!! وهذه الزيارات لفرقة يوسف وهبى العريقة، وتقديمها عروضها الضخمة فى حى السيدة زينب الشعبى، ربما تجعل القارئ يظن أن فرقة يوسف وهبى التى تعرض هى الصف الثانى أو كومبارس الفرقة، ولا يوجد بين ممثليها نجوم الفرقة المعروفون!! أو ربما العروض يتم عرضها بأقل التكاليف، دون أى عناية مستحقة! وهذا الظن مقبول منطقيًا، ولكن لو عدنا إلى هذا الزمن سنجد مقالة منشورة فى جريدة «المقطم» فى مايو ١٩٤٣، جاء فيها الآتى:

«لقد أسدى الأستاذ الكبير يوسف وهبى إلى سكان الحى الوطنى العامر (السيدة زينب) أكبر خدمة اجتماعية بعرض رواياته المسرحية النفيسة على المسرح الصيفى الجديد (إيزيس).. فإن السواد الأعظم من سكان هذا الحى كان محرومًا من مشاهدة التمثيل الراقى لبُعد مراسح العاصمة عنهم، وكانوا محرومين من التمتع بمباهج الربيع وسهرات الصيف، هم وسكان الأحياء المجاورة لحيهم.. ومسرحيات الأستاذ يوسف وهبى كلها من صميم الحياة المصرية وفيها عظات بليغة ودروس مفيدة، مآسيها رائعة وفكاهاتها راقية وألوانها زاهية.. وقد سد مسرح إيزيس فراغًا كبيرًا كان حى السيدة زينب يشعر به.. ومما يدعو إلى الاغتباط أن فرقة يوسف وهبى تمثل على هذا المسرح بمثل العناية التى تمثل بها على مسرح الأوبرا الملكية، لأن الفن عند يوسف وهبى المقام الأول هنا وهناك، وفرقته المؤلفة من الممثلين البارعين لا تتغير بتغير المكان.. وتلقى روايات الفرقة تقديرًا وارتياحًا كاملين من الجمهور، حتى إنه يشهد كثيرًا منها مرتين وثلاث مرات بدون أن يشعر بملل، وفى هذا الدليل الواضح على قوة هذه الروايات وملاءمتها لذوق الجمهور وعلى حظوة يوسف وهبى والممثلة البارعة أمينة رزق والسيدة علوية جميل وسائر أفراد الفرقة بمحبة الشعب المصرى على اختلاف طبقاته».

وكالعادة، يخرج يوسف وهبى من مسرح «إيزيس»، فيدخله على الكسار! حدث هذا فى ديسمبر ١٩٤٣ عندما عرض الكسار مسرحية «العمر واحد» وبفرقة تتكون من: إبراهيم حمودة، بديعة صادق، سعاد حسين، عبدالعزيز أحمد، توفيق صادق، لطفى الحكيم، لطفية نظمى، فتحية على، رجاء محمد.. والطريف أن الإعلان به عبارة تقول: «علاوة على البرنامج التمثيلى الغنائى تقدم الفرقة منولوجات المنولوجست البلدى المحبوب (شكوكو)».

وبعد انتهاء الحرب تحوّل مسرح إيزيس إلى دار سينما تابعة للشركة الشرقية للسينما، لذلك أطلقوا عليها اسم «سينما الشرق»، ويشاء القدر أن أم كلثوم التى قيل إنها افتتحت المسرح- أو هكذا صرح الحاج حفنى- هى نفسها «أم كلثوم» التى افتتحت «سينما الشرق» فى مارس ١٩٤٨ بفيلمها «فاطمة»، وحضر معها افتتاحه: أنور وجدى، عزيزة أمير، محمود ذوالفقار، فريد الأطرش، سامية جمال.