رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

رؤية كيسنجر الروسية ضد الخيار السياسى الأوكرانى والدولى

يمتلك المحلل والكاتب الصحفى الكبير مصطفى أبولبدة، حيوية ونظرة مختلفة للأمور، بالذات فى وقت الأزمات، وهو يقرأ فى مقالة مهمة، كيف يفكر شخصية سياسية دولية مثل «كيسنجر»؛ ذلك أنه، كسياسى عجوز، شغل العالم فى الشرق والغرب، عبر مشاركته فى منتدى دافوس. 
مصطفى أبولبدة، يتركنا نستمتع مع مختصر سيرة كيسنجر، ويقول: «على الأرجح، - كيسنجر- أكبر سياسيى العالم سنًا، حيث ولد مثل هذه الأيام قبل 98 سنة (27 مايو 1923)، عُمره رُبع عمر الجمهورية الأمريكية، لكنه لا يزال متوقد الذهن والذاكرة، ويمتلك من تاريخه الأكاديمى ومشاركته الطويلة فى إدارة الحرب العالمية الباردة من مواقعه فى البيت الأبيض وأكنافه، ما يوجب الاستماع له، ويستأهل متعة قراءة النعوت والشتائم التى ما زالت تُلقى عليه ابتداءً من الدهاء، والمكر، والبراجماتية، وانتهاءً بالذين يندهشون وهم يكتشفون أنه ما زال حيًا، وما زال مفيدًا، فهو الذى كان رأيه أن «الرجل عندما يشيخ لا تعود له وظيفة إلا المشاركة فى المائدة».

* بعد اقتراح كيسنجر..

قال لى العديد من الشخصيات السياسية، إنهم فى حيرة من اقتراحات وآراء هنرى كيسنجر، وهذا الالتفاف نحو النظرية الروسية فى مبررات الحرب على أوكرانيا، ذلك ما تم فهمه من بعد اقتراح كيسنجر، الذى يرى أن تنازل كييف لموسكو حتمي.

يبدو، وهذا تحليلى الأولى لرؤية كيسنجر، أنه انحياز- غير مبرر جيوسياسيًا ولا أمنيًا ولا عسكريًا، وهذا ما أثاره، ربما بقصدية دبلوماسية، أو أن كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، يريد إحداث تفاعل واسع عبر منصة سياسية اقتصادية فى دافوس. 
رؤية كيسنجر الأمريكي، وانحيازه الخطر نحو الاستبدال الروسي، ذلك أن الحرب ما زالت حامية الوطيس، ليخرج بـ«نظرية كيسنجرية روسية»، بدت مدهشة، وتبدو مجرد اقتراح، خلاصته أن تهدف مفاوضات السلام بين أوكرانيا وروسيا إلى إنشاء حدود فى دونباس، كما كانت موجودة عشية الغزو الروسى لأوكرانيا الذى بدأ فى فبراير.

* الخط الفاصل هو العودة إلى الوضع السابق


كيسنجر 98 عامًا، قال: «يجب أن تبدأ المفاوضات فى الشهرين المقبلين قبل أن تحدث اضطرابات وتوترات لن يتم التغلب عليها بسهولة»، وأضاف: «من الناحية المثالية، يجب أن يكون الخط الفاصل هو العودة إلى الوضع السابق»، مما يشير على ما يبدو إلى أن أوكرانيا توافق على التخلى عن جزء كبير من دونباس وشبه جزيرة القرم.
ما ندركه، أن استراتيجيات الوعي، عند كيسنجر، ربما تنحاز فى هذا العمر نحو الجدل، وربما تسويق تالى العمر.

وهذا الأمر، مع معركة مراكز البحوث والبنتاجون، والاستخبارات فى الولايات المتحدة والناتو، كان رد الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، فى رسالة بالفيديو،  قائلًا، بثقة الرئيس المقاوم: «بصرف النظر عما تفعله الدولة الروسية، هناك من يقول: لنأخذ مصالحها فى الاعتبار، هذا العام فى دافوس، سمع مرة أخرى، على الرغم من سقوط آلاف الصواريخ الروسية على أوكرانيا، وعلى الرغم من عشرات الآلاف من الأوكرانيين الذين يقتلون، على الرغم مما حدث فى بوتشا وماريوبول وغيرهما من المدن المدمرة، ومعسكرات التصفية التى أقامتها الدولة الروسية والتى يقتلون فيها ويعذبون ويغتصبون ويهانون».

وكمن يفهم دوره، ويضع إشارات على الأداء، قاوم الرئيس الأوكراني، اقتراحات العجوز كيسنجر: «لقد فعلت روسيا كل هذا فى أوروبا، لكن مع ذلك، فى دافوس، على سبيل المثال، يخرج كيسنجر من الماضى العميق ويقول إن قطعة من أوكرانيا يجب أن تُمنح لروسيا». 
* ماذا يا مصطفى أبولبدة.. هل كيسنجر كيسنجر؟

مع صراع الشرق والغرب على مقترح كيسنجر، أعود إلى صديقى الذى يعرفنا، بدقة الحكيم، من هو هذا الكيسنجر:
«تستطيع أن ترمى عليه ما تشاء من النعوت وأنت تستحضر دوره فى الإدارة الأمريكية لماراثون أزمات الشرق الأوسط (1969-1977)، وعندما كان مستشارًا لجورج بوش الابن فى حربى أفغانستان والعراق.

لكنك.. يقول-أيضًا-: «ربما لن تستطيع مقاومة الحرص على سماعه وهو يتحدث الآن عن المشهد العالمى الجديد.. على الأقل لترى أين موقع الشرق الأوسط فى خريطة القوى التى ستنتهى إليها تسوية الحرب الأوكرانية، عندما يحين موعدها». 

وعن «فهمه لشخص الرئيس الروسي، يقول كيسنجر إنه التقى فلاديمير بوتين بمعدل مرة كل سنة على امتداد 15 عامًا.
ونقطة الانطلاق فى فكر بوتين هى «نوع من الإيمان الصوفى بالتاريخ الروسي، إيمان مشوب بمشاعر الإهانة».

ويبرر أبولبدة الأمر معللًا: «إهانة سببها الفجوة الهائلة التى انفتحت مع أوروبا والشرق، ولذلك، نشأ لدى (بوتين) إحساس بالمهانة والخطر لأن بلاده كانت مهددة بالتوسع الاستيعابى من طرف حلف الناتو».
* بوتين أخطأ فى تقييم قدرات روسيا

يتوقف المحلل الاستراتيجي، نحو وعى كيسنجر-وهنا ربما نختلف جزئيًا-، فيكتب: «يرى كيسنجر أن بوتين أخطأ فى تقييم قدرات روسيا بالحفاظ على المشروع الكبير الذى يهجس هو به، ولذلك على الولايات المتحدة والغرب أن يأخذا هذا الأمر بالاعتبار عندما يحين موعد التسوية».

نصر معه: «ولن تعود الأمور والعلاقات السابقة، لأن روسيا ستكون روسيا مختلفة، ليس لأن الغرب هو الذى صنع هذا الوضع الجديد، بل لأن الروس هم الذين فعلوا ذلك».

من الذكاء فهم لماذا يقول السياسى العجوز عن روسيا الغازية، ما يخلخل التحالف ضد الحرب: «وعما إذا كان بوتين مُحصنًا بمعلومات جيّدة، ومناعة ضد الحسابات الخاطئة، يرى كيسنجر أن الأهم فى هذا النوع من الأزمات هو أن يعرف المرء أو يحاول فهم ماهيّة الخط الأحمر لدى خصمه».

وأنقل التحليل، بهدوء صاحب «الاتجاهات الأربعة»: «يصبح السؤال الأكبر هو: إلى متى يستمر هذا التصعيد فى الحرب الأوكرانية، وما المجال المتاح لمزيد من التصعيد..؟ وعلى الأطراف ذات الصلة أن تقرر فى أى نقطة سيؤدى تصعيد الحرب الى الإجهاد المجتمعى بالدرجة التى تحدّ من أهلية روسيا أن تبقى قوة عظمى فى المستقبل».

ويقرّ أنه لا يعرف متى سيصل بوتين إلى هذه النقطة أو القناعة، لكنه عندما يصلها قد ينتقل إلى استخدام نوعية من الأسلحة لم يتم استخدامها مطلقًا خلال السنوات السبعين الماضية، وعندما تتجاوز الأمور هذا الحاجز.


فى العمق الجيوسياسي، يعد تحليل هينرى كيسنجر لوضع بوتين ومعتقداته الأساسية، من أساسيات الوعى السياسى الإعلامي، ما يثير تفاعلًا، بين الأطراف كافة. 
فى المنطقة والإقليم، نكاد لا نستبصر ما يرنو إليه كيسنجر، وإن كانت المؤشرات الأولى، هى الرفض المقترح، وهناك من اتهم كيسنجر بالميل، نحو توازن القطبية العسكرية والاقتصادية، داعيًا لهيمنة روسية، دون تعليل منطقي.

فى التقارير الأمنية الأمريكية، تم التركيز على عبارة قالها كيسنجر، وسببت الألم لجميع أطراف التحالف ضد روسيا، العبارة تقول: «مواصلة الحرب بعد تلك النقطة لن تكون حول حرية أوكرانيا، بل حرب جديدة ضد روسيا نفسها».

* عائلة السيد كيسنجر تفر من ألمانيا النازية

ربما نجح الرئيس الأوكراني، فى إثارة الجدل، تاريخيًا وسياسيًا، من واقع دورة الحرب والمعارك فى بلاده، فقال متحدثًا عن كيسنجر حكاية قديمة: «يبدو أن تقويم السيد كيسنجر ليس عام 2022 بل عام 1938، وأعتقد أنه كان يتحدث إلى جمهور ليس فى دافوس ولكن فى ميونيخ آنذاك»، وأضاف: «بالمناسبة، فى عام 1938، كانت عائلة السيد كيسنجر تفر من ألمانيا النازية وكان عمره 15 سنة».

وتابع أن «أولئك الذين ينصحون أوكرانيا بتقديم شيء ما لروسيا السياسيون الجغرافيون العظماء، لا يريدون دائمًا رؤية الناس العاديين»، وذكر: «الأوكرانيون العاديون الملايين من أولئك الذين يعيشون بالفعل فى الإقليم الذى يقترحون استبداله بالوهم السلام، عليك دائمًا أن ترى الناس». 
قد يدرس انحياز كيسنجر وقد يعود عنه، فمن يسمع قرقعة الحرب العالمية الثالثة هو رئيسه جو بايدن.. لننتظر!