رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

ميلاد «الأخطبوط»

بينما كانت الإخوان تقوم بأنشطتها المعتادة خلال فترة الثمانينيات، وتتمدد داخل النقابات وأندية أعضاء التدريس، وتحصد المقاعد داخل مجلس الشعب، كان أخطبوط إسلامى آخر ينمو ويمد أذرعه فى أنحاء عديدة من مصر، يتفوق على أعداد الإخوان فى الكم، وإن اختلف عنهم فى أسلوب الأداء وطبيعة العلاقة بالسلطة، هو الأخطبوط السلفى.

السلفية فى مصر تيار قديم يعود إلى مدرسة الإحياء الإسلامى فى الفكر المصرى الحديث، وهى المدرسة التى تزعمها الإمام محمد عبده الذى تبنى العديد من الأفكار الإصلاحية الداعية إلى إعادة سابق مجد الأمة الإسلامية من خلال الأخذ بأسباب العلم والتنور والتقدم كقيم دعا إليها الإسلام، وعمل بها ورعاها الأجداد الأولون. وإذا كان الإحياء والعودة إلى ما كان عليه السلف قد اتخذ وجهًا علميًا عصرانيًا لدى الشيخ الإمام محمد عبده، فقد اتخذ وجهًا وهابيًا لدى غيره من المفكرين الإحيائيين الذين ظهروا من بعده، مثل الشيخ رشيد رضا، الذى كان من مدلولات الإحياء عنده تحرير العقيدة مما علق بها من خرافات وبدع وأوهام، والعودة إليها فى أكثر العصور الإسلامية نقاءً: عصر النبى صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين، والاعتماد على الأصلين الكبيرين فى صياغة رؤيتنا للعصر: كتاب الله وسنة نبيه. وعلينا ألا ننسى أن الشيخ رشيد رضا كان من أكثر المؤمنين بفكرة الخلافة الإسلامية، وقد ألف كتابًا للدفاع عنها فى مواجهة ما طرحه الشيخ على عبدالرازق فى كتابه «الإسلام وأصول الحكم». وقد وصف الدكتور «محمود مازن» الشيخ رشيد فى كتابه: «السلفية والربيع العربى» بالميل إلى أفكار الشيخ محمد بن عبدالوهاب.

حتى ذلك الحين لم تكن السلفية أكثر من أفكار يتبناها بعض المشايخ أو دعاة الإصلاح، ولم يكن لها أى وجه تنظيمى، وحتى بعد نشأة «الجمعية الشرعية» عام ١٩١٢، وهى أول جمعية سلفية فى مصر، على يد الشيخ محمود خطاب السبكى، لم يكن لها نشاط منظم إلا فى المجال الخيرى والدعوى، وابتعدت كل البُعد عن أى عمل سياسى، خلافًا لجماعة الإخوان التى ظهر لها نشاط سياسى واضح منذ نشأتها عام ١٩٢٨. وينطبق على جمعية أنصار السنة المحمدية التى أسسها محمد حامد الفقى عام ١٩٢٦ ما ينطبق على الجمعية الشرعية. 

وفى سياق المواجهات الدامية بين جماعة الإخوان وعبدالناصر خلال فترتى الخمسينيات والستينيات تراجع وجود الإسلاميين بشكل عام فى الشارع، ولكن ظل السلفيون موجودين، متمثلين فى الدعاة والمشايخ الذين يرددون على المنابر ومنصات الدعوة أن آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها، وبعض المصريين الذين يرتدون الجلابيب ويطلقون اللحى كنوع من الرمزية على التمسك بسنن النبى، صلى الله عليه وسلم، هؤلاء الذين كان ينعتهم البسطاء من المواطنين بـ«السنية»، وهو لفظ يحمل شحنة دلالية تشير إلى الوجه السلفى المتسنن لهؤلاء الأفراد الذين يتصور البسطاء أنهم يعملون على إحياء سنن الماضى النبوى والراشدى بصور مختلفة.

ومع تولى الرئيس أنور السادات حكم مصر أواخر السبعينيات، بدأ الإسلاميون يجدون متنفسًا لهم فى سياق الأجواء الجديدة التى عمل الرئيس على إيجادها فى الواقع، فتأسست الجماعات الإسلامية فى الجامعات، ومارست نشاطًا دعويًا متعدد المستويات، ورغم تحلقها حول الفكرة السلفية، فإن البعض اعتبرها وجهًا جديدًا تلونت فيه جماعة الإخوان، وقد وجد أصحاب هذا الطرح الدليل على صدق نظريتهم حين بادر العديد من عناصر هذه الجماعات إلى الانضمام رسميًا إلى الإخوان بعد أن عادت للعمل بالتوافق مع السادات عام ١٩٧٧، وكان من بينهم بعض رموز الجماعة السلفية بجامعتى الإسكندرية والقاهرة، لكن بقى داخل الجماعة الأولى على وجه التحديد مَن تمسك بالفكرة السلفية ورفض الدخول فى عباءة جماعة الإخوان، وانسحبت عدة أسماء بارزة من الجماعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية، وأسست فيما بينها «المدرسة السلفية»، ومن أبرز هذه الأسماء إسماعيل المقدم وياسر برهامى.

حرص السلفيون الذين تبلوروا أخيرًا فى شكل تنظيمى دعوى فاعل على الأرض من خلال «المدرسة السلفية» بالإسكندرية على تمييز أنفسهم عن الإخوان، برفض الاشتباك مع المسائل السياسية، وركزوا فقط على النشاط الدعوى، بالإضافة إلى بعض الأنشطة التجارية.

وإذا كان السادات هو المسئول الأول عن الميلاد الجديد لجماعة الإخوان فى السبعينيات، فقد كان حسنى مبارك مسئولًا عن الميلاد الجديد للسلفية فى مصر خلال فترة حكمه. ويبدو أن «مبارك» وجد فى السلفيين بديلًا جيدًا يستطيع سحب البساط من تحت أقدام الإخوان داخل الشارع المصرى، ويمكن استخدامهم كورقة لملاعبة الجماعة الأم، وضرب الفكرة الشائعة التى تقول بأن الشارع الإسلامى للإخوان وحدهم، أضف إلى ذلك أن السلفيين شكلوا بديلًا مريحًا بالنسبة لمبارك، بسبب عزوفهم عن العمل السياسى، وميلهم إلى تأييد ولى الأمر والسمع والطاعة له، دون الانخراط فى تقييم ممارساته ومنافسته سياسيًا كما يفعل الإخوان.

تركيبة الحركة السلفية وطبيعتها سهلتا أيضًا على الأجهزة الأمنية التعامل معها، إذ يرى السلفيون أن هذه الأجهزة تعبر عن ولى الأمر، وأن عليهم طاعتها كجزء من طاعتهم لولى الأمر، وبدلًا من التركيز على السياسة والمنافسة السياسية، كما يفعل الإخوان، ركز السلفيون أكثر على الأنشطة التجارية، وتجلى ذلك فى العديد من المشروعات الاقتصادية الكبرى، مثل مشروع التوحيد والنور الذى أسسه «سيد السويركى»، وقد بدأ نشاطه فى الثمانينيات فى عصر مبارك، ولا يخفى أيضًا الوجه السلفى الذى رسمه بعض أصحاب شركات توظيف الأموال فى الثمانينيات، مثل أفراد عائلة الريان والشريف والسعد وغيرهم. وكان من الملامح الأساسية للتعبير السلفى التجارى أيضًا محلات «البيع بالتقسيط» التى انتشرت فى شوارع القاهرة والمحافظات والتى كانت مملوكة لسلفيين، ويعمل فيها سلفيون.

نخلص مما سبق إلى أن «مبارك» أفسح مجال الحركة والعمل أمام السلفيين، تمامًا مثلما أفسح السادات المجال للإخوان، وكان ثمّة وجهان أساسيان تجلى فيهما النشاط السلفى: الأول هو النشاط الدعوى، والثانى هو النشاط التجارى، لكن السلفيين لم يكتفوا بذلك، بل بدأوا فى البحث عن وجه ثالث، وجدوه فى الإعلام.