رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

دائرة العنف

قد لا يهم ما يحدث.. المهم ما قيل عنه، هكذا علمونا فى كليات الإعلام، بعد سنوات أدركت أن تلك العبارة لا تصلح لكل الأزمنة ولا لكل الأماكن.. فى كل ما يخص إسرائيل هذه العبارة ليست دقيقة، فى إسرائيل مُهم ما حدث، ومهم ما قيل عنه، ومهمة هى نتائجه، ومهم أيضًا تداعياته، ومهم ما سيحدث فى اليوم التالى.

منذ أكثر من ثمانية أسابيع هناك موجة عمليات، الضفة مشتعلة، عمليات فلسطينية فى وسط المدن وعند نقاط التفتيش وعند الحواجز، وتحركات إسرائيلية فى جنين، والقرى الفلسطينية المجاورة، الشاباك يجمع المعلومات الاستخباراتية، والقوات تنتشر على خط التماس، والجيش الإسرائيلى يقتحم، وينفذ اعتقالات، وتبدأ الاشتباكات.

حتى الآن لا تبدو أى إشارات تدل على نهاية تلك الموجة، فى إسرائيل يسمون العمليات العسكرية فى الضفة باسم «كاسر الأمواج»، والتفسير هو أن القوات الإسرائيلية تتحرك لوقف موجة العمليات وكسرها.

كل ما سبق اعتدنا عليه- من يتابع الصراع منذ زمن- الجديد الآن هو أن المواجهات ليست فقط فى أزقة الضفة وضواحيها، ولكن المواجهة الأكبر والأخطر هى فى وسائل التواصل الاجتماعى، ووسائل الإعلام.

مقاطع فيديو من أحداث الأيام الأخيرة تعرض صورًا قاسية، جندى يضرب فلسطينية، ورجل يتم ضربه، وصولًا إلى الصورة الحزينة الأشهر، يوم تشيع جثمان الصحفية شيرين أبوعاقلة، ومشهد ضرب الجنود لحاملى التابوت!

إسرائيل التى تركز حملاتها الإعلامية حول التطبيع والسلام والمشاركات العربية، والتعايش السلمى، تعيدها هذه الصور سنوات للوراء، إلى سنوات الانتفاضة، والحروب، وأشياء يتمنى الإسرائيليون نسيانها ويريدون من العالم نسيانها أيضًا، لكن الفلسطينيين يستيقظون يوميًا ليذكروها ويريدون العالم تذكرها أيضًا.

المشكلة ليست فى الصور والفيديوهات التى تحمل عنفًا بدون شك، المشكلة أن القصة خلف الصورة أو الفيديو لا يعرفها أحد، فعلى سبيل المثال، يتحرك شاب بشكل مشتبه به نحو قوة إسرائيلية عند نقطة تفتيش، ورغم التحذيرات بألا يقترب هو يقترب، بالنسبة للإسرائيليين هو فى طريقه لتنفيذ عملية، والقاعدة تقول إذا لم أقتله سيقتلنى، وتبدأ عملية إطلاق النار، الصورة لا تحكى الحكاية كلها، ولا تشرح الخلفية والأمور المعقدة.

المشكلة أن خلفية العنف لا تظهر فى الصورة، لكن هذا لا يمنع أن المشكلة الأكبر أن هناك عنفًا حقيقيًا وتم توثيقه، فكم مرة كان المشتبه به لا يستحق إطلاق النار؟ أعتقد كثيرًا، أفيف كوخافى يعرف، هذا يحدث تقريبًا كل يوم وفى كل مكان، فى النهاية نسمع العبارة التقليدية، الحادث قيد الفحص!

من جهة أخرى، فإن التوتر الذى فى الساحة والعمليات التى فى كل مكان، جعلت الطرفين فى أقصى درجات غضبهم، الجنود الإسرائيليون يتوقعون عملية فى كل نقطة، والفلسطينيون غاضبون من وقوع ضحايا فى صفوفهم، والعمليات والرد عليها تفتح الشهية إلى المزيد من العمليات.

فى الساحة العسكرية من الصعب على الفلسطينيين أن يهزموا إسرائيل، هناك فجوة معروفة فى التسليح والقدرات، لكن فى حرب الوعى، لدى الفلسطينيين أسلحة مجانية، متاحة يوميًا على شبكات التواصل الاجتماعى، كل الجبهات مرصعة بالكاميرات، فى الأقصى والقدس والخليل، كل حركة تصور، فى باب العامود يوجد صحفيون وإعلاميون أكثر من عدد المتظاهرين، وحتى لو لم يوجدوا، كل فلسطينى يحمل هاتفًا لديه بث مباشر خاص، وفيديوهات نشرها أسهل كثيرًا من نشر القوات الإسرائيلية على خط التماس فى الضفة الغربية. كل هذا يتكرر مرة كل بضعة أشهر.. دائرة العنف تم إغلاقها منذ زمن.. ولا تتوقف أبدًا.