رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

ملامح التطرف العنيف فى الشوارع الأمريكية

وسط الانشغال والحديث عن الاقتصاد وقيادة الصراع مع روسيا، صُدم المجتمع الأمريكى مؤخرًا بالجريمة التى شهدتها مدينة «بوفالو» بولاية نيويورك السبت الماضى، حين فتح المراهق الأمريكى «بايتون جيندرون» النار؛ ليوقع ١٠ أشخاص قتلى دفعة واحدة فى أحد محال السوبر ماركت. مدينة بوفالو تقع فى غرب نيويورك على السواحل الشرقية من بحيرة «إرى» على رأس نهر نياجرا، مطلة من الجانب الآخر على مدينة فورت إيرى الكندية، حيث تعد حاضنة لأكبر القطاعات الاقتصادية فى الولايات المتحدة، منها الخدمات المالية والتكنولوجيا والرعاية الصحية والتعليم. وهى المدينة الثانية بعد نيويورك من حيث الاكتظاظ بعدد السكان، واللافت أن مجلة «فوربس» صنفتها فى العام ٢٠١٠ فى فئة أفضل ١٠ مدن لتربية الأسرة فى أمريكا!

جهات التحقيق الشرطية التى تمكنت من توقيف مطلق النار «جيندرون»؛ وصفت الحادثة سريعًا وبشكل مبدئى دون مواربة بجريمة الكراهية العنصرية المطلقة، ووافقها على ما يبدو غالبية الساسة الأمريكيين، ومنهم الرئيس جو بايدن الذى وصف تلك العنصرية بـ«الوصمة» على جبين أمريكا. كما لم يجد المدعى العام سوى اتهام بايتون جيندرون بارتكاب جريمة القتل من الدرجة الأولى «سبق الإصرار والترصد»، وأصدر قرارًا باحتجازه ومن دون كفالة، حيث أفادت معلومات الشرطة بأن المتهم قاد سيارته من بلدته «كونكلين»، التى تقع على مسافة أكثر من ٣٢٠ كيلومترًا من موقع ارتكاب الجريمة، وأنه ارتدى سترة واقية من الرصاص واستخدم بندقية هجومية نصف آلية حديثة «AR ١٥» فى إطلاق النار، الذى أودى بحياة عشرة، وأصاب ثلاثة منهم ١١ أمريكيًا من أصول إفريقية. أثناء ذلك بدا سلوك جيندرون به قدر من الهوس، حيث حرص على بث وقائع الجريمة، فقد استخدم شبكة «تويتش» الاجتماعية لينقل وقائع الهجوم مباشرة أثناء تنفيذه، واستمر البث المباشر لمدة دقيقتين كاملتين، قبل أن تنتبه الإدارة التقنية للشبكة، وتقوم بقطع البث.

وصول شرطة المدينة إلى مكان الجريمة على نحو عاجل وقيامها بمحاصرة القاتل، ربما أسهم فى تقليص عدد الضحايا الذى كان مرشحًا للارتفاع على ما يبدو، فقام أفراد الشرطة بتقييم سريع لحالته التى بدت على هذا النحو من الحماسة المرضية، واستخدمت الرصاص تجاهه فتمكنت من السيطرة عليه واستخدمت التفاوض معه حين هدد بقتل نفسه، موجهًا سلاحه الذى كان لا يزال محشوًا بالرصاص إلى رقبته لكن جرى القبض عليه فى النهاية. بعد أيام من التحفظ والتحقيقات الشرطية تبين أن بايتون جيندرون قام بتدوين اسم «أندرس بريفيك» على سلاحه الذى استخدمه فى الهجوم، باعتباره ملهمًا له على ما يتضح أو مؤمنًا بأفكاره، فبريفيك هو منفذ الجريمة الأكبر المرتبطة بتلك العقيدة المتطرفة التى تسمى «مجزرة النرويج». تحتل الصدارة وتعد النموذج البارز، وأطلق على مرتكبها السفاح بريفيك، حين هاجم فى ٢٢ يوليو ٢٠١١ مخيمًا عماليًا فى جزيرة «أوتويا» النرويجية، وظل يطلق النار لنحو ساعتين كاملتين وحده، موقعًا حصيلة قدرت بـ«٧٧ ضحية» فى هذا الهجوم، وبعده فى تفجير قنبلة قرب مقر الحكومة فى العاصمة أوسلو، فضلًا عن عشرات من الجرحى. ظهر هذا التبجيل لأندرس بريفيك وعقيدته المناهضة للسود، التى تنضح بالعنصرية الهجومية المقيتة، فى بيان من «١٨٠ صفحة» يحمل تنظيرًا، واحتفاء بتلك العقائد نشر على الإنترنت، وفصلت فيه خطة لاستهداف الأحياء السكنية ذات الغالبية السوداء أو المسلمة، كما ظهرت بداخله مساحة كبيرة تناولت مذبحة عام ٢٠١٩ التى راح ضحيتها ٥١ مصليًا، فى مسجدين بمدينة كرايست تشرش فى نيوزيلندا، وقد توصلت الشرطة إلى أن جيندرون اطلع عليه وروج له ويحتفظ به فى ملفاته الشخصية.

الصدمة مروعة بالطبع؛ لكنها ليست الأولى ويبدو أنها لن تكون الأخيرة، على الأقل فى المدى المنظور، فالهجوم الأخير أعاد إلى الأذهان الأمريكية ذكريات بعض أسوأ الهجمات العنصرية فى تاريخ الولايات المتحدة الحديث، من بينها قتل شاب أبيض لتسعة مصلين فى كنيسة سوداء فى كارولينا الجنوبية عام ٢٠١٥، وأيضًا هجوم رجل أبيض فى تكساس عام ٢٠١٩ أودى بحياة ٢٣ شخصًا معظمهم من أصول أمريكية جنوبية، ولهذا هناك ملمح ظاهر من خلال متابعة التعليقات الأمريكية والتغطيات الخاصة بتلك الحوادث الكبيرة منها بالخصوص، نجد تطورًا وتناميًا فى الشعور بالقلق من خلال توصيف «جرائم كراهية»، ومن ثم أصبح لاحقًا مرتبطًا بـ«العنصرية»، خاصة بعدما تكرر استهداف الجرائم للعرق الأسود من أصول إفريقية أو أمريكا الجنوبية، حتى وصل إلى مرحلة الجريمة الأخيرة التى شهدت وصف «الإرهاب الداخلى» على لسان أكثر من مسئول ومن تعليق إعلامى. مثلما وصفت المدعية العامة «ليتيا جيمس» السوداء هجوم بوفالو بأنه «إرهاب داخلى» بوضوح وبساطة، متوعدة مطلق النيران بالمحاكمة بأقصى حد يسمح به القانون. وأيضًا فى المؤتمر الصحفى الذى أدلى فيه ممثل مكتب التحقيقات الفيدرالية خلاله ببيان، اعتبر الهجوم فيه جريمة مدفوعة بالكراهية لكنها تظل قضية «تطرف عنيف» بدوافع عنصرية، بعد أن أشار هو الآخر إلى أن هناك كلمة مهينة وعنصرية، ويحظر استخدامها فى الولايات المتحدة لوصف السود، كتبت بالأبيض على السلاح المستخدم فى الجريمة الأخيرة التى تضاف لسجل صار متخمًا ويشهد تنامى معدلاته بوتيرة تثير القلق المجتمعى بشدة.

أحدث البيانات التى ترصد طبيعة مسببات الوفاة فى الولايات المتحدة، حددت بياناتها أن جريمة القتل بسلاح نارى سجلت فى العام ٢٠٢٠ «١٩٣٥٠ حالة»، بزيادة تقارب ٣٥ ٪ مقارنة بالعام ٢٠١٩ فى قفزة مثيرة لم ينتبه لها الكثيرون. لكن الحقيقة أن تقرير وزارة العدل المنشور مؤخرًا فى هذا الصدد، أظهر أن شركات تصنيع الأسلحة فى الولايات المتحدة أنتجت خلال السنوات العشرين الماضية أكثر من ١٣٩ مليون قطعة سلاح نارى مخصصة للبيع للأفراد، منها ١١ مليون قطعة أنتجت فى العام ٢٠٢٠ وحده. كما أفصح أيضًا عن أنه فى الفترة نفسها استوردت الولايات المتحدة ٧١ مليون قطعة سلاح وصدرت ٧.٥ مليون قطعة فقط، فى معدل رقمى يعكس الكم الهائل للأسلحة النارية المتوفرة فى البلاد، مما أسهم فى تصاعد أعمال العنف المسلح وجرائم القتل. ووفق هذا التقرير هناك طفرة غير مسبوقة شهدتها الشركات المصنعة للأسلحة، فالعدد المسجل فى العام ٢٠٠٠ كان «٢٢٢٢ شركة» فى الوقت الذى بلغ إجمالى المسجل لعام ٢٠٢٠ «١٦٫٩٦٣ ألف شركة»، مما قفز بالإنتاج السنوى بالتبعية إلى معدلات لم تشهدها الولايات المتحدة طوال تاريخها. فالمخصص للبيع التجارى الداخلى بلغ عام ٢٠٠٠ ما يقارب ٤ ملايين قطعة سلاح، وتنامى مع عدد الشركات الهائل ليصل إلى ١١.٥ مليون قطعة فى عام ٢٠٢٠. هذا غير مشتمل على «الأسلحة الشبحية» الجديدة التى تباع كأجزاء لمسدسات وبنادق عبر الإنترنت، وغير خاضعة للإحصاء كونها لا تحمل أرقامًا متسلسلة، كما لا يخضع مشتروها للقيود المفروضة على الأسلحة النارية التقليدية مثل صحيفة السوابق والأهلية العقلية والنفسية، بسبب عدم حاجة هؤلاء لرخصة حمل السلاح.