رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الدورات الاقتصادية.. وأزمة الكساد

فى أحد المقالات السابقة أشرت إلى الدورات الاقتصادية بشكل سريع، وفى هذا المقال سأعرف هذه الدورة باختصار وأربط مراحلها الأربع بما يجرى فى العالم الآن من أحداث. بداية تعنى الدورة الاقتصادية الإشارة إلى التقلبات التى تنتاب العديد من المؤشرات على مستوى الاقتصاد الكلى، وبالتالى فهى تغيير كمى يبدأ من تغير حجم الدخل الحقيقى الذى يتبعه مباشرة تغير فى الإنفاق الكلى وتغير فى مستوى الإنتاج الذى يؤثر بدوره فى تغير مستوى التشغيل.

ويعرفها فريق من الاقتصاديين بأنها الوضع الكائن عند نقطة تحول الذروة من الرخاء إلى الكساد، أى حدوث اختلال واضطراب عضوى فى حركة ودوران الاقتصاد تنتج عنهما خسائر، وغالبًا ما تحدث أزمة. وللدورة الاقتصادية أربع مراحل تبدأ بالنهوض ثم الارتداد وتأتى مرحلة الكساد ومن بعدها الإبلال، أى شفاء الدورة من عللها. 

ويعطى البعض أهمية خاصة لمظهرين من مظاهر الدورة وهى حركة الدورة من القمة والقاع، فالدورة تنقسم إلى مرحلتين، مرحلة التوسع أى انتقال النشاط من القاع إلى القمة، والثانية حركة معاكسة وهى الانكماش أى انتقال النشاط من القمة إلى القاع.

بعد أن كان الاقتصاد العالمى بدأ فى دخول مرحلة انتعاش شهدت عودة الطلب بعد حدوث خلل كبير بين الإنتاج والاستهلاك، عاد الاقتصاد العالمى بعد قيام الحرب الروسية الأوكرانية إلى وضع أسوأ عمَّا كان عليه. فقد أدت الحرب، كما نعلم، إلى خلل كبير ثمثل فى تراجع المبيعات بسبب ضعف القوى الشرائية، وزيادة معدلات التضخم بصورة لم يكن أحد يتوقعها، وما تبع ذلك من قيام كثير من المنتجين فى تخفيض الإنتاج، وتراجع لحجم الاستثمارات، سواء الأجنبية المباشرة أو حتى على المستوى المحلى.

أى تحول الأرباح إلى خسارة، وهو ما يدفع الكثير من القطاعات إلى تسريح عدد كبير من العاملين، وبالتالى يزداد معدل البطالة والفقر، ومن هنا تتجه الأسواق إلى حالة الركود، وهى مرحلة الارتداد فى الدورات الاقتصادية التى تتسم بتضاؤل الاستثمارات الجديدة والميل إلى وضع النقود فى حالة ركود دون تشغيلها، وانخفاض حجم الإنفاق، وبالتالى انخفاض مستوى الدخل القومى. كما تحجم البنوك عن التوسع فى الائتمان.

وكل هذه العوامل تؤدى الى انخفاض الأرباح عن معدلها الطبيعى، ما يؤدى الى اختلال فى التوازن بين معدلى الادخار والاستثمار.

فى تقديرى أن ما يحدث فى العالم من تقلبات اقتصادية منذ عام ٢٠٢٠، ما هو إلا إرهاصات لحدوث المرحلة الثالثة من الدورات الاقتصادية، أى مرحلة الكساد، فالمشهد العالمى يؤشر على أننا قد نشهد فى الأشهر المقبلة، وربما فى آخر العام الحالى، ارتفاعات أكبر فى معدلات التضخم، يتبعها ركود اقتصادى كبير، فسوق العمل الأمريكية تشهد عدم توازن بين العرض والطلب، قد يكون الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.

وإغلاقات الصين هى الأخرى تشكل ضغوطًا أخرى على سلاسل التوريد والشحن. والحرب الروسية الأوكرانية التى لا وجود لأى إشارة توحى بقرب انتهائها وما ينتج عنها من مزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمى. وكل هذه الأخطار تنقل الاقتصاد العالمى الهش إلى مرحلة الركود، أى بدء مرحلة الكساد، وقد تكون ذروة هذه المرحلة فى العام المقبل ٢٠٢٣، وستكون التبعات اقتصادية واجتماعية وسياسية وإنسانية.

ويظل السؤال هل يمكن لأحد توقع متى تنتهى هذه المرحلة؟ أعتقد أنه من الصعب تحديد مدى زمنى بشكل دقيق. ولكننا فى نهاية الأمر سنصل إلى مرحلة الإبلال التى يستمر فيها الانخفاض حتى يصل الكساد إلى نهايته، ويصل منحنى النشاط إلى القاع وبالتالى انخفاض المخزون، وتخلص المنتجين من الديون المتراكمة وانخفاض معدل الفائدة وتكاليف الإنتاج حتى تتساوى مع الأسعار. وحينها يعود الأمل إلى التوسع فى عمليات الإنتاج واتجاه الأرباح إلى الزيادة. 

وأخيرًا فإن الاقتصاد الحديث يتعرض لأزمات اقتصادية بشكل متواتر، إلا أنه قادر على التكيف، وعبور هذه الأزمات، وهو ما حدث فى أزمة الكساد الكبير ١٩٣٠، وأزمة المالية العالمية ٢٠٠٨، وفى كل مرة يتعافى ويعود الاقتصاد إلى مرحلة الانتعاش. ولكن هذه المرة مع عودة مرحلة الانتعاش قد تتغير خارطة العالم التجارية والعلاقات بين الدول، ولا سيما إذا حدث تغيير فى حركة تجارة موارد الطاقة، وتمت إعادة حركة سلاسل الإمداد، وأعادت البلدان التفكير فى حيازاتها من عملات الاحتياطى. لكن ذلك كله لا يجعلنا على يقين من أن تكون هذه الأزمة آخر أزمات الاقتصاد.