رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

ناقوس الخطر

انقضت أيام العيد, غير أنها أبت أن تنقضي دون أن تترك بداخلنا تخوفا مبررا بشأن مستقبل مجهول مُلبد بالغيوم.
وكالمعتاد تباينت فرحة الناس بالعيد وتنوعت مظاهر الفرحة, من خلال استقباله بالملابس الجديدة والكعك الغارق في السكر الناعم, وتبادل التهاني والزيارات بين الأهل والأحبة.
وبرغم تلك المظاهر المبهجة التي تُعد تراثا جوهريا اعتاد الناس على تأديته, طفت على السطح ظاهرة بشعة بصورة فجة لا يجوز التغاضي عنها أو تجاهلها لما تشكله من خطر داهم على أمن ومستقبل هذا المجتمع, حيث اكتظت الشوارع بصبية في عمر السابعة عشر من أعمارهم  - قد يزيد السن أو يقل قليلا – وجوهم كالحة ترمق جسد المارة في جشع, يمشون في الطرقات بحوزتهم مطواة أو سنجة, أو لفافة تبغ محشوة تتصدر فمهم, أو قرص لعقار مخدر يقلب كيانهم  فيغيبهم عن واقعهم, يتسكعون في الطرقات بمظهرهم الغريب وقصات شعرهم الشاذة, ملابسهم ممزقة ليس فقرا وإنما تماشيا مع الموضة المزعومة, نظراتهم وقحة تجد لنفسها كل الحق في اختراق الخصوصية والتعدي على الأعراض, فتراهم يتبادلون الضحكات والشتائم بأقذع الألفاظ ويُلقون على المارة - لاسيما النساء - ألعابا نارية تنفجر أسفلهن فتصيبهن بالذعر وتتعالي منهن الصرخات التي تقابلها ضحكات هستيرية من أفواه تلذذت بالقذارة. والويل كل الويل لمن يجرؤ على اعتراض سبيلهم.
إن هؤلاء الصبية هم النتاج الطبيعي لعصر الانحلال الأخلاقي الذي نعيشه, هم المنتج الحتمي لمصنفات شاذة سواء درامية أو غنائية أو مكتوبة, حاصرتهم عبر التلفاز أو اليوتيوب أو غيرها من وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت كعنكبوت يُمسك بخيوط عقولهم حتى الثمالة.
إنهم صرعى المجون حيث يزدهيهم الانحراف ويعبث بعقولهم الإغراء خصوصا وأنهم تربوا على دراما تستعرض بين أحداثها التفنن في وسائل القتل وشق البطون والتلذذ بالانتقام والدم, وتغنوا بأغاني المهرجانات التي أمدتهم بلغة جديدة تدعوهم للبلطجة واستعراض القوة. حتى صاروا كائنات مشوهة انفتحت نفوسهم كجرح مقزز يهز المسلمات, ونفخ الشيطان في عقولهم فطمس بصرهم وأعدم ذوقهم وشكل بداخلهم تمردا على أي نظام فجعلهم خارجين على سطوة القيم.
ومن ثم ليس غريبا على جيل تربى على تلك المصنفات ورضع من محتواها المسخ, أن يكون بهذه الفجاجة والانحراف. وصار أمرا متوقعا تعدد الحوادث التي تنعق بها وسائل الإعلام ليل نهار, أب يقتل أطفاله, وزوجة تحرق زوجها, وشاب يشق بطن صديقه, وآخر يُلقى بماء النار في وجوه خصومه, وعشرات القصص المفزعة التي تؤكد على كثرة المحن حتى مضغنا الرعب وبصقنا من هول ما نسمع وما نشاهد. وصارت حياتنا الهادئة الجميلة كلفظة قديمة اندثر معناها, وصار واقعنا مخيفا مليئا بالغبار الذي يحجب الرؤية ويُخفي وراءه مستقبلا غامضا يُنذر بكارثة.
إن شبابنا يتهددهم زيغ في الثوابت وانحلال في الخُلق, يدور حول نفسه والدنيا من حوله تتقدم, حتى تهاوت الأمور إلى الحضيض, وصار مواجهة هذا الخطر أمرا لازما, يُمثل معركة وجود, دفاعا عن البقاء الذي يُعد مسألة حتمية تفرضها طبيعة البشر وليس محض اختيار أو رفاهية, وصارت رقابة الدولة على تلك المصنفات أمرا لا غنى عنه خصوصا بعد أن تنازلت الجهات المعنية عن دورها في الرقابة تحت مبرر زائف اسمه حرية الإبداع, ففقد الرقيب هيبته وصار ديناصورا منسيا وتلاعب العابثون بمستقبل أبنائنا الذي لم يعد يظفر برحمة أحد.
إن الحرب على هذه الأمة لم تعد حرب دبابة ومدفع, بل صارت حربا جديدة تقوم على هدم القيم وتخريب العقول بأفكار شاذة, وتجريف الدولة من شبابها مصدر طاقتها وثروتها الحقيقية, وهذا خطر داهم على مستقبل دولة يمثل الشباب فيها ما يقارب 30%  من تعداد سكانها.
ومن ثم كان لزاما على الدولة أن تحافظ على شبابها, من خلال رقابة صارمة على تلك المصنفات وعقاب ناجز رادع لكل من يخترق قيم ومبادئ المجتمع, لاسيما وأن الأخلاق وسيلة فاعلة من وسائل التحرر من الهمجية والتطرف والتطلع نحو الإنجاز. 
لقد حان الوقت لنستيقظ من هذا الكابوس خصوصا وأن لحظة الاستيقاظ من الكابوس عذبة. ومازلنا ننشد الأمل ونأمل في المسرة فما عادت مصر الحديثة تحتمل اتساخ حوافرهم.