رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

سارة شريف تكتب: 90 دقيقة فى «وانسى».. فيلا الحل النهائى

العالم يتذكر الحروب وينسى الدم، التاريخ يتذكر نهاية المعركة ولا يتذكر كيف بدأت، يتذكر كثيرون يوم تحرير معسكر الاعتقال النازى «أوشفيتز» الذى يوافق ٢٧ يناير من كل عام، لكن ليس كثيرون يتذكرون مؤتمر «وانسى»، اليوم الذى بدأ فيه كل شىء.

فى ٢٠ يناير ١٩٤٢ ببرلين، التقى ١٥ من كبار المسئولين فى النازية فى فيلا أمام بحيرة «وانسى» على الحافة الغربية لبرلين، كان هناك موضوع واحد على جدول الأعمال هو: ما الخطوات التنظيمية واللوجستية والمادية لوضع حل نهائى للمسألة اليهودية فى أوروبا؟

كان المُضيف فى ذلك اليوم هو «راينهارد هايدريش»، الرئيس القوى لجهاز الأمن وقوات الأمن الخاصة، الذى عينه «هيرمان جورينج»، اليد اليمنى لهتلر، لوضع ما يعرف بـ«الحل النهائى».

عندما اجتمعوا حول الطاولة كانت الإبادة الجماعية جارية بالفعل، فكانت عمليات ترحيل اليهود والقتل الجماعى فى المناطق الشرقية قد بدأت فى خريف ١٩٣٩، لكن الاجتماع فى ذلك اليوم كان لوضع الأساس لآلية القتل الجماعى التى ستشمل جهاز الدولة بأكمله، وللتنسيق بين الوزارات والإدارات الحكومية.

كان الرجال الذين دعاهم «هيدريش» شبابًا فى الثلاثينيات من العمر، ٩ منهم حاصلون على شهادات فى القانون، وأكثر من نصفهم حاصلون على درجة الدكتوراه.

طُلب من مهندس المحرقة «أدولف أيخمان»، رئيس قسم «شئون اليهود والإخلاء» فى وزارة الداخلية، الذى سينظم لاحقًا عمليات الترحيل إلى معسكرات الموت، أن يأخذ محاضر من الاجتماع. نجت نسخة واحدة فقط من ٣٠ نسخة من بروتوكوله، والمميز باللون الأحمر على أنه «سرى» على الصفحة الأولى، اكتشفه جنود أمريكيون ضمن ملفات وزارة الخارجية بعد الحرب، ومن هنا عرفنا ما جاء فيه.

استمر الاجتماع لمدة ٩٠ دقيقة، لخص بروتوكول «أيخمان» نطاق المهمة فى جدول إحصائى مفصل للسكان اليهود فى جميع أنحاء أوروبا، وليس فقط الاتحاد السوفيتى، ولكن فى إنجلترا وأيرلندا وسويسرا.

التفاصيل المكتوبة فى محضر الجلسة المكون من ١٥ صفحة لا تشير صراحة إلى القتل والإبادة، فقد تم اختيار عبارات مثل «الإخلاء» و«التخفيض» و«العلاج» مكان عبارات «الإبادة- الحرق- غرف الغاز».

قالت «ديبورا إى ليبستدات» وهى مؤرخة عن المحرقة: «لقد قرأت هذا البروتوكول، وهو أمر مخيف، إنها كلها لغة مموهة للغاية، لكن بعد ذلك تنظر إلى قائمة البلدان التى نُفذت فيها المحرقة، وعدد اليهود الذين خططوا لقتلهم، كان من المقرر أن يلاحق أحد عشر مليون شخصًا. كانت لديهم خطط كبيرة للغاية».

وأشار المؤرخون فيما بعد إلى أن لغة البروتوكول هى لغة البيروقراطيين، ولكن لم يكن هناك أى شك فيما كانت تقدمه الوثيقة حول الحل الأخير وهو: «القضاء التام على يهود أوروبا»، كما كتب جوزيف جوبلز، كبير الدعاية لهتلر فى مذكراته.

الذين شاركوا فى الاجتماع توفى ستة منهم بحلول عام ١٩٤٥، وتمت محاكمة اثنين منهم فقط لدورهما فى الهولوكوست بعد الحرب، تم إعدام أيخمان فى إسرائيل بعد أن اختبأ فى الأرجنتين لسنوات، وحوكم ثلاثة آخرون على جرائم ليست ذات صلة، وصدرت عليهم أحكام مخففة، ولم يتم توجيه أى تهمة إلى أربعة على الإطلاق. 

اليوم تبدو الفيلا المكونة من ثلاثة طوابق على ضفاف البحيرة دون تغيير إلى حد كبير من الخارج، لاتزال هناك بعيدة عن الطريق فى وسط الحدائق المترامية الأطراف.

على مدى عقود، لم تعرف سلطات ألمانيا الغربية ما يجب فعله بالمبنى، بينما ضغط الناجون على الحكومة لتحويلها إلى مكان للتعرف على الهولوكوست وتوثيق جرائم الجناة، شعر المسئولون فى ألمانيا بالقلق أن يصبح مكانًا تاريخيًا، بينما فكر آخرون فى هدمه تمامًا «حتى لا يبقى شىء من بيت الرعب هذا».