رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

ما بعد معركة الأمم المتحدة.. كيف تحارب إسرائيل «إنكار الهولوكوست»؟

الهولوكوست
الهولوكوست

فى الـ٢٧ من يناير من كل عام، يتم إحياء ذكرى تحرير معسكر «أوشفيتز- بيركيناو» فى بولندا من قبضة النازيين، والذى أصبح فيما بعد يومًا دوليًا لإحياء ذكرى ضحايا المحرقة النازية «الهولوكوست»، بالتركيز على القتل وأعمال الإبادة التى نفذها النازيون والمتعاونون معهم ضد الجاليات اليهودية فى جميع أنحاء أوروبا.

وبالتزامن مع ذكرى «الهولوكوست»، هذا العام، أقرت الأمم المتحدة، الأسبوع الماضى، قرارًا يُدين إنكار المحرقة النازية، مع دعوة وسائل التواصل الاجتماعى للعب دور إيجابى فى الحفاظ على تلك الذكرى، ومواجهة منكريها، الأمر الذى يستدعى البحث عن خلفية القرار وأسبابه وتوقيته، وهو ما نستعرضه فى السطور التالية.

اعتماد قرار أممى ضد «معاداة السامية» بتأييد 114 صوتًا.. ودعوة وسائل التواصل لإحياء الذكرى

فى الـ١١ من مايو ١٩٤٩ أصبحت إسرائيل العضو الـ٥٩ بمنظمة الأمم المتحدة، وفى العقود السبعة التالية أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارات لا تعد ولا تحصى تدين التصرفات والقرارات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، لكن، وفى مرتين فقط خلال ٧٣ عامًا، أيدت الجمعية العامة قرارات إسرائيل، ووافقت على ما تقدمت به، وكان الأمر فى المرتين يتعلق بـ«الهولوكوست» وضحايا المحرقة النازية.

المرة الأولى للجمعية العامة فى تأييد قرارات إسرائيلية كانت فى عام ٢٠٠٥، عندما حددت يوم الـ ٢٧ من يناير يومًا دوليًا لإحياء ذكرى المحرقة، وذلك بمناسبة تحرير الجيش السوفيتى الأحمر معسكر الموت فى أوشفيتز فى نفس التاريخ من عام ١٩٤٥، وحصل القرار على تأييد ١٠٤ أصوات.

أما المرة الثانية فكانت الأسبوع الماضى، عندما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بشأن تعريف وإدانة «إنكار الهولوكوست»، والذى يحث شركات وسائل التواصل الاجتماعى على اتخاذ تدابير فعالة فى مكافحة «معاداة السامية» و«إنكار الهولوكوست»، وتشويه تلك الذكرى عن طريق تكنولوجيا المعلومات.

كما جاء القرار قبل أسبوع من الذكرى الـ٨٠ لمؤتمر «وانسى» لكبار النازيين، الذى انعقد فى ٢٠ يناير ١٩٤٢، ووضعت فيه خطة التخلص من ١١ مليون يهودى فى أوروبا.

وفى نص القرار أعربت الدول الأعضاء بالأمم المتحدة عن قلقها إزاء «الانتشار المتزايد لإنكار الهولوكوست أو التشويه من خلال استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات»، وأشارت إلى الطبيعة العالمية والمفتوحة للإنترنت، والدور المهم لوسائل التواصل الاجتماعى فى نشر المعلومات.

وأكدت أن وسائل التواصل الاجتماعى لديها القدرة على لعب «دور إيجابى فى الحفاظ على ذكرى الهولوكوست، وتعزيز التثقيف الدقيق تاريخيًا عن الهولوكوست ومواجهة إنكار الهولوكوست والتشويه».

ويدين قرار الأمم المتحدة أى تشكيك فى صحة الرواية الإسرائيلية لـ«الهولوكوست»، التى تقول إن ٦ ملايين يهودى قُتلوا على أيدى الألمان النازيين خلال الحرب العالمية الثانية.

وحصل القرار على تأييد ١١٤ صوتًا، مع اعتراض دولة واحدة، هى «إيران»، لكن اعتراضها لم يمنع تمرير القرار، مما جعل القادة الإسرائيليين يشعرون بالسعادة، ونص على: «إحياء ذكرى محرقة اليهود هو عنصر أساسى لمنع المزيد من أعمال الإبادة الجماعية»، مع الإشارة إلى أن «تجاهل الحقائق التاريخية من تلك الأحداث الرهيبة يزيد من مخاطر تكرارها»، وأن «إنكار الهولوكوست بأشكاله المختلفة هو تعبير عن معاداة السامية».

ويعيد القرار التأكيد على أن المحرقة النازية أسفرت عن «مقتل ما يقرب من ٦ ملايين يهودى، منهم ١.٥ مليون من الأطفال، كانوا يشكلون ثلث الشعب اليهودى حينذاك»، إضافة إلى قتل الملايين الآخرين من أبناء القوميات الأخرى والأقليات وغيرهم.

كما يحث القرار الدول الأعضاء بالأمم المتحدة وشركات وسائل التواصل الاجتماعى على اتخاذ تدابير فعالة لـ«مكافحة معاداة السامية وإنكار الهولوكوست أو التشويه»، عن طريق وسائل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتسهيل الإبلاغ عن هذا المحتوى.

من جانبه، قال جلعاد إردان، سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة: «نحن نعيش الآن فى عصر أصبح فيه الخيال حقيقة وأصبحت المحرقة ذكرى بعيدة»، مشيرًا إلى أن منصات التواصل الاجتماعى تنشر «جائحة التشويهات والأكاذيب حول الهولوكوست»، وأنه «لم يعد بإمكان عمالقة وسائل التواصل الاجتماعى أن يظلوا صامتين أمام انتشار الكراهية على منصاتهم».

يأتى ذلك فى إطار جهود إسرائيل المستمرة فى السنوات الأخيرة لإلزام شركات التواصل الاجتماعى بمكافحة «معاداة الهولوكوست»، والتى أسفرت، فى أكتوبر ٢٠٢٠، عن قيام شركة التواصل الاجتماعى «فيسبوك» بتحديث سياستها بشأن خطاب الكراهية، من أجل «حظر أى محتوى ينكر أو يشوه الهولوكوست».

وأتت سياسة «فيسبوك» المحدثة بعد عامين من إثارة الرئيس التنفيذى للشركة، مارك زوكربيرج، ضجة، بعد أن قال إنه لا يعتقد أن الشركة يجب أن تزيل مثل هذه المنشورات، لكن بعد ذلك بدأت الشركة فى حظر الصور «المعادية للسامية»، كما أعلن موقع «تويتر» أيضًا عن أنه سيحظر منشورات «إنكار الهولوكوست».

وفى يناير ٢٠٢١، توصل المؤتمر اليهودى العالمى إلى اتفاق مع «فيسبوك» لإعادة توجيه المستخدمين الذين يبحثون عن المصطلحات المتعلقة بـ«إنكار الهولوكوست» أو «الهولوكوست» إلى موقع «AboutHolocaust.org»، الذى يقدم إجابات للأسئلة الأساسية حول المحرقة النازية.

ورغم ذلك، تقول التقارير الإسرائيلية إن محتوى «إنكار الهولوكوست» و«معاداة السامية» مستمر فى الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعى، مشيرة إلى أن هذا المحتوى لا يزال موجودًا على المنصات، رغم إزالة مجموعات مخصصة له وتقييد البحث عنه، وحذف ملفات وروابط لمصادر خارجية مخصصة لـ«إنكار الهولوكوست».

مكاسب اقتصادية لتل أبيب من الدول الغربية.. وموازنة الاهتمام الأوروبى بـ«المعاناة الفلسطينية»

«صناعة المحرقة» هو مصطلح يجرى تداوله أحيانًا بين المراقبين فى إشارة إلى تحول «الهولوكوست» إلى صناعة تجنى فوائد اقتصادية هائلة لإسرائيل، ولا تقتصر فقط على التعويضات التى تدفعها ألمانيا لتل أبيب، والتى ستستمر فى دفعها حتى عام ٢٠٣٠.

ويربط المراقبون بين ذكرى المحرقة وامتيازات أخرى تحققها إسرائيل، مثل المساعدات الاقتصادية الضخمة التى تقدمها الدول الغربية لإسرائيل، وما يصاحبها فى بعض الأحيان من فوائد دبلوماسية وسياسية. 

ويشير المراقبون إلى أنه، وبعد قرار الأمم المتحدة بأيام قليلة، كشفت وزارة المساواة الاجتماعية فى إسرائيل عن الاعتراف الألمانى بحوالى ١٨٠٠٠ يهودى باعتبارهم ناجين من «الهولوكوست»، لكونهم عاشوا فى «جيتو مفتوح» خلال الحرب العالمية الثانية، وليس فى معسكرات الإبادة نفسها.

ويسفر الاعتراف الرسمى الألمانى، حسب مواقع عبرية، عن دفع تعويضات مالية تراكمية عن السنوات من ٢٠١٩ إلى ٢٠٢١، وهو ما تعتبره إسرائيل إنجازًا ما كان ليتم دون تضافر الجهود مع «هيئة حقوق الناجين من الهولوكوست» ووزارة الخارجية الإسرائيلية.

كانت الحكومة الألمانية قد بدأت، فى السنوات الثلاث الماضية، الاعتراف بمعاناة آلاف اليهود الذين عاشوا فى «الأحياء اليهودية المفتوحة» فى عشرات المدن عبر رومانيا وبلغاريا.

ورغم أن هؤلاء اليهود لم يبقوا فى معسكرات العمل، إلا أنهم عاشوا فى ظل قيود النظام النازى والمتعاونين معه فى كل ما يتعلق بتقييد حرية التنقل، وتعرضوا للعديد من الهجمات والمضايقات على خلفية «معاداة السامية».

وفى عام ٢٠١٩، اعترفت الحكومة الألمانية بحوالى ٨٠٠٠ ناجٍ من ٢٠ مدينة فى جميع أنحاء رومانيا، وتلقوا تعويضات مالية، وفى عام ٢٠٢٠ تم الاعتراف بـ٧٠٠٠ ناجٍ آخرين من ١٩ مدينة فى رومانيا و١٥ مدينة فى بلغاريا، حصلوا على تعويضات أخرى، وفى عام ٢٠٢١ تم الاعتراف بحوالى ٣٠٠٠ يهودى من بوخارست برومانيا، مع دفع تعويضات تراكمية لهم.

وتجرى وزارة المساواة الاجتماعية الإسرائيلية، بالتعاون مع وزارة الخارجية، محادثات مع الحكومة الألمانية للاعتراف بمعاناة اليهود فى ١٦ مدينة أخرى فى رومانيا، استنادًا إلى معلومات ظهرت فى الأشهر الأخيرة، وعثر عليها مؤرخون من منظمة «ياد فاشيم»، المعنية بالناجين من «الهولوكوست»، مع حث الحكومة الألمانية على مزيد من عمليات الاعتراف والتعويض.

ويرى المراقبون أن ذلك الاهتمام الكبير مؤخرًا بالمحرقة يرجع إلى عدة أسباب، على رأسها شعور الإسرائيليين بأن الرأى العام الغربى أصبح يميل لصالح تأييد الفلسطينيين، وأن الدعاية الفلسطينية «نجحت فى إثارة مشاعر معادية لإسرائيل فى الغرب بمساعدة منصات التواصل الاجتماعى».

كما يرى المراقبون أن تلك الجهود تأتى فى إطار حملة مقاطعة البضائع الإسرائيلية فى الولايات المتحدة، وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات احتجاجًا على استمرار المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية فى الضفة الغربية، بالإضافة إلى تنامى الشعور لدى المواطنين الأمريكيين بأن جماعات الضغط اليهودية والتنظيمات الموالية لإسرائيل لديها تأثير هائل على السياسة الأمريكية وصانعى السياسات، ما أدى لاتساع ظواهر «معاداة السامية» فى أوروبا والولايات المتحدة، والتى كان آخرها احتجاز مسلح رهائن فى كنيس يهودى بولاية تكساس الأمريكية.