رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

هل الاقتصاد الإثيوبى فى مأزق؟

اشتعلت منذ عام تقريبًا الحرب الأهلية بين القوات الاتحادية وجبهة تحرير تيجراى المدعومة من جيش تحرير أورومو، وبالرغم من إعلان إثيوبيا أنها حسمت المعركة إلا أن هناك من يتوقع أن تشتعل الحرب بين لحظة وأخرى، وبطبيعة الحال أسفرت الحرب عن مقتل الآلاف، وتشريد أكثر من مليونى شخص فى الداخل والخارج، مع معاناة عشرات الآلاف من المجاعة؛ بسبب مصادرة المساعدات ومواد الإغاثة الدولية، وهناك اتهامات من بعض الدول لكلا الطرفين بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية، فضلًا عن اهتزاز المكانة التى اكتسبتها إثيوبيا فى السنوات الأخيرة ولا سيما بعد المصالحة مع إريتريا.

وعلى المستوى الدولى حذرت الولايات المتحدة الأمريكية من أن الحرب الدائرة فى إثيوبيا قد تؤدى لتقسيم البلاد، وبالتالى وقوع الدولة فى الفوضى، وهددت واشنطن بفرض المزيد من العقوبات على الأطراف المتورطة فى الحرب، إذا لم يتم تحقيق تقدم فى عملية التفاوض لإنهاء الصراع، كما أنها قامت فى بداية هذا العام بإقصاء إثيوبيا من اتفاق «الأجوا» نتيجة انتهاكها مبادئ الاتفاق، وذلك يعنى ضربة كبيرة للاقتصاد، والذى بدوره سيؤثر على العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وبالتالى تراجع حجم الاستثمارات، كما سيتراجع حجم الصادرات الإثيوبية، وما يترتب عليه من تراجع للنقد الأجنبى، وسيمتد التأثير على مستوى الاقتصاد بأكمله، ومن المعروف أن «قانون الفرص والنمو الإفريقى» (الأجوا) اتفاق تجارى تم التوقيع عليه عام ٢٠٠٠، لتنظيم وتسهيل عملية التجارة بين إفريقيا جنوب الصحراء والولايات المتحدة الأمريكية، أى أنه يسمح لبعض الصادرات الإفريقية التى تُصدر إلى الولايات المتحدة بالحصول على إعفاءات جمركية، بشرط أن تستوفى الدول المُصدرة شروطًا تتعلق بحقوق الإنسان والحوكمة وحماية العمال، بالإضافة إلى عدم فرضها أى حظر جمركى على أى منتج أمريكى.

كان الاقتصاد الإثيوبى قد سجل منذ عام ٢٠٠٩ حتى عام ٢٠١٩، معدل نمو سنويًا يتجاوز ١٠٪، ليكون بذلك واحدًا من أسرع الاقتصادات نموًا، لكن اشتعال الحرب الأهلية هدد هذه الوتيرة فى التنمية والاستثمار، خصوصًا أن هذه الحرب تزامنت مع الأزمة الاقتصادية التى يمر بها العالم جراء جائحة كورونا، وهو ما يضع الاقتصاد الإثيوبى فى مأزق كبير، فالصراع استنزف أكثر من مليار دولار من الميزانية العامة للدولة، وما يقرب من نصف هذه الإنفاقات كان مخصصًا للنفقات العسكرية، وهو ما ترتب عليه عجز فى الميزانية العامة للدولة، وتراجع كبير فى الحاصلات الضريبية، وهذا الإنفاق الضخم على السلاح أدى إلى زيادة فى معدلات التضخم إلى ٣٥.١٪ وهى نسبة لم تصل لها إثيوبيا منذ ١٠ سنوات تقريبًا، كما ارتفعت تكاليف الغذاء بنسبة ٤١.٦٪. وسجل مؤشر أسعار المستهلك نسبة تتجاوز أكثر من ٢٥٪، وتراجع معدل النمو الاقتصادى إلى درجة متدنية لـ١.٦٪، ومن المتوقع استمراره إلى أقل من ٢٪ حتى عام ٢٠٢٦، وهى النسبة التى لم يصل إليها الاقتصاد الإثيوبى منذ أكثر من ٢٠ عامًا، ومن المعروف أن الحرب التجارية الدائرة بين الولايات المتحدة والصين تتخذ من إفريقيا إحدى ساحاتها، ومن الدول التى تشهد الصراع بينهما بشكل كبير «إثيوبيا»، فكلتا الدولتين تتنافس على امتلاك مساحات واسعة من بنية الاقتصاد فيها، لا سيما أن العلاقة بين إثيوبيا والصين شهدت تطورًا كبيرًا فى الفترة الأخيرة، بينما كانت العلاقات الأقوى مع الولايات المتحدة الأمريكية فى الفترة السابقة التى كان الحكم فيها لجبهة «تيجراى»، مما يفسر الموقف الأمريكى الضاغط على الحكومة الحالية، وهو ما قد يدفعها إلى فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على إثيوبيا. 

ويواجه الاقتصاد الإثيوبى خطر توقف عمليات التنمية بعد الكلفة الباهظة مع الحرب، وهى كلفة ستكون مضاعفة فى حالة اشتعال الصراع مرة أخرى بين الطرفين، وهو أمر لا يمكن استبعاده، وفى هذه الحالة سيزداد هروب رأس المال بعد أن فقدت إثيوبيا كل المزايا التى تغرى بالاستثمار فيها، وستكشف الأيام المقبلة إما عن تجاوز المأزق، أو مزيد من التدهور.