رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

العيش عند المصريين

العيش عند المصريين مش مجرد أكل لسد الجوع بس، لكن العيش كانت له قدسية خاصة ولا تزال، فكلمة عيش جاية من الحياة، وده تعبير مصرى ماحدش غيرنا بيستخدمه. 

والمصريين أول من عرفوا قيمة القمح وزرعوه وطحنوه وكانوا بيفضلوه عن غيره من الحبوب فى عمل العيش والمخبوزات الكتيرة والمتنوعة.

حاجة مهمة لازم نعرفها، وهى إن المصريين اكتشفوا الخميرة من حوالى أربعتلاف «٤٠٠٠» سنة.

والمصريين بيقولوا على العيش «النعمة» وبيحلفوا بيه ويقطعوه على عينهم عشان نصدقهم «والنعمة دى على عينى».. ولسه بنعمل كده لحد دلوقتى.

إحنا لما بنحلف بنقول «والعيش والملح».. وده مش عشان أهمية العيش فى حياة المصريين بس.. لكن كمان ده امتداد للحلفان المصرى القديم «والعيش والبيرة» اللى اتحولت بمرور الزمن إلى الملح بعد دخول العرب. 

إحنا بنقول «ناكل مع بعض عيش وملح» وده تعبير عن الأخوة والاطمئنان.. وده امتداد للى كان بيعملوه المصريين فى الأعياد اللى كانت فرصة للتصالح وترك الخناقات والخصام، فكان «النفر» يروح لغاية «النفر» التانى ويقدم له بيرة وعيش ومخبوزات تعبيرًا عن الصلح ورجوع الميه لمجاريها. 

عندنا دلوقتى أكتر من خمسين نوع عيش فى مختلف نواحى مصر، ودول اللى تم توثيقهم من خلال باحثين أطلس المأثورات الشعبية، ومازال المصريين بيعملوهم وبياكلوا منهم وطبعًا أهمهم أو الأكثر شيوعًا هو «العيش المصرى» و«العيش الشمسى» و«البطاطى» و«الصاج» و«البتاو».

وخلينا نعرف إن كل أنواع العيش دى ليها جذور ضاربة فى التاريخ، عمر بعضها أكتر من سبعتلاف سنة، والمصريين اعتبروا العيش مش مجرد أكل بس، لكن كمان كان مقدس وبيتقدم قرابين «للآلهة» عشان مباركة الأحياء والأموات، وتقديم أنواع من العيش لسه موجودة ولكن بشكل تانى وهو عيش الرحمة من شيريك وقرص وفطير اللى بنطلع بيه الجبانات «المدافن» على أرواح أمواتنا، وعشان كده المصريين إدوا اهتمام خاص لصناعة العيش. 

ومن حيث تاريخ صناعة العيش فى مصر خلينا نعرف إن المصريين بيخبزوا العيش من أكتر من سبعتلاف سنة، وكان بيتعمل من نوعين من الحبوب اللى المصريين كانوا بيزرعوها للغرض ده.

أولًا: العيش من دقيق القمح «سوت».

ثانيًا: العيش من دقيق الشعير «إت».

أنواع العيش والمخبوزات

كان فيه خمستاشر نوع من العيش فى الدولة القديمة، وصلت فى الدولة الحديثة لحوالى أربعين نوع، وفى بعض المتخصصين قالوا إنهم وصلوا ١٢٤ نوع من العيش والمخبوزات المتنوعة اللى اختلفت أشكالها ما بين المدور والبيضاوى والملفوف والمخروطى الشكل، وكمان اختلفت أنواع الدقيق المستخدم فى الخبيز ما بين القمح والشعير، وكمان المواد التانية اللى داخلة فى صناعة العيش زى الزبدة واللبن والعسل والبيض، وعشان كده اختلفت أشكال العيش والفطاير عن بعضها، وكمان اختلفت فى شكلها وطبعًا فى طعمها.

وخلينا نعرف إن المصريين أول من عملوا «الكب كيك» بشكله اللى عارفينه دلوقتى، وكان اسمه عيش «التاحج»، وعملوا كمان أشكال للعيش تشبه «الفينو والكيزر».

وعملوا الكحك والكرواسان والباتيه وحاجة تشبه الدنش والفطير بأشكاله.

وطبعًا ماننساش أبدًا أبدًا العيش الشمسى الموجود لغاية النهارده ومنتشر فى الصعيد والسويس «لأن معظم أهل السويس صعايدة» واللى بيتعمل بنفس الطريقة وماتغيرش فيه حاجة.

وخلينا نعرف إن المصريين أضافوا العسل والفواكه المجففة زى التين والبلح لعمل مخبوزات حلوة.

كان المصريين بيخلطوا دقيق القمح مع الخميرة واللبن والتوابل مع الملح، وعجن ده بالإيدين، وبعدين تقطيعه وتسويته بالزبدة فى طاجن على النار.

وكان فى نوع من العيش الأسمر مشهور بيتعمل بدش الحبوب «زى الفول المدشوش» وتتغلى فى الميه وتتضاف لعجينة العيش من القمح أو الشعير وتلت بالإيدين أو عن طريق قوالب مخصوصة وكانت بتتزين بعمل إخرام «ثقوب» على وشها بتتحط فيها الفاكهة المجففة على سطحه، وبعدين بيتم تشكيلها وتسويتها «فى الصعيد بنعمل الفايش بالطريقة دى مع استبدال الفول بالسمسم أو الحمص لغاية النهارده».

كان شكل الرغيف متنوع، فيه منه مستطيل، وفيه مدور، وفيه مسطح، وفيه مثلث، وكمان كان فى رغيف على شكل إنسان أو حيوان بيتشكل بالإيدين أو بقوالب خاصة. 

المصريين كان بيسموا العيش والمخبوزات أسامى مختلفة بحسب نوعها زى:

- (العيش العادى): «تا»- «بست»- «حثا»- «ت-حچ». و(العيش الأبيض): «بغسو»، و«عيش العشا».

- كان فى نوع من عيش القرابين الأبيض على شكل قمع وبيسمى «ت - حچ». 

- فى أنواع من الفطاير بتتسمى: «أع» و«عكك»- «بفسو»- «بست»- «باق» وهو نوع من الحلوى- «بسن» خبز القرابين- «فقا»- «سوت» وهو عيش العشاء - «شعت».

- كمان كانت فى أطباق شائعة بيستخدم فيها القمح المجروش البرغل «بشا». 

- كان فى نوع تانى على شكل دائرى أو بيضاوى وفيه خطوط عميقة عشان تسمح بخروج الهوا من جواه خلال التخمير والخبز.

- كان فى نوع تانى من العيش على شكل مثلث، وكان ده من الأنواع المفضلة عشان كده ظهر فى معظم النقوش.

- كان فى نوع نص دائرى وهو من الأنواع المنتشرة وكان بيستخدم فى الكتابة للتعبير عن حرف الـ«ت».

- وفيه نوع رفيع ونوع مقعر ونوع بياخد شكل الأسطوانة الداخلى واللى كان بيتم الخبز عليها. 

- وكان فى أنواع من الرغفان المدورة والمحاطة بحواف عالية تشبه البيتزا الحالية وكان بيتحط فى منتصفها قبل الخبيز بيضة أو أى نوع آخر من أنواع التجميل.

- كمان عرف المصريين وضع بعض الأطعمة بداخل طبقتين من العيش زى الساندويتش كده.

- وفى نوع تانى كان بيترش بالدقيق أو بيضاف إليه جزء من العجين النى فى نص عملية الخبز وبعدين بيكمل الخَبز بحيث يكتسب الوجه اللون الأحمر، وكل ده كان بيتم بمهارة وإتقان.

فى الدولة الحديثة اتطورت صناعة العيش ودخلت أنواع تانية من الكحك على شكل إسطوانى يشبه السويسرول حاليًا، وفى أنواع على شكل بقرة أو وزة أو على شكل بنت وده كان كنوع من ألعاب الأطفال على شكل كحكة أو رغيف، «كنا واحنا عيال بنعمل مخبوزات لما ستى وأمى كانوا بيخبزوا».

وكمان بنشوف إنه تم إضافة كتير من المكونات للكحك زى السمسم والعسل والينسون والفواكه المجففة زى التين والبلح.

المصريين كانوا بيحبوا الحياة وبيتفننوا يعيشوا مبسوطين إزاى، ومن ضمن حبهم ده تفننوا وأبدعوا فى الأكل وخاصة العيش والمخبوزات اللى كانوا بيعملوها يوميًا، وكمان فى المناسبات، فكان لكل مناسبة نوع من الأكل وأنواع من العيش والكحك والفطاير والحلويات المخبوزة الخاصة، زى ما بنعمل دلوقتى بالظبط.

كان المصريين ومازالوا بيهتموا بالموت زى ما بيهتموا بالحياة.. فكان المصريين بيزوروا موتاهم وبيقدموا ألف رغيف وألف إبريق مكيال «دس» للبيرة «حنقت» مع أكل وفواكه متنوعة.

إحنا دلوقتى مثلًا بنروح المدافن فى المواسم والأعياد زى ما المصريين زمان عملوا بنزور أحبابنا وأهلينا اللى راحوا عند ربنا وبنهتم أوى إننا ناخد معانا «الرحمة»، واللى بتتكون من شريك وقرص وفطير وكمان فاكهة أهمها البرتقال والجوافة والرومان وأحيانًا البلح.. بس كمان بناخد معانا ورد وجريد نخل أخضر.

وعشان كده فى الأفران لغاية دلوقتى بيقولوا ألف عيش على ١٠٠ رغيف اللى على القفص.. لأنها جاية من المصريين لما كانوا بيودوا للميت ١٠٠٠ رغيف كانوا بيقولوا ألف عيش.

اللى بنعمله ده له جذوره فى حضارتنا وثقافتنا المصرية واللى جاى من أهلنا وناسنا المصريين.