رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

كيف تواجه إسرائيل إرهاب متطرفيها؟

وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينيت، احتمالية قيام دولة فلسطينية بأنها ستكون (دولة إرهاب) في المستقبل.. (إن إسرائيل لا تتجاهل الفلسطينيين، ولكن الدولة الفلسطينية ستعني على الأرجح قيام دولة إرهابية على بعد سبع دقائق من منزلي ومن أي مكان في إسرائيل).. وقال بينيت، الذي لطالما عارض حل الدولتين كأساس لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، إنه يهدف بدلًا من ذلك إلى تحسين حياة الفلسطينيين من خلال إجراءات أخرى.. فعن أي إرهاب يتحدث نفتالي، وما زال مقتل الرضيع الفلسطيني ـ عام ونصف العام ـ علي دوابشة، الذي لفظ أنفاسه الأخيرة، في اعتداء بقنابل المولوتوف على بيته، نُسب إلى مستوطنين يهود متشددين، خلال اعتداء على بيته، يثير الغضب والاستياء دوليًا.. ووجدت إسرائيل نفسها تواجه إرهاب المتطرفين اليهود.. فكيف قويت شوكتهم وتأثيرهم على حكومة بنيامين نتنياهو، قبل رحيله عن الحكم؟.. وهل يمكن مكافحتهم؟.
مجلة دير شبيجل الألمانية كتبت، (لفترة طويلة، التزم المجتمع الإسرائيلي الصمت إزاء تطرف وتنامي العنف من قبل اليهود المتشددين.. وطالما كانت عمليات حركة مستوطنين تستهدف المساجد والكنائس في المناطق ذات الأغلبية العربية وتتسبب في أضرار مادية فحسب، ظلت أصوات الفزع خامدة في حلق الأغلبية الصامتة في إسرائيل.. لكن يبدو أن الأمر تغير، فخلال تظاهر الآلاف من الإسرائيليين في القدس وتل أبيب، والعديد من المدن الأخرى، للاحتجاج ضد قتل الرضيع الفلسطيني علي دوابشة، والفتاة الإسرائيلية شيرا بانكي ـ ستة عشر عامًاـ التي توفيت متأثرة بجراحها بعدما طعنها متشدد يهودي خلال مظاهرة خرجت فيها، تضامنًا مع أصدقائها المثليين.
علي وشير، صارا وجهين لضحايا إرهاب المتشددين اليهود.. وقد أدان كل السياسيين الإسرائيليين تقريبًاً، ذلك بشدة. مطالبين بضرورة مكافحة إسرائيل لجميع مظاهر الحقد والتطرف والإرهاب، مهما كان مصدره.. ولعل كلمات زهافا جالون، زعيمة حزب اليسار ميريتس، كانت أكثر وضوحًا لتصف العمليتين الإرهابيتين التي طالتا الرضيع الفلسطيني والفتاة الإسرائيلية، (طعن المتظاهرين والاعتداء على بيت بإضرام النيران فيه لا بد أن يوصف بأنه إرهاب يهودي، إنه تنظيم الدولة الإسلامية اليهودي).
وهذا الإرهاب ليس بالجديد.. فمنذ سنوات والمستوطنون المتطرفون ينتهجون سياسة انتقامية تعرف باسم (دفع الثمن) تقوم على مهاجمة أهداف فلسطينية، وكذلك مهاجمة جنود في كل مرة تتخذ السلطات الإسرائيلية إجراءات يعتبرونها معادية للاستيطان.. وتشمل تلك الهجمات تخريب وتدمير ممتلكات فلسطينية وإحراق سيارات ودور عبادة مسيحية وإسلامية، وإتلاف أو اقتلاع أشجار الزيتون.. ونادرًا ما يتم توقيف الجناة.. ويقول الفلسطينيون إن المستوطنين المتطرفين نفذوا  أحد عشر ألف اعتداء على أهداف فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.. وبحسب منظمة يش دين الإسرائيلية الحقوقية، فإن 85,3% من الشكاوى التي يقدمها فلسطينيون، يتم إغلاقها بسبب عدم قدرة المحققين على اعتقال المشتبه بهم، أو جمع أدلة كافية لتقديم لائحة اتهام.. فهل تكفي الإدانة الواسعة من قبل السياسيين الإسرائيليين وعلى رأسهم رئيس الوزراء، وتوعده بملاحقة الجناة لاحتواء هذا (الإرهاب اليهودي)؟.
يبدو أن إحراق منزل أسرة دوابشة، وما أثاره من استياء وإدانة دولية واسعة، قد دفعت الحكومة الإسرائيلية إلى التحرك.. ففي سياق متصل، سمح وزير الدفاع، باستخدام الاعتقال الإداري، الذي يطبق عادة على المعتقلين الفلسطينيين، بحق المتطرفين اليهود.. ووفق القانون الإسرائيلي الموروث من الانتداب البريطاني، يمكن اعتقال مشتبه به لستة أشهر من دون توجيه تهمة إليه، بموجب اعتقال إداري قابل للتجديد لفترة غير محددة زمنيًا من جانب السلطات العسكرية.
ولكن وإلى الآن، لم يتم اعتقال أي مشتبه به في الضلوع في عملية إحراق منزل دوابشة، رغم مرور سنوات على الحادث.. وهو ما يتساءل عنه أيضًا المعلق الإسرائيلي يوسي ميلمان، خبير القضايا الاستخباراتية، في مقال نشرته صحيفة جيروزاليم بوست، (إنه لا يوجد أي تفسير لعدم قدرة السلطات الإسرائيلية حتى الآن على اعتقال أي مشتبه به بعد مقتل الرضيع.. من غير المعقول أن تكون الدولة، التي نجحت في الحد من العنف الفلسطيني إلى أدنى مستوى، وتأتي الاستخبارات العالمية لتتعلم أساليبها (...) لا تتمكن من التعامل مع بضع مئات من الإرهابيين وأعوانهم).
إلا أن الواقع يقول بأن نتنياهو نفسه، هو من ساهم في إذكاء نار التطرف في إسرائيل، على حد تعبير الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، الذي قال خلال مشاركته في تظاهرة بتل أبيب، (الذين يحرضون على كراهية العرب في إسرائيل، يجب ألا يفاجأوا عندما تحرق الكنائس والمساجد، وفي النهاية عندما يتم حرق طفل حيًا في الليل).. في اتهام غير مباشر لنتنياهو الذي كانت تصريحاته المتطرفة ضد العرب خلال حملته الانتخابية الأخيرة قد أثارت انتقادات شديدة.
أما زعيمة حزب اليسار ميريتس زهافا جالون، والتي كانت ضمن وفد لتعزية الرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله، فقد اتهمت ضمنًا سياسة الاستيطان التي اتبعها بنيامين نتنياهو لتقوية شوكة المتشددين.. وقالت (نحن في إسرائيل بحاجة إلى إجراءات حازمة ضد الإرهاب اليهودي، وإنهاء احتلالنا لملايين البشر، وإطلاق العملية السياسية من جديد).
حزب البيت اليهودي، الذي ائتلف مع حكومة نتنياهو، أهم ذراع سياسية لحركة المستوطنين، اليهود الذين ما انفكوا يضايقون الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، من خلال اقتلاع أشجار الزيتون وإتلاف أراضيهم.. وكل ذلك يحدث تحت عيون الحكومة الإسرائيلية.. كما أن قوة هذه الحركة لا تقتصر على ذلك، بل طالت أيضًا الحكومة.. فبعد أن أصدرت محكمة إسرائيلية حكمًا بهدم منزلين، شيدا بطريقة غير شرعية على أراض مملوكة لفلسطينيين، في مستوطنة بيت إيل، قامت حكومة نتنياهو ذاتها ـ وقتها ـ بالسماح ببناء ثلاثمائة وحدة سكنية جديدة في ذات المستوطنة.
في العقل الإسرائيلي، الإرهابيون هم دائمًا عرب، التطرف الديني هو دائمًا إسلامي، والعنصرية والعنف هما دائمًا خطايا الآخرين.. إن الإسرائيليين واليهود هم دائمًا ضحايا الإرهاب، وضحايا الكراهية، وضحايا معاداة السامية.. عندما يعتدي اليهود على الفلسطينيين ويقتلون ويحرقون ويطلقون النار، ويضطهدون وينهبون ويدمرون ويسرقون ويسيئون المعاملة ويقذفون الحجارة، فإنها دائمًا حادثة واحدة من نوعها لا تسجل حتى كإحصاءات، مع أنها مشكلة واسعة الانتشار.. إلا أنها تعتبر عند الإسرائيليين دائمًا (الحشائش البرية).
وبالنظر إلى ذلك، فإن تقرير صحيفة هآرتس الأخير، حول ارتفاع الجرائم التي ارتكبها اليهود ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، على مدى العامين الماضيين يتطلب من الإسرائيليين إعادة النظر في صورتهم الذاتية.. وقد حذرت أجهزة الأمن كبار المسئولين والسياسيين من تصاعد الجريمة اليهودية.. وينبع تصاعد العنف من حقيقة، أن منتهكي القانون في الضفة الغربية يشعرون بأن لا أحد في النظام السياسي يريد مواجهتهم، لأن القيام بذلك يمكن أن ينطوي على ثمن سياسي.. لكن إسرائيل، بصفتها محتلة، مُلزمة بحماية الفلسطينيين من المستوطنين بدلًا من حماية المستوطنين عندما يهاجمون الفلسطينيين.
ويبقى السؤال.. هل استوجب الأمر أن يلقى رضيع فلسطيني مصرعه، حتى يطلق الإسرائيليون صرخة فزع إزاء (إرهاب المتشددين اليهود)؟.. على أية حال، زعيم المعارضة الإسرائيلية، إسحق هرتزوج، دعا في حديث للإذاعة العامة، اليمين في إسرائيل، إلى (مراجعة الضمير).. مؤكداً أنه (عندما تريد الدولة، فإنه يمكن محاربة الإرهاب).حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.

[email protected]