رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الرئيس الإيرانى فى روسيا الكواليس والطموحات الكبيرة

هل هناك لحظة سخونة للأحداث التى تخص كلا الطرفين بأكثر مما هى عليه الآن، التقدير أن كليهما فى لحظة ذروة «ممتدة»، روسيا وأزمة أوكرانيا تضعها فى موقف معقد مع كل أطراف المعسكر الغربى، والأزمة فى طياتها لها ارتباطات سياسية وأمنية عسكرية واقتصادية واسعة ومتشعبة، وكل الأطراف المتداخلين فى المشهد عالقون بصورة أو بأخرى، مما ينذر بالكثير فيما هو قادم. إيران لا يقل وضعها عن هذا القدر من التعقيد بالنظر إلى وضع مفاوضات فيينا، ووصولها إلى محطة انسداد تنذر هى الأخرى بانسحابها على ملف العقوبات الخانق وتعميق أزمتها الاقتصادية، وامتدادها إلى مشهد تهديد أذرعها الخارجية لأمن الإقليم، بالنظر إلى التطور النوعى الذى جرى على الساحة اليمنية ونقلة قائمة الاستهدافات التى شهدتها أبوظبى مؤخرًا. 

على تلك الخلفية جاءت زيارة الرئيس الإيرانى «إبراهيم رئيسى» إلى العاصمة الروسية موسكو فى ١٩ يناير الجارى واستمرت لمدة يومين. تعد هذه الزيارة إلى موسكو الأولى من نوعها لـ«رئيسى» منذ توليه منصبه فى أغسطس الماضى، فضلًا عن أن «رئيسى» هو أول رئيس دولة أجنبية يلتقيه بوتين فى الكرملين هذا العام، فى ذات الوقت الذى وصفها فيه وزير الخارجية «سيرجى لافروف» بأن الزيارة مهمة للغاية، حيث سيبحث قادة البلدين التعاون فى المجال الاقتصادى والسياسة الدولية والتعاون فى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى. تضمنت الزيارة اجتماعًا مطولًا استمر ثلاث ساعات بين «رئيسى» ونظيره الروسى «فلاديمير بوتين»، تهامس المحيطون بكلا الرئيسين بأنه كان له دافع أساسى، له علاقة بسبل تعزيز موقفهما الاستراتيجى ضد العقوبات الأمريكية والغربية، حيث يطرح كل منهما أمام الآخر تجربته السابقة مع الولايات المتحدة والغرب، لاستخدام مواردهما ومزاياهما المشتركة بشكل عقلانى، وتشكيل أدوات متباينة للتحوط والاستعداد لحزم من التهديدات والتحديات المالية والاقتصادية والأمنية، يعد لها بعناية وقادمة لا محالة من الولايات المتحدة والغرب.

الرئيس الإيرانى ذهب إلى موسكو وفى جعبته أمر حيوى، وجد أن هذا التوقيت بالغ الأهمية فى إنجازه، خاصة فى ظل رفع الأمم المتحدة الحظر الدولى على شراء إيران أسلحة تقليدية، وكذلك رغبة طهران فى تحديث بعض جوانب منظومتها الدفاعية التى عطلتها العقوبات المتلاحقة. فطهران ترى أنها تتعرض لتهديدات متصاعدة، خاصة من إسرائيل، ولهذا تجد فرضًا عليها الذهاب سريعًا إلى تأمين ما تتحسب أنه قد يبدو وشيكًا، حتى وإن أتمت مع روسيا صفقة عبر المقايضة باستخدام السلع الإيرانية، أو من خلال قرض روسى يسدد على فترة طويلة، لكن موسكو فى الوقت الراهن لا تبدو متحمسة لبيع أسلحة متطورة إلى إيران، نظرًا لرغبتها فى تجنب إضافة مزيد من التوتر لعلاقاتها مع الغرب، أو إشعال فتيل إزعاج لإسرائيل التى ستعتبر نفسها المستهدف الأول بتلك الأسلحة، وهذا ما جعل الأمر يتعثر عبر القنوات المعتادة واستلزم لمحاولة إنجازه أن يطلبه الرئيس الإيرانى فى الزيارة، التى تجرى بعد ٥ أعوام لم يزر فيها رئيس إيرانى روسيا. فليس خافيًا على الأخير أن هناك تداخلًا للعلاقات الأمنية الروسية الإسرائيلية فى عديد من الملفات، أشهرها المتقاطع مع إيران على الساحة السورية. فالمطلب الإسرائيلى من روسيا تحجيم الوجود الإيرانى هناك، بات واضحًا أنه محل تفاهم روسى إسرائيلى على نحو ما، خاصة مع تكرار تجنب منظومات الدفاع الصاروخى الروسية التصدى للغارات الإسرائيلية المتواصلة على البنية التحتية العسكرية الإيرانية فى سوريا. كان آخرها ما جرى فى ميناء اللاذقية بالقرب جدًا من «قاعدة حميميم» الروسية، وهو ما تطلب مناقشة القضايا الأمنية العالقة بين روسيا وإيران فى سوريا عبر هذا الاجتماع رفيع المستوى.

على جانب آخر وفى ظل براجماتية كلتا الدولتين ونظامى الحكم فيهما، كان هناك جهد إيرانى بارز خلال العامين الماضيين، فى اتجاه انفتاح طهران على موسكو وبكين بصورة استراتيجية تعزز من آليات تعاونها معهما فى مواجهة المحور الغربى، وقد أفسح لها هذا المجال وكل من روسيا والصين لا تمانعان فى ضم إيران بعضًا من النشاطات المؤثرة التى تحقق لها ميزة نوعية فى هذا الاتجاه. لذلك كان لافتًا أيضًا أن تأتى زيارة «رئيسى» إلى موسكو تزامنًا مع بدء النسخة الثالثة من مناورات «الحزام الأمنى البحرى» فى ٢٢ من الشهر الجارى بين قوات إيرانية وروسية وصينية شمال المحيط الهندى، وهى المناورات التى انطلقت لأول مرة عام ٢٠١٩ بهدف تعزيز العلاقات العسكرية البحرية بين الدول الثلاث، والتصدى لتهديدات القرصنة البحرية بالأخص فى مناطق مضيق «باب المندب» وبحر العرب وصولًا إلى المحيط الهندى. لكن هذه الخطوة تراها إيران إنجازًا تحقق قبلًا، وهى تريد البناء عليه، لذلك فما زالت عبر «رئيسى» تضغط باتجاه صفقة محتملة لشراء معدات عسكرية روسية، تتراوح قيمتها بنحو «١٠ مليارات» دولار على الأقل، خاصة أنها تشمل مقاتلات حربية متطورة ومنظومات للدفاع الجوى الحديث «S – ٤٠٠».

تطورات الملف الأفغانى كذلك كانت له مساحة هامة من لقاء الرئيسين، باعتباره قضية ذات اهتمام مشترك بين البلدين، فكلاهما لا يخفى قلقه من تحول الأراضى الأفغانية مرة أخرى إلى قواعد خلفية لجماعات مسلحة تستهدف البلدين، فالجماعات الإسلامية من آسيا الوسطى والقوقاز والشيشان ترى موسكو تمثل تهديدًا مباشرًا لمصالحها بالمنطقة، كما ترى طهران أن الجماعات البلوشية فضلًا عن تنظيم «ولاية خراسان» التابع لداعش، يمكنهما أن يمثلا تهديدًا مستقبليًا لأمنها الحدودى فضلًا عن قدرات تلك التنظيمات فى الوصول إلى العمق الإيرانى. وهذا الملف تحاول فيه طهران أن تقدم ما لديها «وهو كثير» وثمين بالنسبة لموسكو، فى مقابل أن تساعد الأخيرة كى تحافظ على مكاسبها على جبهة أخرى من دون تشتيت للقوى أو الانتباه. فإيران ترصد بدقة حجم الجهد الذى تبذله روسيا فى استعادة تنشيط سلسلة من التحالفات والشراكات الثنائية القوية؛ بداية من دفع التكامل بين موسكو وبيلاروسيا بشكل جوهرى فى ظل تدخل الولايات المتحدة والغرب فى الوضع فى بيلاروسيا، ومؤخرًا الاستفادة من أعمال الشغب التى وقعت فى كازاخستان، مما استدعى منها إرسال القوات العسكرية بالسرعة اللازمة للحفاظ على السلام، من خلال تفعيل آليات منظمة «معاهدة الأمن الجماعى» لمنع القوات الغربية من إشعال «ثورة ملونة» فى كازاخستان.

كواليس وتحركات تبدو على درجة عالية من الأهمية بلقاء الرئيسين فى هذه المرحلة، فما بينهما كثير ومتداخل، وكلاهما ينظر للآخر باعتباره يمثل قيمة مضافة فى ظل قياسات قوة وقدرة أوراق اللعب التى تجرى على قدم وساق، وفى القلب منها روسيا وإيران، ممسكتان بأجندة طموحات قوية وجريئة أمام قوى أخرى عديدة، أقربها المعسكر الغربى بالطبع، لكنها لا تقف عنده بل تمتد إلى المنطقة العربية وكثير من زوايا وملفات الشرق الأوسط عامة. لهذا ستظل مخرجات تلك الزيارة محل اهتمام عديد من الأطراف، منها نحن وآخرون يستشعرون ذات الأهمية ويرقبون سكنات ولفتات كلا الرئيسين فى تلك اللحظات الحرجة.