رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

مصر والجزائر.. وصل ما انقطع

لا شىء يمكن قوله بخصوص علاقات مصر والجزائر سوى أن كل ما حدث بعد مشاهد البداية لم يكن بحجمها، ولا نتيجة منطقية لها، وكأن هناك بناء تم وضع حجر أساس متين له لكنه لم يكتمل لسبب ما.. أعظم مشهدين فى العلاقة هما موقف مصر من ثورة الجزائر، وموقف الجزائر فى حرب أكتوبر.. بعد هذين المشهدين فإن كل ما جاء لم يكن بحجمهما.. فى الثورة الجزائرية لعبت مصر دور الحاضن، والممول، والراعى، والناصح، جاء المناضلون الجزائريون إلى مصر أفرادًا، ففتحت لهم مصر أبوابها، تولى الملف فتحى الديب، مستشار جمال عبدالناصر، وذراع مصر القوية فى العالم العربى، تم إطلاق جبهة التحرير الجزائرية من مصر، تم تدريب المقاتلين وإرسال السلاح للداخل الجزائرى، عوقبت مصر باشتراك فرنسا فى العدوان الثلاثى عليها، لكن الثورة الجزائرية انتصرت فى النهاية.. بعد نكسة يونيو أحس الجزائريون أن معركتهم هنا فى مصر، فتح هوارى بومدين خطًا روسيًا بتمويل جزائرى لمصر، وقيل إنه سلّم المسئولين هناك شيكًا موقعًا على بياض لتمويل السلاح الذى تحتاجه مصر، أرسلت الجزائر فيلقًا مدرعًا يضم ما يقرب من ٢٥٠٠جندى وضابط، وزودت مصر بخمسين طائرة، ومائة دبابة، و١٢ مدفعًا، وهى أعداد لا تبدو كبيرة الآن، لكنها كانت كبيرة جدًا بمعايير تلك الأيام.. فى أيام الحرب الأولى كان كل القادة العرب يتصلون بالرئيس السادات ليطمئنوا على سير الأحوال، كانت ردوده على معظمهم روتينية، ومقتضبة ولا يبوح فيها بأى معلومات، ما عدا مكالماته مع هوارى بومدين، والتى كان يصل فيها إلى أقصى مدى مسموح من الشفافية والبوح، وكان ذلك انعكاسًا لما قدمه الجزائريون على الأرض.. بعد هذين المشهدين العظيمين كان كل ما جاء أقل مما مضى، حدثت خلافات مؤكدة بسبب سياسة الصدمة التى اتبعها الرئيس السادات، واصطدم هذا بتركيبة الشخصية الجزائرية التى خرجت من احتلال فرنسى طويل، ولا تجد مبررًا لوجودها دون التمسك بثوابت العروبة والإسلام، وربما كانت هناك تدخلات خارجية تسعى لإبعاد هذين البلدين الكبيرين عن بعضهما البعض.. شىء ما غامض فى الأروقة أدى لأن تبقى علاقات البلدين محلك سر، ليس خافيًا أن الجزائر فى مرحلة من سعيها للتعريب والأسلمة استعانت بدعاة ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين مثل محمد الغزالى، ويوسف القرضاوى، ولا أحد يعرف تأثير هذا على المجتمع هناك ولا على العلاقات مع مصر سوى الجزائريين أنفسهم، تدهورت العلاقات عام ٢٠٠٩ بما لا يليق بهذا التاريخ الناصع، حدث خلاف حول طريقة تسديد الغاز الجزائرى لمصر، أعقبه خلاف إعلامى حول مباراة كرة قدم بين البلدين، كانت هناك مبالغات، وطرق غير مسئولة فى إدارة الأزمة، ظلت منعكسة على العلاقات بين البلدين، كانت هناك بثور صغيرة تشوه وجه علاقة أخوة تم تعميدها بالدم، والتضحيات المتبادلة، وكأن الأبناء بددوا ما بناه الآباء.. جرت فى النهر مياه كثيرة، وحافظ الجيش المصرى على قوام الدولة إزاء عواصف التغيير، وهو نفس ما فعله الجيش الجزائرى بعد ذلك بسنوات.. دائمًا كان هناك سؤال عن سبب عدم التكامل بين هذين البلدين، الجزائر بلد عربى هام وقوى، قبل المتاعب الاقتصادية الأخيرة فى العالم كان يمتلك احتياطيًا نقديًا كبيرًا، سياسته الخارجية مستقلة، ولا تربطه تحالفات بمحاور معادية لمصر، لدى كل بلد ما يعطيه للآخر، لكن حجم التبادل التجارى لا يزيد على ٣٩٣ مليون دولار سنويًا، وهو رقم صغير بالنسبة لاقتصادات البلدين، مصر تحتل الدولة الـ١٥ فى قائمة الدول المصدرة للجزائر، فى حين أنها بحسابات التاريخ يجب أن تكون رقم واحد أو اثنين، زادت الصادرات المصرية غير البترولية فى آخر عام بنسبة ١٠٪، ولكننا نريدها أن تزيد بنسبة ١٠٠٪، ونريد أيضًا أن تزيد صادرات الجزائريين لمصر بنفس النسبة، بين مصر والجزائر وعود معلقة، ومواعيد تم الاتفاق عليها ولم يذهب لها الطرفان، وإمكانات عملاقة للتكامل والوحدة تنتظر أن تتحقق على الأرض، وأظن أنه آن الأوان لآن تتحقق لمصلحة شعبين من أنقى وأنبل الشعوب.