رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الدولة المدنية والفتوى الشرعية

لا أدرى إلى متى ستظل الشعوب العربية الموحدة بالله، ورسوله آخر الأنبياء وخاتم المرسلين، المؤمنة باليوم الآخر وأركان الإسلام المقدسة، فى "غيبوبة" بائسة تثير الشفقة والأسى؟

إلى متى تتجاهل هذه الشعوب وتحتقر اكتشافات الطب وإنجازات العلم فى كل مجال، وتصر على أخذ الفتوى فى تسيير أمور حياتها من رجال الدين والمشايخ وأتباعهم؟

"الفتوى" هذه الكلمة التى تلغى عقول البشر وتحتكر الوصايا، لا أدرى ما هى المتعة التى تتشبث بها هذه الشعوب التى تحتل الصفوف الأخيرة فى كل مجالات الحياة وتجعلهم "مساكين" يتسولون لقمة المعرفة والحياة، لا يثقون فى قدراتهم على التمييز وعلى الاختيار وتحكيم العقل والمنطق؟

"الفتوى" تشعرنا بأننا "دمى" من قش أو من ورق "مسلوبة" الفكر  وإرادة تحركها ذقون رجال الدين وعمائم المشايخ المستقاة منذ آلاف السنوات. 
ما هو هذا الأمان الموروث فى أن يسلم الإنسان، امرأة أو رجلًا، مفتاح شقته إلى "غرباء" يقتحمون خصوصية البيت كما يشاءون ومتى يريدون ويستمرون فى الإقامة فى بيت لا يملكونه؟

شعوب أدمنت العجز والخوف من الأسئلة وتشويه كل مشتقات الحرية وشتيمة الأحرار ، نساء ورجالاً.

شعوب "ماشية جنب الحائط"، تأكل وتشرب وتتكاثر بأعداد خرافية، لتدعيم دولة الإسلام، وترسيخ عزوة أمة "لا إله إلا الله . محمد رسول الله". 
شعوب لا يهمها أحوالها البائسة اليائسة فى كل مجال، حيث فى الآخرة، التعويض والمكافأة وتعذيب الكفار، الذين تجرأوا على تجميل أحوال الدنيا.

لقد أصبحت فتاوى "دولة العمائم" المتربحة من تغييب العقول، "بيزنس" مربحًا، خاصة المنتشرة على الفضائيات، أكثر من انتشار وباء كورونا، وضحاياها أكثر بكثير من ضحايا هذا الوباء الفيروسى ، ومع الأسف ليس لها لقاح، إنجليزى أو أمريكى أو صينى.

وإليكم ، وإليكن هذه القصة الواقعية التى تؤكد بشاعة المأساة التى تحياها شعوب فتاوى دولة العمائم. 

واحدة من معارفى أخبرتنى بأنها قد قررت الذهاب إلى طبيب أسنان، لتجرى عملية تقويم وإصلاح لأسنانها "المعوجة"، ولكنها تشاجرت مع زوجها شجارًا عنيفًا كاد ينتهى بالطلاق، لأنه قال لها إن هذه العملية تدخل فى نطاق "المحرمات شرعًا".

هذا ما سمعه الزوج من واحد من شيوخ الفضائيات، وأنه لن يسمح لها بأن تفعل ما حرمه الله. سألته ولماذا تقويم الأسنان “حرام” كما أفتى الشيخ الفضائى؟

بكل ثقة واستعلاء، قال: "لأنه يصلح العيوب، ويقلل القبح، وفى هذا تغيير لخلق الله تعالى".

"أقول إيه ولا إيه" والصفحة محدودة، وأعصابى محدودة، ومساحة العمر محدودة؟

خضعت الزوجة المسكينة لأوامر زوجها الطبيب الحاصل على الدكتوراه فى علاج الأورام، خوفًا من إغضاب الله، والأهم خوفًا من إغضاب زوجها الذى هددها بالطلاق.  
إن بيزنس الفتاوى الدينية الفضائية تم له ما ابتغاه، فقد أصبح يؤتى ثماره على منْ يعانون من كل أنواع الأمية وليس فقط الأمية الأبجدية.

إن الأمية الأبجدية تقريبًا 40% من عدد الشعب المصرى، شئ فعلًا مؤسف، وقد سمعنا من عشرين سنة العالم يقول إن منْ يبقى جاهلًا بلغة الكمبيوتر  فى عام 2000، سوف يعتبر بالمعيار العالمى "أميًا".

فما بالنا ونحن فى عام 2022 ولدينا أمية أبجدية كبيرة لا نُحسد عليها وليست أمية كمبيوتر؟ 
بيزنس الفتاوى الدينية الفضائية له سوق رائجة فى مجتمعاتنا وهى فى تنامى وازدهار ، ليس فقط بين أصحاب الأمية الأبجدية المرتفعة الذين يعانون من البطالة أو يسكنون فى أحياء شعبية مستواها البيئى محدود، ولكن بين أصحاب "الأمية الثقافية" و"الأمية الحضارية" المتعلمين تعليمًا متميزًا ، ويشغلون مناصب رفيعة وحالتهم الاقتصادية مرتفعة.

والدليل على كلامى أن هذا الزوج يجيد ثلاث لغات أجنبية، وحاصل على الدكتوراه من الخارج، وأمه نمساوية الأصل، ولا تتكلم إلا الألمانية، وقليلًا من العربية، وبنى من الطب عمارات ومنتجعات.

فى بعض الأحيان أقابل امرأة لا تقرأ ولا تكتب لكنها فاهمة وبتفكر، بعقلها الفطرى، أفضل ألف مرة من خريجات الجامعة، أو أتعامل مع رجل "لا يفك الخط" لكنه بالمنطق البسيط العادل "يفك الضحك على الذقون، والتناقض، والكذب، والتضليل باسم الدين".

ولنرجع إلى فتوى الشيخ الفضائية.. هو يقول إن "تقويم الأسنان حرام" لأنه يغير من خلق الله. 
أولًا، نحن فى دولة مدنية اختارتها مصر لتكون طريقًا لها، وهذه الدولة المدنية المفروض ألا يحكم فيها الدين ولا يتحكم بأى شكل وبأى درجة فى أى موقع من مواقع المجتمع.  

وهى دولة لغة الصواب والخطأ والمنطق السليم والعقل الراشد والطب الصحيح، والعلم الحديث ومصلحة البشر  وسعادة وراحة وحرية الناس، والاستفادة من التاريخ، وتقليل معاناة وآلام البشرية.

فى الدولة المدنية المفروض ألا نسمع لغة دينية، لغة الحرام والحلال والمنهى عنه والمنكر ، والمغضوب عليه، ثواب الجنة وعقاب النار، كافر أو كافرة، مرتد عن الدين أو مرتدة عن الدين، قضايا حسبة، ازدراء أديان، وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة، ورفع كرباج الإرهاب الدينى، وفتاوى رجال الدين والمشايخ.

ثانيًا، نناقش منطق الفتوى نفسه.. لو توقفنا عن إصلاح العيوب وتقليل القبح، وعدم السعى إلى الجمال، لأن هذا يغير من خلق الله، فلن ننجز شيئًا فى أى مجال، ولما تمتعت البشرية على مدى عصورها بإنجازات عظيمة فى الطب والعلم والفلك وغيرها.
وهذا الزوج الطبيب المتخصص فى علاج الأورام أليس شغله كله يغير من خلق الله، ألا يعالج الورم الذى يصيب مرضاه، هل يمكن أن نمرض بالأورام دون حكمة أو إرادة من الله، ما هذا التناقض الفج الواضح وضوح الشمس، وما هذه الازدواجية الانتهازية؟

لماذا يفعل شيوخ الفضائيات هذا، لماذا يريدون أن يصبحوا" دولة داخل الدولة، لماذا يحرمون تقليل القبح والسعى إلى الجمال وهم يرددون طول الوقت على مسامعنا أن “الله جميل يحب كل جميل”؟

ولمصلحة منْ نشعر، المواطنات والمواطنين، بالخوف وتأنيب الضمير واللخبطة والفوضى والحيرة والتشكك فى إيمانهم وتدينهم وإدراكهم السليم فى كل خطوة فى حياتهم، حتى وهم يقومون بتصليح أسنانهم؟ ما كل واحد حر فى أسنانه وحياته طالما أنه لم يضر أحدًا.

الضرر الوحيد هو الواقع على هؤلاء المشايخ الذين يفتحون بيوتهم على حساب حريتنا وسعادتنا والاستمتاع بالحياة كما يحلو لنا، يعاملوننا على أننا "بشر بلهاء ينقصنا الفهم والعقل والرشادة والحس السليم.
بمنطق هذه الفتوى يصبح العالم  "وليام مورتون"،  9 أغسطس 1819 – 15 يوليو 1868 ، الأمريكى، مكتشف التخدير عن طريق التنفس، مغضوبًا عليه، لأن كل شىء حولنا "ابتلاء" من الله، والألم فيه حكمة غامضة لا يعلمها إلا الله، وتخفيف وتقليل معاناة ألم المرض يعد "جرمًا" لا يُغتفر  أو "كفرًا"، لأنه قد يشفى المريض وبالتالى يؤخر لقاءه بربه.

كان "وليام مورتون" طبيب أسنان، بالمناسبة، مات فى ريعان شبابه، فقيرًا من كثرة إنفاقه على تجاربه العلمية لإفادة البشرية بينما شيوخ الفضائيات فى منتهى الثراء، مفارقة تشعر الإنسان بالأسى والمرارة.  

بالقرب من مقبرته فى بوسطن أقيم له تمثال يقول بعد اسمه وإنجازه: "كانت الجراحة قبله عذابًا، وبعده أصبح العلم قادرًا على التحكم فى الألم والقضاء عليه".

أفنى وليام مورتون حياته القصيرة، 49 عامًا، ليس بقصد أن يكفر الناس فى عيشتهم، ولكن لتحسين عيشتهم، لم تكن قضيته كيف يسيطر على حياة الناس ولكن كيف يسيطر على ألم الناس.

من بستان قصائدى.. قصيدة "الجوع"
***********

فى بلادى.. فى القرى
والكفور والنجوع.. يمرض ويموت الناس 
من لدغات الجوع.. لكننا نطالبهم 
بربط الحزام على المعدة الخاوية.. ينصحهم أهل العمامة بالدعاء والركوع 
فهذا ابتلاء من الله الرحمن الرحيم..  يجب تقبله فى فرح وامتنان وخشوع 
حياة الملايين مسجونة بالحرام.. والمغضوب عليه 
ملقاة وسط القمامة..  مركونة فى الممنوع  
يولدون ويموتون.. فى انتظار معجزة أخرى من موسى أو محمد أو يسوع.