رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

مع التفاؤل لا بد أن نفهم ونتأمل ونتعلم لكى نتغير ونُغير

من حقنا التفاؤل مع حلول عام جديد، ومن حقنا التشبث بالإيجابيات ورؤية النصف الممتلئ من الكوب بدلًا من النصف الفارغ من حقوق الإنسان البديهية، أن نحلم بالبهجة والفرح وراحة الجسد والنفس، وأن نأمن على الحاضر ونطمئن على المستقبل، ولكن من واجبنا الإنسانى أن نفهم ونتأمل العالم بحكمة الفلاسفة، ونتعلم من تجارب العلماء، وبعد ذلك يمكن أن نتغير ونُغير.
معظم البيوت فى العالم على سطح كوكب الأرض غير سعيدة، أغلب البشر يستهلكون بانتظام مضادات الاكتئاب وعلاجات الأرق وتهدئة العنف والوساوس القهرية والأفكار الانتحارية وأقراص لتنشيط هرمونات السعادة والأمان واستعادة طاقة الجسد المنهك، دون مبرر واضح أو منطقى، أكثر مما يستهلكون القهوة والشاى والعصائر والزهور والضحك والنوم الآمن الهادئ.

لست مندهشة، فالحضارة العالمية التى تحكم كوكب الأرض فاشلة لأنها فى تناقض جوهرى مع "حقوق الإنسان"، و"الإنسان" المقصود هنا هو الغالبية العظمى من النساء والرجال والأطفال والمهمشين والمهاجرين والأقليات والملونين وضحايا الإرهاب الدينى، ضحايا الجرائم البشعة المتوحشة وضحايا الفقر، والأحوال البيئية المتدهورة، وعدم العدالة فى توزيع الموارد والحقوق والامتيازات، وضحايا الفنون الرديئة والفساد و"بيزنس" سرقة الكرامة والأعضاء وتفشى النعرات العنصرية والذكورية، وتراجع سقف حريات التعبير والإبداع والحريات الشخصية تحت أسماء براقة مضللة.
غالبية عظمى بالملايين لا يملكون إلا أجسادهم المنهوكة فى مهانة البطالة أو تحت عجلات الإنتاج الرأسمالى الشرس وعقولهم المغسولة بإعلام يبيع لهم وهم الحرية ولا يعبد إلا رأس المال وتكدس الأرباح وعرى النساء وسلطة الرجال.

علّمنا التاريخ أن اللصوص والنصابين والمحتالين وعتاولة الإجرام والمرتزقة والقوادين والفاسدين والجواسيس والكاذبين وتجار الأديان وسماسرة الأوطان والقتلة، هم أبرع الناس فى الكلام عن الأمانة والشرف والصدق والنزاهة والعفة والفضيلة والعدالة والحرية وكرامة وحقوق الإنسان.

كيف لا نمرض؟ ومن أين تأتى السعادة؟ والعالم كله مؤسس على مبدأ أن الفلوس أهم من الإنسان، الفقير لا يجد أحدًا يحترمه ولا يعمل له أى حساب على الإطلاق، بينما اللى معاه فلوس، متشال من على الأرض شيل، يتعمل له مليون حساب، لا يهم على الإطلاق من أين جاءت الفلوس، الغنى له كل شىء والفقير ليس لديه إلا الدعاء إلى الله.

أين ذهبت الأخبار التى تنعش القلب وتجدد سريان الطاقة فى نفوسنا وأجسادنا، تساعدنا على النوم دون أقراص منومة وتضبط كيمياء المخ دون تدخل من الخارج؟ مجبرون ومجبرات على الاستمرار فى عالم فيه "الدم" آلية ضرورية من آليات وجوده ورسوخه.
نتطلع إلى مستقبل لا يؤرخه البطش والنهب وسلب ثروات الشعوب وقتل أرواح البشر من أجل رفاهية "قلة"، لا تشبع، متمدينة الملامح، همجية السلوك، قلة من البشر، رأس المال لديها أهم من رأس الإنسان، وصوت دوران ماكينات الأسلحة أجمل وأغلى وأهم وأرقى من صوت أوتار الكمان، وهمسات العشق حضارة تمرضنا بالاكتئاب، ثم تنتج لنا مضادات الاكتئاب، لتمتص أموالنا كما امتصت صحتنا وسعادتنا، هى مجبرة لأنها دون ضحاياها لن تستمر فى البقاء.

أليس من حقنا نحن مواطنى ومواطنات الأرض أن نعلن احتجاجنا على قوانين هذا الكوكب؟ قوانين تصر على أن تجردنا من إنسانيتنا، تصر على أن تفقدنا الأمل في عالم جديد بديل، تصر على أن تضعف مناعتنا لكى نتحول إلى آلات أو صفقات استثمارية أو وجوه لا ملامح لها، لا حلم لها، لا رأي لها، لا موقف لها، لا سند لها، فقط جيوب منتفخة وأرصدة بنكية متضخمة أو عمالة يذهب نصف دخلها على مضادات الأرق واستهلاك أغلبه لا ضرورة له.
قوانين وضعها بشر مثلنا وإذا كانت قوانين من صنع البشر، لماذا لا تتغير؟ لماذا هي راسخة على قلوبنا تصيبنا بالذبحة الإنسانية المزمنة؟ لا شفاء منها، لا فكاك منها، إذا كانت قوانين من صنع البشر الذين يموتون، لماذا هي خالدة وتبدو لا عمر لها مثل الشمس والجبال والبحار؟
السؤال هو: كيف ننسى هذا العالم المقلوب؟ كيف نفهم الخيوط الأساسية التي تربطنا بجوهر الحياة؟ وكيف نأتي بالقوة للاستمرار على كوكب أصبح مرهقاً على الحالمين والحالمات بالعدل والجمال والحرية؟
"الحرية" تلك الكلمة البديعة التى شغلت الفلاسفة والمتمردين من النساء والرجال على مدى العصور، "الحرية" هى كل شىء ودونها لا معنى لأى شىء، هى الدواء والغاية والصحة والسعادة، هى البدء وهى المنتهى.

أتذكر عندما عاد جورج برنارد شو «26 يوليو 1856- 2 نوفمبر 1950» من زيارته لأمريكا سُئل عن رأيه فى تمثال الحرية، فقال: "الناس عادة ما يصنعون التماثيل للأموات".

من بستان قصائدى
قصيدة المندسون تحت الثياب
أهل الأمر بالمعروف.. والنهى عن المنكر
فى كل مكان حولنا.. بيننا وفوقنا وتحتنا
يحددون الطعام والشراب.. وكيف تتكون الأجنة فى الأرحام
يختلطون بالماء والتراب والهواء.. يندسون بين الثياب
داخل ملاءات السرير يتربصون.. على دقات القلوب يتلصصون
يحكمون ويسجنون.. يرجمون ويشنقون
يذبحون ويجلدون.. بالكرابيج يمشون
يتباهون بخنق الحياة.. وقتل فرحة النساء