رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

فى ذكر المثقف المحبط

أنا واحد من الذين يحترمون الثقافة المصرية لأقصى درجة، أراها أساس قوة مصر الناعمة، أبحث عن المثقف الحقيقى كما يبحث المريد عن الشيخ، لسنوات طويلة جدًا آليت على نفسى ألا أهاجم مثقفًا وطنيًا مهما كان الخلاف.. لكننى فى الحقيقة لا أستطيع أن أتجاهل ظاهرة المثقف «البيض حباطى».. هذا المصطلح العامى مشتق من كلمتين.. أولاهما «البيض» بما له من دلالة فى اللغة الدارجة، و«الإحباط» وهو واقع يعيشه البعض ويسعى إلى تصديره للناس.. الجزء الأول من التعبير، يشير إلى ثقل الظل، وافتقاد النباهة واللماحية، والجزء الثانى يشير إلى سعى صاحبه لتصدير الإحباط للناس.. هذا المثقف «البيض حباطى» هو فى الغالب غير متموِّل، وليس صاحب مصلحة، لكنه يشعر بالتهميش، وبأن أحدًا لا يقدر أهميته، ويضايقه أن أحداثًا كبرى تحدث دون مشاركته، فضلًا عن أنه يحب أن «يفتى» فى كل شىء، هذا المثقف «البيض حباطى» طاردتنى منشوراته بمناسبة الاحتفال بافتتاح طريق الكباش، أحدهم يجلس ليشاهد ثم يقول لأصدقائه «ماذا سيستفيد الفقراء من هذا الاحتفال؟» هذا رجل جاهل، أو مختل العقل، والجميع يعرضون عن الإجابة عليه، استخفافًا بضيق أفقه، ولكننى سأجيب عليه احترامًا للمواطن البسيط الذى يتاجر به وليس له، هذا الاحتفال يدخل فى بند التسويق السياسى والسياحى لمصر، ونفقاته تدخل تحت بند «الإعلان» الذى لا يباع أى منتج بدونه، هذا التسويق تنتج عنه نتيجتان مباشرتان، أولًا.. الاستثمارات الأجنبية، وثانيًا، السياحة، كلا هذين النشاطين ينتج عنهما دخول عملة أجنبية للبلد، وفرص عمل لأهله، وضرائب تمول الموازنة العامة للدولة.. ما أقوله ليس أسرارًا.. ويمكن للمثقف «البيض حباطى» أن يصل له بنفسه، لكن الرغبة فى الادعاء والكيد السياسى تدفعه لأن يكون تافهًا لهذه الدرجة، هناك أيضًا مدعى الثقافة الذى يشكك فى كل شىء، وأى شىء، هذا الرجل كان يقول لك من سنتين إن كبار المسئولين سلفيون تمامًا، وإن الدولة أصبحت سلفية، وإن «هواها سلفى» وإنه يعرف ذلك من صديقه «عماد» الذى يؤكد له المعلومات دائمًا، هذا الرجل لم يرتدع عندما وجد كل هذه المهرجانات الفنية، وموكب المومياوات، وكل هذا الاحتفال بالهوية المصرية، واستماع عموم المصريين للغة المصرية القديمة لأول مرة فى تاريخهم.. هذا المثقف المدعى لم يرتدع، ولكنه عدل نظارته على وجهه وغير توجهه وقرر أن يزايد على الدولة فى الاتجاه المضاد، فكتب منشورًا يقول «كل هذه الاحتفالات لا تعنى أنهم صادقون فى إحياء الهوية المصرية.. إنها مجرد شكل»!! هذا رجل تافه، يعانى من الإحباط، ومن عدم وجود دور حقيقى، ويزايد على أى شىء، وكل شىء، لأنه لا يدفع ثمنًا حقيقيًا لأى شىء، ولا يعمل بجدية، وقد جاء من العدم وسيذهب إلى العدم، بعد كتابة أكبر عدد من المنشورات على فيسبوك، لن يبقى منها أى شىء، لأن ما ينفع الناس هو الذى يمكث فى الأرض.. هناك نوع ثالث من «البيض حباطى» وهو الذى يترك كل المعانى الكبيرة ويتحدث فى «الهايفة» عملًا بالمثل الشهير عن أفضل طريقة لتعلم التفاهة.. فهو يترك كل شىء ليحدثك فى تفصيلة صغيرة، مثل الإضاءة فى أحد المشاهد، أو صوت واحد من عشرة مطربين شاركوا، أو أن أغنية «الأقصر بلدنا» كان يجب أن تذاع فيديو بصوت العزبى «هذا رأيى أنا أيضًا بالمناسبة»، هذا النوع أخف أنواع «البيض حباطى» لأنه يبدى ملاحظات نقدية، بعضها مفيد، لكن الحقيقة أن هذا الاحتفال هدفه الاحتفال، تمامًا مثلما كنا نشترى ثيابًا جديدة فى العيد، ليس شرطًا أن تكون الأكثر أناقة، ولا الأغلى سعرًا، ولكن المعنى هو الذى يسعدنا أننا نرتدى ملابس جديدة ونفرح بها، هذا المثقف أو «مدعى الثقافة» لم ير المعنى الوطنى فى الاحتفال، رغم أنه يطنطن بحب مصر.. إن مصر هى أكبر دولة فى الجزء الناجى من الوطن العربى، لقد ضربت المؤامرات والانهيارات دولًا عربية غالية وبقيت مصر لأنها مصر، مع مصر نجت دول شقيقة مثل المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية، وخارج الوطن العربى هناك إسرائيل التى يبلغ عمرها هذا العام ٧٣ عامًا.. فى حين أن عمر طريق الكباش وحده ثلاثة آلاف عام.. هل تفهم المعنى؟! هل تحتاج مزيدًا من الشرح؟ اقرأ إذن قصيدة حافظ إبراهيم «مصر تتحدث عن نفسها».. اقرأ البيت الذى يقول فيه «وبناة الأهرام فى سالف الدهر كفونى الكلام عند التحدى» هل فهمت الآن؟ شكرًا على حسن انتباهك وتحية لك ونلتقى فى احتفال قادم بإذن الله.