الأربعاء 08 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الرجل الأصفر

فى الأدبيات اليسارية هناك تعبير يسمى «النقابى الأصفر»، يصف التعبير النقابى الذى يخفى علاقته بالإدارة ويتظاهر بالمعارضة ليكسب ثقة العمال...هو أصفر لأن بياضه ملوث، غير واضح، فى العقود السابقة من تاريخنا أصبح فى حياتنا الكثيرون الذين يمكن وصف كل واحد منهم أنه «رجل أصفر».. رجل الأعمال الذى يراكم ثروة بالمليارات، ويعمل مع الدولة فى عشرات المشاريع، وينسق فى كل خطوة يخطوها، ثم يتظاهر بالمعارضة.. هذا رجل أصفر.. يلعب هنا، وهناك، يبتز الدولة بالمعارضة، ويستخدم المعارضة فى مساومة الدولة.. نموذج موجود وفق معادلات معينة، وألعاب كان يجيدها النظام السابق.. المخرج الذى يتظاهر بالانحياز للفقراء وبالمعارضة، وهو غارق فى الثروة، والمتع الحسية، والانتهازية الشخصية، والسياسية أيضًا، هذا رجل أصفر، يقنع أى سلطة أنه سيخدمها أكثر وهو معارض، وهو كاذب فى تأييده، وكاذب فى معارضته.. شخص انتهازى لا يهمه سوى مصلحته، ونرجسيته المريضة، لا يؤمن به سوى مجموعة من المستفيدين، أو المدعين، أو الأبرياء المخدوعين الذين يبحثون عن معنى.. الإعلامى الذى يدعى المعارضة، ويتحول من فلاح فقير إلى ملياردير بخداع الناس، ينسق مع أى مركز قوة فى السر، ويخرج للعلن رافعًا راية المعارضة، يرتزق من كل نظام، ومن كل وضع سياسى.. يبدل أفكاره حسب اتجاه الريح.. هذا إعلامى أصفر، يتظاهر بشىء ويبطن شيئًا آخر.. نرجسى لا يهمه سوى مصلحته الشخصية ورصيده فى البنوك.. نموذج موجود ومستمر ونكاد نعرفه بالاسم.. بل هو مدرسة يخرج منها تلاميذ وأجيال متتالية. هذه نماذج من النخبة، أفرزتها مدرسة الإدارة بالفساد، ولم تجد نفسها مرتاحة تمامًا فى العصر الحالى، الذى يؤمن بالوضوح، والشفافية، والصراحة، ويرى أن «الرجال الصفر» أضروا مصر كثيرًا.. هؤلاء الصفر ما زالوا موجودين.. يقاومون، بل ويحققون بعض المكاسب، لكنهم يتضاءلون كلما زادت مساحة الإنجاز، وكلما وثق الناس فى الدولة المصرية.. إن هذا ليس المناخ المناسب للرجال الصفر.. يناسبهم أن يكره الناس الدولة، أن يتصاعد معدل الغضب، أن تزيد درجة الفوران.. هنا يظهر الرجل الأصفر ليقدم خدماته للدولة، يقول إنه قادر على امتصاص غضب الجماهير، وتحويله فى اتجاه غير مضر.. هو يطلب فقط الحرية فى النباح.. التمثيل على الناس، أن يلعب دور شجيع السيما.. مع بعض الملايين مكافأة له على هذا الدور.. الآن بلغ المجتمع سن النضج.. أصبح يكشف «الرجال الصفر»، لم يعد فى حاجة لخدماتهم.. الناس تتشوق لنماذج صادقة، تخدم بلدها عن اقتناع ويقين، هذا يصيب الرجال الصفر بالجنون، يدفعهم لـ«التلطيش» هنا وهناك، بحثًا عن مكسب، أو على سبيل الابتزاز.. من سمات الرجل الأصفر أنه إذا فشل فى الابتزاز سرعان ما يعود لطاعة الأوامر بسرعة البرق، إنه مثل «اليويو» الذى كان يعرفه الأطفال فى الماضى، مثل «السوستة» يرتد من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين فى غمضة عين.. على المستوى الشخصى لم أحترم أبدًا رجلًا أصفر.. رغم أن البريق يحيط بهؤلاء أكثر من الصادقين بكثير.. احترمت كل ذوى المواقف الواضحة، سواء فى المعارضة أو التأييد، على الأقل لا يرتكبون رذيلة الكذب، لا يضللون الناس، لا يخدعون أنفسهم، لا يبتزون الدولة بحثًا عن مكاسب، لونهم واضح، سواء كان أبيض أو أسود.. أما الأصفر، فيرتبط بعدم النقاء، عدم الوضوح.. بالخيانة.. كل احترام لكل رجل واضح أيًا كان موقفه، وكل الاحتقار لكل رجل أصفر يلعب على كل الأطراف بحثًا عن المكسب، وما أكثر الرجال الصفر فى حياتنا.