رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الإنسان الكلاسيكى

صبحي شحاتة
صبحي شحاتة

 

 

كان الأب بغرفته الكتيمة البعيدة فى آخر الشقة يجاهد- الله يكون فى عونه- أمرين، كل أمر أفظع من الآخر، فالأول هو الموت- بعد الشر عن السامعين- الذى حل الآن على عجل، كان مستعجل خالص، عايز يفرمط الشيخ، ويقلبه بدرى بدرى علشان يشوف غيره، ودى حاجة زعّلت الشيخ قوى لأنه حس إنه حتة شغل فى يد الموت، الذى أمسك به من رأسه وقدميه وشده وفرده، فإذا بجسد الشيخ الواهن المنكمش القصير المدملك يتمط كأنه الكاوتشوك، ويستطيل، ويطقطق وتتفكك مفاصله، وينشفط بطنه، وتغور عيناه فى محجريهما، وتتخبط روحه فزعة هاربة فى حفر وشقوق ومهاوى جسده، مرة فى معدته، ومرة فى قفاه، وأخرى فى سلسلة ظهره، هاربة من أصابع الموت الطويلة، ذات المخالب الممتدة، تبحث عنها وتقبض عليها، وتشدها شدًا شديدًا، فتمزقها، وتخلعها من لحمها ودمها، والأب لا يستطيع الصراخ، ولا حتى التنفس. 

أما الأمر الثانى الأفظع من الأول- إن كان فيه حاجة أفظع من الموت- فهى الأزمة المعرفية الطاحنة التى طالما أجّلها إلى لحظته الأخيرة تلك، واعتبرها سرًا لن يخبر به أحدًا أبدًا، إلا ابنه الصغير ليريح ضميره، وكانت الأزمة المعرفية تلك من الشدة والعنف حتى هدت حيله، وقوضت قواه، وسحبت كل الدمع من عينيه. 

وهى عمومًا أزمة معروفة ومش جديدة فى عالم الفكر والمفكرين، لأنها تصيب كل من يعمل فى الفكر جادًا، والشيخ طيلة عمره مُكب على كتب التراث الدينى، قارئًا وباحثًا، لحد ما لطّ فى كتب الفلسفة، اللى جاءت له بالصدفة من ابنه الصغير تحديدًا، لأن الواد دودة كُتب، ولما أبوه طلب يعرف الواد المقرود ده بيقرا إيه، رمى له الولد كتاب «هكذا تكلم زرادشت». 

ومن يومها والأب اتلبشت جتته، وعقله شرد فجأة منه، وخرج عن الحيطة، بل قفز فوقها وصار خارج السور والسياج، وفكر فى المحظور، ولقى نفسه على مشارف الإلحاد ويا العياذ بالله. 

وكان عارف إن اللى يتعمق فى الكتب هيلحد هيلحد.. وكل الشيوخ زملائه قالوا له كده.. وحذروه من الفكر والتفكير.. وقدموا له نموذج الشيخ الدكتور مصطفى محمود، الله يرحمه، وهو مش هيجى حاجة فى علم الشيخ مصطفى، اللى دماغه شتت وكفر، لكنه رجع بقدرة ربنا وحده، ودعاء الوالدين. 

كان الأب إذن يتمزق تمزيقًا فى غرفته الكتيمة المسدلة الستائر، لا يقترب منها أحد، ولا يسمعه مخلوق، ولو نادى بجماع صوته- إن خرج صوته- فلن يعبره أحد.. لأن ما فيش حد فاضى الساعة دى، خصوصًا الساعة دى بالذات، لأن الدنيا فوضى بره. 

وها هو الأب المجاهد ينادى الآن على ابنه فى يأس من سماعه، ويتمنى حدوث معجزة تجعل ابنه يأتى له قبل ما يفرفر، ولو جاء سيخبره الأب بسر الأزمة المعرفية الدفين، ويموت مرتاحًا رغم كل شىء. 

 

وكان من المستحيل طبعًا على الابن سماع صوت أبيه المحتضر، لأنه كان هناك فى عالم من الفوضى، والفوضى كانت على أشدها فى صالة الشقة الواسعة، الشرحة البرحة، المليئة بالناس الفرحين المزقططين، يرقصون على أصوات السماعات الكبيرة «الدى جى»، ويغنون الأغانى الشبابية والهبابية التى ارتضت بها أسرة الأب الشيخ المحافظ، وذلك خضوعًا لابنها الدلوعة، آخر العنقود، العفريت المسلسل، الذى لا يهدأ الآن ولا يكف عن الركض هنا وهناك، يراقب الأشرطة الملونة والمكشكشة والمليئة بالورود الورقية والبالونات المنفوخة على الآخر، تكاد تطق طقًا، والمعلقة بالسقف، ويشرف على الموائد وأطباق الشوكولاتة، والحمص والسودانى والترمس.. إلخ إلخ، وكذلك التورتة والشموع، وكل لحظة يرفع ذراعه يحيى الضيوف الموجودين، والآتين، ويسلم ويحضن ويبوس، كأنه نجم الليلة وكل ليلة، أو الإله دونيسوس فى زمانه، والبنات المساخيط الحلوين «المأطأطين» حواليه، وفى رجليه، والأكبر منهن أيضًا، أى الصبايا والشابات الحلوات الجارات والقريبات والبعيدات، وكل من هبت ودبت، ارتدت اللى على الحبل، المقور الصدر والمدور الخصر، والمحبوك والمهفهف، ورششن الروائح والعطور، ورفعن شعرهن فورمات ساخنات علشان ربنا يسهل لواحدة منهن يمكن تحلو فى عين الابن اللى على وش جواز، يشقطها أو تشقطه، ويرموها له، ويخلصوا منها علشان يشوفوا غيرها.

وها هى التورتة المستديرة ذات الأدوار العظيمة كأنها البرج، برج ليّن مترجرج، مزيّن بالكريمة والألوان الغامقة الشهية، تفتح أجعصها نفس مسدودة، فوق المنضدة المستديرة وعليها الشموع داير ما يدور، فى كل دور شمعة واتنين وتلاتة، ودور وراء دور- حبيبى ما جاللى نوم- لحد ما نوصل للشمعة رقم ثمانية عشرة بالتمام، وحولها الجمهور الظائط الفرح يغنون ويصفقون ويرقصون، وهابى بيرز تو يو.. وسنة حلوى يا جميل، وكل سنة وإنت طيب يا حبة عين أمك، وخالتك، وعمتك، وهلم جرا. 

والآن بس، بس، هس، هس.. ها هو الابن يتقدم من التورتة. 

راشش على شعره ذرات الفضة اللامعة، وناتف دقنه، ولابس القميص الجديد الفسفورى الملعلط، والبنطلون الساقط والمقطع من على الركبتين، والجزمة اللميع، أم بوز مدبب، والجرافتة اللى على شكل فيونكة، وصديرى فوق كل ده، من بتوع الرقاصين.. كإنه برنس ابن باشوات يا أختى، ومش ابن عم الشيخ الزاهد بتاع «ربونا».. ولو جئنا إلى الحقيقة الولد مادد لبره، بعيد عن أهله بكتير، ومنقى أصحابه من حتت بعيدة عن الأحياء والأموات الشعبية خالص، وعيونه بتروح لبعيد، وخياله معدى مصر باللى فيها، وناطط على بلاد بره عدل، ومصاحب بنات أمرات حلوين مش عارف ليه قولوا هييييه، وعارف الورقة والقلم والجرنال والكتّاب الأجانب، خصوصًا الخواجة ده اللى ليه شنب يقف عليه الصقر واسمه نيتشة، اللى هو صاحب كتاب زرادشت، اللى رماه الولد لأبيه، واللى أعلن بالمفتشر كده إن الله بتاعهم مات، ويعرف الواد كمان الأحزاب المعارضة، وشرب السجاير، والبيرة، وعطاط، ومفكر ليبرالى، وحكاية الدين والإيمان دى ولا على باله، طايش بقى، وربنا يهديه هو واللى زيه.. وهانقول إيه، الله يخرب بيت النت والنتيتة. 

ها هو الولد الدلوعة آخر العنقود، اسم الله عليه، يقترب الآن من التورتة بجسمه الطويل الفرع.. أصله طالع لأمه الفرعة زى العود الخيرزان، وهى غير أبوه خالص، القصير المكير الزئردة، اللى يفوت فى الحديد، هليّب، يجيب القرش ولو من حنك السبع، يكبش من ده وده، ويرمى فى حجر مراته، وهى ما تكدبش خبر، لبس تلبس، وفسح تروح تتفسح، وتجيب فى أكل ولحمة وفواكه، وتلُغ، ومش حارمة نفسها من حاجة، علشان كده تلاقيها مربربة وحلوة، ومش باين عليها العمر أبدًا، لحد ما جوزها الشيخ الوقور اللى لفها كعب داير فى كل المآتم، والمناسبات الدينية، ما يونش لحظة، وصلت رجله للإذاعة المصرية العريقة، وإذاعة القرآن الكريم بذات نفسها. 

لكنه الآن انهد حيله، واترمى فى سريره، مش قادر يقوم خالص، وينادى ويهلفط وما حدش سائل فيه، سبحان المغيّر الذى لا يتغير. 

ها هو الابن يشب لينفخ فى الشموع الملهلبة، فوق التورتة السايحة، وسط الهلمة والموسيقى والهيصة. 

لكنه تخشب وأمسك بقلبه وزعق بلسانه:

«أبى.. أين أبى؟.. خيانة».. 

وراح يلف ويدور كأنه محصور، ثم اندفع إلى غرفة نوم الأب، ودفع بابها المغلق، وفتح النور، فغرقت الغرفة بالنور الباهر، وانقض على أبيه، الذى فى نفس اللحظة استطاع بقدرة قادر أن ينهض من سريره ويعتدل عليه، ويزعق رغمًا عنه:

« ابنيييييييى».. 

وتلاقيا فى عناق حار باكٍ.

 

قال الابن: لو كنت فاكر نفسك هتكت منى، وتزوغ، ومش هتدفع نقطة عيد ميلادى، تبقى بتحلم.. إيدك على الورقة أم مائتين حالًا.

بكى الأب الطيب، الذى كان يحاول طيلة هذا الوقت كله أن ينهض لينادى على ابنه، ويخبره بسره الذى يمزقه تمزيقًا، خصوصًا فى لحظاته الأخيرة هذه، وفجأة بعدما يئس واستسلم للموت، انفتح عليه باب غرفته، وأطل عليه شبح، ظنه الأب ملاك الموت، فاندفع قائمًا بظهره، صارخًا بالنداء على ابنه بكل قواه، فانبلج النور غامرًا الغرفة، ووجد ابنه حبيبه بين ذراعيه، وفى أحضانه، فأمسك به وتمسك، وراح يخبره بسره همسًا، ملاحقًا آخر أنفاسه فى الحياة: 

سأخبرك أنت وحدك بسرى، بحقيقتى، وأزمتى المعرفية، وصراعى الثقافى والروحى والوجودى.. أنا يا حبيبى...

وراح يضغط على الولد بكل قواه، حتى يبقيه فى حضنه، لتصل إليه كلماته الأخيرة: 

أنا يا ولدى الحبيب.. 

متشكك فى كل شىء.. 

أنا لا أدرى.. 

أنا آآآه.. 

لا أعتقد فى وجود العالم الآخر.. 

وانخرط الأب فى البكاء.. وكاد أن يذهب إلى ربه ليحاسبه على فجوره هذا، لولا أن الابن ضحك ببساطة وقال له: 

«عادى جدًا يا والدى.. دى حرية اعتقاد.. والأزمة المعرفية اللى حضرتك حاسس بيها دى مجرد وجهة نظر، وإحساسك ومشاعرك وأفكارك.. إلخ، بتاعتك إنت بس، ومش ضرورى أبدًا تكون حقيقة براك، وتخص الغير. 

فين النقوط بتاعى بقى.. مائتى جنيه مش هتنازل عنها أبدًا. 

نظر الأب مذهولًا إلى ابنه، الذى يمد يده فى جيبه، ويأخذ منه الورقة المالية الكبيرة، ويواصل كلامه الساخر:

الإنسان الكلاسيكى ده مشكلة فى حد ذاتها.. 

لأنه ممزق بين التناقضات، ومش عارف يتعايش معاها أبدًا.. 

عيشته مأفورة، وتراجيدى، كأنه مركز العالم كله.. 

يا للا يا حجيج، 

بلاش دلع، 

قم علشان نطفى الشمع، 

وقل يا باسط..