الأربعاء 08 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

عقل مصر ومنارات التنوير

في مناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، أعاده الله على شعبنا بالخير والبركات، أذكر أنه في حديقة النادي الأهلي عام 1949 قدمت سيدة الغناء العربي أم كلثوم بصوتها العظيم قصيدة "ولد الهدى" للشاعر أحمد شوقى في 129 بيتا، لحن الموسيقار رياض السنباطى منها 34 بيتا.

ويحكى الملحن رياض السنباطى في مجلة "بناء الوطن" عام 1963 ما حدث في هذا اليوم فيقول: موقف كنت شاهدا عليه في تلك الليلة، فقد وقع صدام بين أم كلثوم والقصر الملكى بسبب البيت القائل «الاشتراكيون أنت إمامهم.. لولا دعاوى القوم والغلواء»، فلما كان الملك فاروق يكره كلمة الاشتراكية، اعتبر هذا البيت ترويجا لها، وبينما كنا نسجل القصيدة في مسرح معهد الموسيقى العربية، وأثناء التسجيل فوجئنا بمبعوث من القصر يطلب حذف هذا البيت من أم كلثوم، انفعلت أم كلثوم وتوقف التسجيل، ولما كان البيت مكملا في القصيدة ومن بنائها أعلنت أم كلثوم تمسكها بالبيت، بل هددت بإلغاء التسجيل في حالة إصرار القصر على التدخل، ثم أجرت أم كلثوم اتصالاتها بالقصر الذي رضخ لإصرار أم كلثوم على البيت، وتم التسجيل دون الحذف.

ومن موقف "ثومة" والإصرار على صواب الخطاب الشعري واتخاذ مواقف وتقديم رسائل متجددة  كلما سنحت الفرص  لدعم منهج التنوير كأسلوب حياة، وإلى الفارس الاستثناء د. طه حسين الذي يستحق شهادة الريادة والزعامة لأهل التنوير في تاريخنا المصري المعاصر، فلنقترب هنا من بعض مواقف وردود أفعال صاحب الدور التنويري الأهم في زمانه، بل وعلى مدى كل أيام عمره الممتد.

في تعقيب د. طه حسين على خطبة العرش عام 1947، كانت كلماته الحادة والموجعة نقدا ساخرا وقراءة لواقع وبشجاعة رائعة من جانب قارئ وطني للأحداث بوعي وقدرة على الشغب المقلق لأهل السلطة.

قال: "كانت رائعة بارعة خطبة العرش التي ألقاها رئيس الوزراء في البرلمان، صورت لنا الحياة المصرية كأحسن ما تكون حياة الأمم: حكومة جادة لا تنام ولا تنيم، وشعب عامل لا يريح ولا يستريح! وقد رضيت الحكومة عن نفسها فأثنت على نفسها، ورضي البرلمان عن الحكومة فصفق للحكومة، وسمع الشعب للحكومة تقول والبرلمان يصفق، فهز الأكتاف وهز الرءوس، وترك الخلق للخالق، وأقبل المترفون على ترفهم ينعمون بغير حساب، وأقبل المحرومون على حرمانهم يألمون بغير حساب".. هكذا كان العميد في بعض مواجهاته المشهود لها.

بالإضافة إلى أن أهم ما كان يميز طه حسين بين أقرانه من رواد النهضة في مصر وعيه الكبير بجدارة مفهوم التنوع عبر التاريخ، واحترام وتقدير التعدد الموجود بشكل واقعي في المجتمعات وبردود أفعال الوضوح والدلالة في رؤيته لمستقبل الثقافة المصرية، فهو يعتبرها أنها يجب أن تتكون دائما من ثلاثة وجوه ثقافية متمازجة ومتناسبة فيما بينها، وهذا ما كان يبدو جليا في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" حينما قال: "عناصر ثلاثة تكوّن منها الروح الأدبي المصري منذ استعربت مصر، أولها العنصر المصري الخالص الذي ورثناه عن المصريين القدماء، والعنصر الثاني هو العنصر العربي الذي يأتينا من اللغة ومن الدين ومن الحضارة، أما العنصر الثالث فهو هذا العنصر الأجنبي الذي أثر في الحياة المصرية دائما، والذي يأتيها من اتصالها بالأمم المتحضرة.. وعليه، فإني أحب أن يقوم التعليم المصري على شيء واضح من الملاءمة بين العناصر الثلاث".

نعم، طه حسين أراد في بداياته أن ينزع قيود التخلف والرجعية من عقل مصر، من عقل مَن عاصروه وخرج عليهم وتمرد ضدهم، إنه في تمرده كان موضوعيا، وفي رسائله كان نموذجا عصريا للأديب والفنان الذي جاء به القرن العشرون.