الأربعاء 08 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الحرية بين القدرية والقوانين الوضعية

كل شىء على وجه الأرض مرتبط بظروفه ووفقًا لمدى الارتباط به أو الاحتياج  إليه، وقضية الاحتياج تعلن عن ذاتها، فالكون الذي نعيش فيه لم يوجد بذاته أو لذاته، بل وجد لمواجهة الاحتياج إليه.

ووفقًا لنظرية هيراقليطوس "كل شيء في الوجود له ضرورة ويقابلها مسئولية وبين مواجهة الاحتياج والمسئولية وجد العقل لضبط  العلاقة بينهما".

كما أن نظرية الحتمية أو الجبرية مبنية على الافتراض أن كل ما يحيط بنا في هذا العالم– كبشر هو مصير محتوم تقدره الطبيعة وأنه معد مسبقًا بواسطة العقل الأكبر، ووحده وضع كل حدث يحدث حولنا، وأن هذه القوة يعبر عنها الإنسان بالخالق الإله الضابط لكل الأحداث التي يدور الإنسان في فلكها.

ومن هذا المفهوم خرج الفكر أن كل الأشياء معدة مسبقًا ولا يستطيع المخلوق أن يغير من خطة الخالق أو يتجنبها أو يعدل من مسارها، وهذه هي نظرية الجبرية أو الحتمية أو القدرية.

ويترتب على هذه النظرية تأثير خطير في حياة الإنسان، فهو أقرب لتعبير القشة في مهب الريح، فكل الأشياء معدة ومقدرة ومقررة سلفًا، ولا دخل للبشر فيها تجنبًا أو تعديلًا أو توقيتًا، حيث لا سلطان لأحد على القدرية الحتمية، ذلك هو قانون القدر الذي يجعل الإنسان كالحصان الملجم ويسير وفقًا لإرادة صاحبه، ولا مجال له لتغيير مسيرته.

تلك هي النظرية التي فسرتها المسيحية بقانون الإنسان مسير لا مخير وفقًا لإرادة الذات الإلهية، وما على الإنسان إلا التسليم للأقدار المقدسة تسليمًا مطلقًا كالموت المحتوم.

ومع عصر التنوير بدأت بوادر التحرير والانتقال من تسيد فكر القدرية إلى سيادة القانون والجرأة على ما كان يعد من الخطوط الحمراء حتى لمجرد الحديث بما يخالف نظرية المقدر والمحتوم، حتى قبل أن يولد الإنسان، فهو ليس مخيرًا، بل مسيرًا بنجاحه وفشله، ولا مساحة بين القدرية والحرية إذ لا مكان للحرية هنا، حيث إن العقل الأكبر الذي يفوق كل العقول قد سبق فرتب كل الأوضاع الكونية التي يمر من خلالها البشر، بل والطبيعة وكل الكائنات، حيث إن العقل الأكبر قد رتب كل ما يخص خليقته، فالله هو الخالق والضابط كل الأشياء، ولا يستطيع كائن من كان أن يتحكم فيها أو يغيرمصيرها ومسيرتها، معبرين عن ذلك بنظرية القدر المحتوم أو الجبرية.

ويرى المفكرون أن التسليم بالقدرية المطلقة نظرية مدمرة للحياة البشرية، حيث يصبح الإنسان قشة في مهب الريح، فكل شىء مقدر ومكتوب، ولا سلطان لأحد على تغيير أو تعديل لقدرٍ أعد مسبقًا قبل أن يولد الإنسان، مع ما في إطلاق هذا الفكر من قتل للفكر والإبداع والحرية، حيث إن كل الأشياء سبق إعدادها ولا مجال للتعديل أو التغيير فيها أو منها.

أما النظرية الحديثة في هذا المجال فقد ربطت بين الثقة في قدرة الخالق كلي العلم وكلي الإرادة وكلي الحكمة وهو كلي الحب والعطاء، إله الخير والحب  والسخاء، وبيده المقادير،  ومن هذا المعنى يمكن أن يصبح الفقير المعدم قائدًا،  بل ورئيسًا أو ملكًا، فالله لم يقيد الإنسان من أن يعمل ويجتهد وينال أجر ما عمله، ومن يهمل ويقصر فقد يخسر ما لديه ويفقد كل ما وصل إليه، وبهذا سمعنا عبارة "لكل مجتهد نصيب".

وعن فكرة الحرية بإطلاقها، فقد كتب الفيلسوف الألماني هيجل "لا توجد أفكار من فراغ، والعقل هو المسيطر على العالم الذي يمثل تاريخه مسارًا عقليًا، كما أن العقل لا يتعالى على الواقع، ولا ينفصل عنه ولا يتجزأ، وهذا هو العقل الكوني، وذلك لا يتعارض أبدًا مع الحكمة الربانية التي لا تتعارض أبدًا مع الواقع ولا مع جهود الإنسان ومسئوليته كما في حالة إنقاذ غريق أو نجدة مظلوم أو غوث ملهوف.

كما وضع هيجل نظريته الشهيرة والمرتبطة باسمه، إذ سميت "النظرية الهيجلية"، ومفادها: أن العقل يحكم التاريخ، وتناول ثلاثة عناصر غاية في الأهمية:
١- ما هو العقل.
 ٢- الأساليب التي يستخدمها العقل.
 ٣-الصورة التي يتحقق  فيها العقل .

وفينا يخص ماهية العقل، فهى الحرية والاستقلال الذاتي، وما العوامل الخارجية إلا وسيلة وسيطة لنمو الذات والروح الذي هو الوعي الذاتي الذي يعي نفسه حين يدرك العالم الخارجي، كما ويدرك أيضًا أن تاريخ العالم ليس إلا صراعًا من جانب الروح للوصول للوعي الذاتي الذي يسعى إلى تحقيق الحرية في إطار من الوعي الحقوقي والأخلاقي.

كما أن ظهور الحقبة المسيحية وكيف ساعدت هذه الحقبة على تشجيع الفرد والاعتراف بحقوقه وأهمها الايمان بالله

كما نادى "كانت" أن الفرد هو ذات عاقلة وحرة ومستقلة، بغض النظر عن كونه ينتمي الى أعراق مختلفة أو طبقات اجتماعية متنوعة، وفي ذلك قمة تطورالروح، وأعلى درجات الذات.

وفي نهاية الأمر يخرج "كانت" بهذا الملخص إذا كان العقل كما يقول (هيجل) يحكم العالم، وأن التاريخ البشري ما هو إلا نموذج لهذا العقل الكوني فإنه سوف يجد ذاته واقعيًا في نموذج الدولة المدنية الحديثة كنظام عقلاني مستمد من القانون المدني المؤسس على مبادئ "المعقولية والحرية"، وبهذا يحل مفهوم الحق الوضعي محل الحق الإلهي للملوك، وستحل أسماء المشرعين القانونيين المدنيين محل الملك داود والملك سليمان وغيرهم الذين مارسوا في زمانهم الحق الإلهي وحق الحاكم، وسيحل في العصر الحديث مشرعون للدولة المدنية، وليست الدولة الثيوقراطية، ومن أمثلتهم  "هوبز"، و"منتسكيو"،  و"روسو" كمنظمين لدولة الحقوق المستندة إلى إرادة الشعوب، أي الإرادة العامة، وينتقل المجتمع من نظرية الطاعة العمياء للحاكم أو ولي الأمر باعتباره ظل الله على الأرض وخليفته إلى المعنى الجديد،  وهو مجتمع دولة القانون الوضعي القابل للتغيير والتعديل والتنقيح لصالح الشعب، وليس وحيًا غير قابل للنقد، وبذلك تتغير سلطة الحاكم المطلقة وذلك بموجب عقد اجتماعي، فيصوره دستور يتعهد فيه الحاكم أن يحترم الدستور والقانون، وبذلك يكون قد وقع على عقد بينه وبين الشعب، ويعين الشعب مجلسًا نيابيًا، أو مجلسين، لمراقبة الحاكم حتى لا يخرج عن قواعد الدستور والقانون، وأنه يرعى مصالح الشعب رعاية كاملة.